غسان سحاب: من تاريخنا نستنبط جديدنا

«شرقي» أول مولود لفنان شرقي الجذور والفكر

زهرة مرعي

Mar 04, 2017

بيروت ـ «القدس العربي»: «شرقي» هو اسم الـ «سي دي» الأول الذي يحمل توقيع الفنان غسان سحاب. الكتابة الموسيقية ليست مستجدة في حياته، بل أن تعبيره الموسيقي قائم منذ سنوات رغم عمره الشاب. في الثامن من هذا الشهر ضرب سحاب موعد لقاء مع محبي الموسيقى ليقدم لهم جديده، وهو الفنان المعروف بإجادته اللعب على أوتار القانون. مكان اللقاء مع موسيقى «شرقي» سيكون على مسرح دوّار الشمس ومن هناك سيقول رأيه بحالنا من خلال الموسيقى.
قبل شهر عزف سحاب مقطوعة «خريف عربي» أمام جمهور واسع في الجامعة اللبنانية الأمريكية بفرعيها. من يقرأ العنوان قد يتبادر لذهنه أن أفكاراً تحتشد في تلك المعزوفة تعبيراً عن واقعنا. في رده على الاستنتاج يعود سحاب إلى دراسته وتدريسه لتاريخ الموسيقى المشرقية ويقول: تعرفت إلى تاريخ شرقنا من خلال الموسيقى. وهو يبدأ من السومريين وصولاً إلى مؤتمر القاهرة وحتى القرن العشرين. نحن في مرحلة انحطاط ثقافي، والموسيقى أحد المظاهر كمنتج لهذا المجتمع. نهضة الموسيقى تترافق مع نهضة فكرية واجتماعية. في مقطوعة «خريف عربي» حاولت تقديم صورة عن واقعنا في هذه المرحلة من التاريخ. إنها مرحلة الضجيج والعنف. بشر يتحادثون دون إصغاء من أحدهم للآخر. كم تمكنت من التعبير عن هذا الواقع موسيقياً؟ القرار متروك لمن سمع تلك المقطوعة، والتي جاءت ضمن فعالية «الموسيقى والأزمة» في الجامعة اللبنانية الأمريكية. ولا شك أن في المقطوعة طرح سياسي، كما انها تتميز بالتناغم والتنافر النغمي بين الآلات التي عزفتها، وكذلك ضجيج وارتجال. فالآلات الموسيقية قالت جملاً مركبة واحدة فوق الأخرى، فيما يشبه تماماً «التوك شو» السياسي على شاشات التلفزيون. وفيها تعبير عن كل ما نسمعه ونشاهده على الشاشات من ضجيج، وقفلت بجملة موسيقية رومانسية. ويخلص غسان للقول: لكن عندما يقفل أحدنا بابه على نفسه سيفكر في الأحسن وبإيجابية دون شك.
من سيقول الكلمة الفصل كرد على سؤال صاحب الشأن هل هم النقاد فقط أم لعامة الناس رأيهم؟ يشرح الفنان الموقف: الموسيقى تخاطب المشاعر، فإما نستلطفها أو لا. منهم سيحبها وآخرون لا. وقد يفضلون موسيقى فلان وليس غيره. أجمل تعامل مع الموسيقى هو أن نتلقاها بشكل عفوي. لكني على بينة من أن الموسيقي المختص سيجد في اسطوانة «شرقي» التي سأقدمها في الثامن من آذار/مارس تفاصيل يتوقف عندها، وأن تلقي الجمهور سيكون مختلفاً. فليس بالضرورة أن يكون سامع الموسيقى حاصلاً على درجة دكتوراه. وصول الموسيقى للناس سهل كونها تبلغ المشاعر مباشرة، رغم وجود مؤلفات موسيقية صعبة على المتلقي.
شعوب الشرق ترتاح للكلام المُلحن وتفاعلها معه أكثر سرعة. رغم وصفه للمرحلة بالانحطاط غسان سحاب يخاطب الجمهور من خلال الموسيقى. فهو موسيقي وعازف وليس له في الغناء. قراره الحالي التواصل من خلال الموسيقى. يوضح المسألة من خلال تخصصه: كافة الشعوب المطلة على حوض المتوسط ترغب الكلام الملحن، بمن في ذلك شعوب جنوب أوروبا من إيطاليا، اسبانيا واليونان. فيما جاءت السيمفونيات من ألمانيا. لا شك أن الكلمة تتحقق لها سرعة الوصول عندما تكون مترافقة مع الموسيقى.
نلمس وداً من نغم الآلة الوترية وخاصة القانون ونستغرب أن تبلغنا رسالة فيها ضجيج كما في «خريف عربي»: إنها طريقة العزف. العزف التقليدي المشرقي على الآلات نغمي. يمكن طرق الوتر ليعطي صوتاً عنيفاً، وعزف جملة موسيقية منفّرة دون خبط على الآلة. قد يذهب أحدهم إلى «الربيع العربي» لدى القراءة عن مقطوعة «خريف عربي» فيما أقصد الإشارة إلى المرحلة بشكلها العام. نحن في خريف حضاراتنا في الوطن العربي مع الأسف. نعاني من فصل تاريخنا عن حاضرنا. ولا نتواصل مع ماضينا في إطار التطور الطبيعي للبشر. لهذا نعاني من أزمة هوية على كافة الصعد في مجتمعاتنا. التعبير ضرورة لدى الموسيقي. والعزف يزيل غضبه. ربما هذه مسلمات. لكن غسان سحاب يسأل عن طريقة التعبير وإزالة الغضب؟ ويرى: لهذا التعبير أن يكون هادئاً. وللمقطوعة الموسيقية أن تحمل شخصية المؤلف. ففي «سي دي» «شرقي» تواصل مع التاريخ الموسيقي المشرقي، ومحاولة استنباط جمل موسيقية جديدة أصيلة ومرتبطة بجذور ثقافتنا. لهذا كانت التسمية «شرقي». إنه شرقي أنا. أما مقطوعة «خريف عربي» فقد حملت أصواتاً مختلفة، ومن سمعها عبّر عن استيعاب القصد منها.
غسان سحاب موسيقي يعزف ارتجالاً وتجريباً على المسرح ويوضح أن ذلك محكوم بالعلاقة بين الموسيقيين وتبادل الطاقة مع الجمهور. ويضيف: لأن آلة القانون وليدة ثقافة الشرق منذ قديم الزمن فالجمهور يرحب بها. للأسف وعبر المشاهدة الأكاديمية، قلة يقبلون على درسها، إلى جانب العزوف عن غيرها من الآلات الشرقية، وهذا ما يعكس التغريب في ثقافتنا. يرسمون لأبنائهم درس الغيتار، والبيانو، فيولون غربي وليس كمان شرقي. لهذا أتعمد الإضاءة على مواقع الجمال التي لا تحصى في ثقافتنا للطلاب في الجامعة. وملاحظتي الإيجابية والمشجعة أن معرفة الطلاب بثقافتنا وحضارتنا تجعلها موضع اهتمام بحثي من قبلهم.
«شرقي» مشروع قائم لدى غسان سحاب منذ سنة 2012. يقول: «نفّذت السي دي بدعم من منحة حصلت عليها من مؤسسة آفاق. كتبت المقطوعات بين 2012 و2013 حينها فكرت في موسيقى معاصرة متصلة بتاريخ موسيقى الشرق. من موسيقى القرن 18 و19 أخذت القوالب، الإيقاعات والمقامات، إلى جانب الأثر المتبادل العثماني والفارسي. «شرقي» ذو هوية مشرقية».
وهو متمسك بالقوالب التقليدية ويترك مساحة في حركته الموسيقية للارتجال. لهذا نسأله كم يتآلف هذا مع ذاك؟ ومنه نعرف أن الارتجال يشكل أحد الخصائص الأساسية في موسيقانا الشرقية. ويقول: أتناول لحناً ثابتاً وأعزفه وفق اسلوبي مضيفاً إليه، وقد أختصر منه، أو أعزفه في كل مرة بطريقة مختلفة. أما التقاسيم وهي شبيهة بالموال على صعيد الأداء. فالعازف أو المغني يرتجل جملاً نغمية خاصة به. للتقاسيم تفاعيل شعر مستمدة من الموال. الارتجال هو طريقة تعبير من العازف أو من تفاعل أعضاء الفرقة الموسيقية فيما بينهم. أما التجديد فيكمن في تغيير القالب أو الإيقاع. الموسيقى لغة، واللغة تتجدد.
اختيار آلة القانون كدراسة وتخصص هل هو ذاتي؟ نعم يؤكد سحاب ودون تأثير من الأهل. وهو لا يعرف سبب الاختيار. ويؤكد: كل موسيقي يختار آلة ويجد طريقة خاصة به للتعبير عن مشاعره من خلالها. وبالتأكيد تصبح تلك الآلة معبرة عن طموحاته وذاته.
ما هو الطموح الفني لعازف ومؤلف موسيقي؟ يقول: أخوض التجربة في التأليف. أكتب ما يخطر في بالي من موسيقى، وقد يكون تلحين الأغنيات هدفاً لاحقاً. أعمل لأتشارك موسيقاي مع الجمهور. ما أطرحه في رأيي هو نغم مشغول، إنما ليس موجهاً لمتخصصين فقط، بل همي الجمهور.
أين يقع التعليم في حياة الموسيقي؟ رداً على السؤال يبدأ سحاب من الذات: التعليم يغني ثقافة المعلم، لأنه يبدأ من البحث. فليس لأستاذ تكرار معلوماته. تخصصت في تاريخ المشرق الموسيقي، وهذا ما يفتح أمامي أفقاً دون حدود، كما أنه ترك أثره في خياراتي وشخصيتي الموسيقية. في الجامعة الأنطونية أدرّس اختصاص الموسيقى، وفي الجامعة اللبنانية الأمريكية مقرر الموسيقى اختياري. مع طلابها أفرش موسيقانا على رحابتها. وأظهر لهم جوانبها كافة. أسعى لأن يكون تلقي تلك الموسيقى بإيجابية. أما طلاب الاختصاص اسهِّل لهم طريقة الوصول للمراجع، وأمدهم بالتقنيات الضرورية للقراءة والبحث ودون تأليه ما يقوله الاستاذ. هو التفكير بنقدية في كل ما نقرأه أو نراه. فالمراجع تحتاج لأن نقرأها من جديد ونصحح بعض ما ورد فيها.

غسان سحاب: من تاريخنا نستنبط جديدنا
«شرقي» أول مولود لفنان شرقي الجذور والفكر
زهرة مرعي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left