أقدم منطقة تجارية في صعيد مصر وفيها العديد من الآثار الإسلامية: «قيسارية أسيوط»… آثار فوق الأرض وأساطير تحتها

مؤمن الكامل

Mar 04, 2017

القاهرة ـ «القدس العربي»: ما أن تطأ قدماك هذه المحافظة العريقة في منتصف صعيد مصر «مصر العليا» يستوقفك تاريخها وحضارتها الممزوجة بالتحضر والحداثة، التي تتمركز في المدينة بشكل أكبر عاصمة محافظة أســيــوط، دونا عن باقــي المراكز الـ11 التابعة للمدينة وتضــم عــشــرات القرى و«النجوع والعزب» المصرية.
أسيوط تبعد عن القاهرة مسافة 375 كيلومترا، وتحتضن أعرق جامعة في الصعيد وأول جامعة إقليمية في مصر، تفوح منها رائحة الفراعنة الذين أسسوا فيها حضارات «مير» في مركز القوصية و«دير تاسا» في مركز ساحل سليم، و«الهمامية» بمركز البداري، وآثارها شاهدة عليها، لذلك فبمجرد دخولك البلدة قد تسمع عن تجارة الآثار والتنقيب عنها كنشاط كبير يجتاح العديد من المنازل القديمة في مناطق معينة، وترى عددا من رجال الأعمال الذين طالما لازمتهم شبهات تجارة الآثار بالقرب من أشخاص نافذين في السلطة.

كنوز حضارة فرعونية

في نهاية العام الماضي، فجّر أثريون مفاجأة أن أسيوط مدينة عائمة على بحيرة من الآثار الفرعونية والإسلامية والقبطية والرومانية، إذ تضم المحافظة أقدم محكمة في تاريخ البشرية، حسب العلماء، الذين أكدوا أن حضارتها تمتد بين «أثار مير ـ آثار قصر العمارنة ـ آثار جبل أسيوط الغربي ـ آثار دير ريفا ـ آثار شطب ـ لوحات حدود مدينة أخناتون ـ آثار كوم دارا بعرب العمايم ـ آثار النواجى ـ آثار عزبة يوسف ـ آثار ـ آثار دير الجبراوى ـ آثار عرب العطيات ـ آثار المعابدة»، ويأتي علماء الآثار من كل أنحاء العالم إلى أسيوط لإعادة اكتشاف آثارها وحضاراتها.
«سوت» المشتقة من كلمة «سأوت» وتعني «حارس» باللغة الهيروغليفية أي حارس الحدود لمصر العليا عندما انضمت إلى طيبة عاصمة البلاد في نضالها ضد الهكسوس الغزاة تكونت أقدم إمبراطورية عرفها التاريخ، ومنها دخل اسمها اللغة القبطية «أسيوط»، تضم تراثا حضاريا من مختلف العصور سواء «الفرعوني أو الروماني أو القبطي أو الإسلامي».

«القيسارية»… سحر التاريخ الإسلامي

غرب المدينة، تنبهر بأحد أقدم الأسواق التجارية في مصر، يمتد لمئات السنين، سوق المجاهدين أو المجذوب أو ما يطلق عليها شعبيا «منطقة القيسارية»، التي يفوح منها عبق التاريخ الإسلامي، إذ تشبه إلى حد كبير أسواق «الموسكي وخان الخليلي» في القاهرة.
«تجارة الملابس والأقمشة والعطور ومواد العطارة والبخور» وانتشار محلات الحرف القديمة المختلفة مثل «الحدادة والنجارة والخط العربي وإصلاح الأحذية، والدباغة» وغيرها، تعج بها القيسارية، تمتع الناظرين من مواطني أسيوط والزائرين.
توجد في منطقة القيسارية في مدينة أسيوط ثلاث وكالات تجارية أثرية ترجع إلى العصر العثماني، وهي «وكالة ثابت» و«وكالة لطفي» و«وكالة شلبي». وقد شُيدت هذه الوكالات على الطراز المعماري العثماني، حيث يتوسطها فناء مستطيل الشكل وسقفها به نافذة كبيرة للإضاءة والتهوية. وتتكون الوكالة من طابقين الأسفل منه للدواب وتخزين البضائع في غرف، فيما خُصص الطابق العلوي للمعيشة والإقامة المؤقتة للتجار القادمين من المدن البعيدة. وقد لعبت الوكالات دورا هاما في الناحية الاقتصادية والتجارية حيث كانت أسيوط نقطة تجارة هامة في ذلك الوقت وكانت بداية لدرب الأربعين الذي يصل إلى إقليمي دارفور وكردفان في السودان، التي تنشط تجارة الشام منها وإليها.
وتقع الوكالات الأثرية في شارع محمد محمود باشا «القيسارية» سابقا، وفيها شارع الانكشاري، الذي يرجع اسمه إلى عهد الحكم العثماني للبلاد. وفي هذه البقعة الجميلة من مدينة أسيوط توجد مساجد تاريخية إسلامية مثل مسجد سيدي جلال الدين السيوطي ومسجد المجاهدين.
«القيسارية» منطقة تجارية قديمة ترجع إلى العصر العثماني فيها حوانيت للتجارة والخردوات والمصنوعات النحاسية والأقمشة اليدوية المختلفة، وهي تشبه إلى حد كبير منطقة خان الخليلي والأزهر ووكالة الغوري في القاهرة.
لكن مشهد الوكالات الأثرية حاليا يبعث على الإحباط، إذ تهمل الدولة هذه الكنوز التاريخية التي يعرف قيمتها كل عاشق لوطنه وتاريخه ومختلف حضاراته، إذ يختفي من حين لآخر مسؤولو الآثار المعنيين بمراقبة المنطقة، وخصوصا شارع جلال الدين السيوطي الذي يضم الوكالات ومسجد الامام جلال السيوطي صاحب تفسير القرآن الكريم، الشهير.
وتتنصل هيئات الآثار الإسلامية المسؤولة عن وكالات «ثابت ولطفي وشلبي» إذ تتهم الإدارة المركزية في القاهرة بعدم ضخ تمويل لترميم تلك الوكالات، وتحويلها لمزار سياحي هام في المنطقة، كبقية آثار أسيوط الفرعونية والقبطية والإسلامية.

مساجد عريقة

على بُعد أمتار يقابلك مسجد المجاهدين، الذي شيد في عهد العصر العثماني، وقد بناه محمد بك الأمير عام 1120 هـ ـ 1706م، حسب موسوعات التاريخ المصرية، ويعتبر من المساجد المعلّقة ويحتوي على معظم العناصر المعمارية المعروفة في العمارة الإسلامية.
ويتكون تخطيط الجامع داخليا من مساحة تتوسطها ثلاثة صفوف من الأعمدة الخشبية في كل صف أربعة أعمدة، وجدار القبلة ينحرف قليلا جهة الغرب ليأخذ الاتجاه الصحيح للقبلة، ويتوسطه المِحراب وهو عبارة عن انحناء نصف دائري تتوّجه طاقية معقودة بعقد نصف دائري، وزُخرف أعلى المحراب بزخارف هندسية قوامها أشكال نجمية نفذت بالطوب المنجور. ويوجد على يمين المحراب المنبر وهو من الخشب المزخرف بزخارف هندسية بطريقة السدايب، أما دكة المؤذن فهي من الخشب وتقع وسط الجدار الشمالي وهي مستطيلة الشكل ترتكز على أربعة أعمدة ويصعد إليها بسلم خشبي.
وسقف الجامع من الخشب ويتوسطه شخشيخة من الخشب فتح في جوانبها الأربعة نوافذ للإضاءة والتهوية، كما ألحق بالجامع مئذنة تقع بالزاوية الشمالية الشرقية وتبرز عن سمات الواجهة الشرقية، وأهم ما يميز مئذنة جامع المجاهدين أنها بنيت بالكامل بالطوب المنجور وتتكون من قاعدة مربعة وأربعة طوابق مثمنة الشكل زخرفت جوانبها بدخلات مستطيلة تنتهي بعقود مدببة، وينتهي كل طابق بثلاثة صفوف من المقرنصات تحمل شرفة خشبية مثمنة ثم تنتهي المئذنة بدورة صغيرة ثم قمة مخروطية الشكل، كما ألحق بالجامع قبة ضريحية تقع خلف الجدار الغربي، وهي عبارة عن مساحة مربعة الشكل تغطيها قبة قطاعها نصف دائري وبأرضية القبة الضريحية تركيبة خشبية بسيطة وفي الجدار الجنوبي حنية محراب صغير.
ويشكو سكان المنطقة المجاورين من إهمال المحافظة والجهات المسؤولة للمسجد، كبيت ديني في المقام الأول، ومسجد أثري في المقام الثاني، إذ أن مئذنة المسجد مهددة بالانهيار وأسقف المسجد من الداخل وجدرانه وأعمدته آيلة للسقوط، في تجاهل تام للترميم، كما ناوب مواطنون على إلقاء القمامة في الفناء العلوي من الجامع، حتى ثارت قضيته في عام 2009 وقدم بشأنه طلب إحاطة بمسجد النواب.
وتبادلت هيئة الآثار ومديرية الأوقاف الاتهامات بالمسؤولية عن الإهمال في حالة المسجد العتيق، ولكن دون نتيجة إيجابية في إنقاذه حتى وقتنا هذا.
ليس كل ذلك فقط، بل بعد أمتار أخرى، يتوج المنطقة أحد أقدم المساجد الإسلامية في مصر والمنطقة، إذ شُيد على مساحة 3 آلاف متر المسجد الأموي أو ما يطلق عليها سكان المدينة «الجامع الكبير» الذي يعود تاريخه إلى العصر الأيوبي، ثم جُدد في عهد الملك فؤاد الأول أوائل القرن العشرين.
يتميز المسجد الأموي بجدران أثرية مُزينة بالآيات القرآنية وأسماء الله الحسنى، وأبواب خشبية عملاقة.

أساطير شعبية

وبسبب كل ما تحويه منطقة القيسارية، غرب محافظة أسيوط، في صعيد مصر، تنتشر الروايات والأساطير الشعبية عن المنطقة، إن كانت حقيقة أو خيال، بأن هناك مدينة «قيسارية» تحت الأرض، أسفل منطقة القيسارية التي يتشابه اسمها مع اسم منطقة في محافظة سوهاج المجاورة لأسيوط.
الأساطير الشعبية في أسيوط تقول منذ قديم الأزل، إن هذه المنطقة بسحرها الذي لم تبح بأسراره إلى الآن، تعلو مدينة أسفلها باسم «القيسارية» مليئة بالكنوز والآثار وممتدة تحت الأرض من أسيوط إلى «القيسارية» الواقعة في محافظة سوهاج على بُعد نحو 100 كيلومتر.
وتستند الروايات الشعبية إلى شواهد على أثرية المنطقة وسرّها الدفين، بأن تحتها نهر من الآثار الفرعونية والإسلامية، ما يدفع الأهالي للتنقيب بين الحين والآخر أسفل منازلهم ومحالهم التجارية أملا في العثور على كنوز مدفونة، من ذهب وآثار بكل أنواعها، ويستعينوا في ذلك بشيوخ يعرّفون أنفسهم بـ«شيوخ الآثار»، والذين عادة ما يأتي كثير منهم من المملكة المغربية، بروحانيات وأدوات يدعي امتلاكها تساعده على استخراج الآثار دون أذى روحاني من لعنة الفراعنة.
الأساطير الشعبية تروي أن أحد «الجزارين» أو «تجار اللحوم المذبوحة» يعمل منذ 20 عاما في المنطقة، عثر على قطعة أثرية صغيرة كان يسند بها طاولة تقطيع اللحوم، وغيرها من الروايات الشعبية التي تحاول انتزاع أسرار منطقة القيسارية الأثرية.

أقدم منطقة تجارية في صعيد مصر وفيها العديد من الآثار الإسلامية: «قيسارية أسيوط»… آثار فوق الأرض وأساطير تحتها

مؤمن الكامل

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left