في سوء الفهم والتفاهم

منصف الوهايبي

Mar 04, 2017

 لأقل بدءا إنّ كتاب جوديث تاكر وماجوريت مريوذر «النساء والنوع في الشرق الأوسط الحديث»- وهو مصنّف مترجم إلى العربيّة، أرجو أن أخصّص له مقالا غير هذا – هو الذي دفعني إلى طرح قضيّة سوء الفهم، وما يترتّب عنها من سوء التفاهم. ففي الفصل الرابع منه، يستوقفنا تمييز بين خطّين في الإسلام هما: «الإسلام الأخلاقي» بقيمه المحوريّة مثل العدل والتقوى والمساواة، و»الإسلام التشريعي» أي إسلام الجماعات المهيمنة والمؤسّسة القانونيّة، أو ما يتمثّل السيطرة الذكوريّة كما جاء في الكتاب.
  ونقدّر أنّ الكلام على «إسلام أخلاقي» مردّه إلى سوء فهم، إذ هو تجريد لا سند له، لمختلف أنواع الرؤى الدينيّة وأعراضها، أي اختزالها في قراءة واحدة لا تأخذ الصّفات أو العناصر المتفارقة في غيرها بالحسبان، إلاّ إذا انتقلنا من الكلمة الجنس إلى أنواعها، أو كأنّ هناك «إسلاماً آخر غير أخلاقيّ». وهو ما لم تصرّح به الباحثة، ولا نخاله خطر ببالها ولكنّ تصنيفها يشي به. وكان أفضل لو استخدمت المصطلح الشائع «مقاصد الشريعة».
 يتعلّق سوء الفهم ـ وهو عنصر يكاد لا يخلو منه أيّ خطاب سجاليّ ـ بما يمكن أن نسمّيه «إيديولوجيّة الاتّصال» بشتّى خصائصها وقوانينها ومعانيها، سواء ما اتّصل منها بالأفراد أو بالثقافات ونشر الأفكار عامّة. وهو يلوح من الأمور المؤسفة عادة؛ إذ يقع في طرف النقيض من أيّ تواصل، ولذلك يعمد المتكلّمون أو المتحاورون «النزهاء» أو الأصدقاء إلى التوضيح والتصحيح، والاعتذار إن لزم، فيتداركون ما قد يكون اعترى الكلام من عيب وخطأ، أو سَقْط أو لبْس. هو إذن ظاهرة ملازمة لأيّ خطاب ولطرائق تأويله، تقع في الكلمة الغامضة وفي التعبير الملتبس وكلّ ما هو مُبهم أو مزدوج، مثلما تقع في المسكوت عنه، وفي رؤى المتكلّمين وتمثّلاتهم ونواياهم ومقاصدهم؛ بل في الترجمة التي هي أشبه بولادة قيصريّة أو بلسان مزدوج أو بعلاقة «غير شرعيّة» بين لغتين؛ وقد تخون المترجم ذاكرته، وتخذله اللغة ولا تسعفه، فيكون سوءُ الفهم، والكلامُ ذو الوجهين، والتفسيرُ المعكوس أو الخاطئ. وهذه صدفة لا بدّ من كسرها؛ الأمر الذي ينهض به الشّرح أو التّفسير أو التّأويل.
 ومن دون ذلك تنقطع السّبيل بالمتكلّمين، كلّما استعملت الكلمة، بطريقة يتعذّر على أيّ منهم أن يتوقّعها فضلا عن أن يحوزها، أو ما لم تتقيّد المخيّلة السّماعيّة بالمخيّلة البصريّة أو لم يتّسم الشّيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه.
 ذلك أنّه إذا كان ثمّة رابط مباشر بين الاسم والمعنى ما دام الواحد منهما يستدعي الآخر، على نحو ما تقوم العلاقة بين المعنى والشّيء، فليس ثمّة من رابط بين الاسم والشّيء، فالاسم إنّما يستدعي صورة الشّيء أو فكرته أو الاثنين معا وليس الشّيء في ذاته. وقد يلتبس المعنى لدى المتكلّم بالصّورة التي يتصوّرها عن الشّيء. وهي ليست في الحقيقة سوى رسم مشتقّ من تجاربه الماضية حيث أمكن له أن يرى هذا الشّيء، أو ربّما بسبب من إيديولوجيا أو رؤية ما منشدّة إلى تصوّر عن عالم مشحون بمعنى ثابت لا يتغيّر. ومن ثمّ فإنّ مردّ سوء الفهم، إلى خطأ في التمثّل أو الخيال أو في التخيّل، أو في هذه جميعها.
وعليه يلتبس معنى «الإسلام الأخلاقي» من حيث هو في العرف السائد، تسميّة أخرى للمدلول «مقاصد الشريعة»؛ ويمكن أن يعرّف على أنّه الصّورة أو الفكرة التي يقدحها الدّال. والحقّ أنّ هذا الحدّ يعتريه النّقص، إذ هو يخصّ معنى الإشارة التي نجدها في المعجم، ولا يمكن إلاّ أن نجدها فيه. ومزيّته لا تعدو مزيّة المدلول، بل هو المدلول عينه، فهو يساعد على الفهم ويخبر. والمعنى هو إذن ما يفسّر ويشير إلى شيء ما ويقوله. وشتّان بين هذا المعنى والمعنى الناجم عن سوء الفهم، أو المعنى الغامض الذي يندّ عن الفهم كلّما سلك به المتكلّم عن غير قصد سبيلا خطأ، أو فهمه المستمع خطأ.
على أنّه لَبْس مضحك أحيانا، وقد يكون أملوحة كما نجد في نمط من الأدب، أو في المسرح خاصّة، فيكون دور المتفرّج ملء «المعنى الشّاغر». أي هذا الطرف الثالث الذي يدرك أنّ من وظائف اللّغة الثّابتة التّخاطب والتّواصل. ولذلك من الطّبيعيّ أن يكون كلّ جزء في اللّغة قابلا للفهم، أو أن لا يستخدم الشّكل اللّغويّ إلاّ في معنى مفهوم. فإذا استعمل المتكلّم كلمة في معنى مختلف، أو هو استعملها على مقتضى المعنى المطّرد في الظّاهر، وكان قصده منها معنى آخر؛ فإنّ المحصّلة ليست الغموض كما هو الشّأن في اللّغة الخاصّة، وإنّما المعنى المزدوج؛ و»أخلاقي» تستدعي نقيضها لاشكّ. فلا غرابة أن يتعطّل التّواصل وتتفكّك مفهوميّة اللّغة، وتخيب العلاقة بين المتكلّمين، إذ يكفي أن يذهب أحدهم إلى المحسوس فيما المجرّد هو المقصود، أو أن يعود إلى المعنى الحرفيّ فيما المجاز هو المقصود. ومن المفيد أن نذكّر بضرورة التّمييز بين إشارة إراديّة تواصليّة «مشفّرة» وأخرى غير إراديّة أي تعبيريّة تتعلّق بالمشاعر والانفعالات التي تثيرها الأشياء ـ الكلمات في النّفس؛ وهذه قد تندّ عن تعريف قرينتها. ولكنّنا نعرف «أنّ شيئا ما ليس إشارة إلاّ لكونه مؤوّلا من حيث هو إشارة لشيء ما بواسطة مُؤوِّل». وإذا كان ذلك كذلك فإنّ إرادة التّأويل من حيث هي سلطة أو ملَكة يمكن أن تغيّر من مواقعها، فلا تظلّ الرّسالة متوقّفة على توصيل المرسل، وإنّما هي تتوسّع وتحدّ بالنّسبة إلى الذي يعيد تحيينها أو يكون ثانية مؤدّيَها ولسانَ حالها. وإذا كان التّواصل يستند إلى الإرادات المتلازمة المتكاملة في إرسال معلومة واستقبالها، فإنّ كمّ الإشارات التي يستلمها المرسل إليه (المؤوّل) ويدركها، يمكن أن تختلف عميقا عن تلك التي أرسلت إراديّا. وقد لا يكون لـ»دلائليّة المضمر» من موضوع سوى هذه «الدّلتا» التي يتجمّع فيها هذا الكمّ المرسل المدرك، وينشعب إلى ما يشبه الدّال. بيد أنّ المضمر في الخطاب التي نحن به، لا يرجع إلى المجاز فحسب، وإنّما إلى مظهر في اللّغة وهو أنّ المعجم يمثّل نظاما وسيعا من التّصنيف والتّرتيب. وكلّ تصنيف إنّما يقوم على إجراء مزدوج: اختياريّ وتجريديّ حيث يُستصفى قاسم مشترك، وتُجرّد الخواصّ الذّاتيّة. وبهذا المعنى فإنّ اللّغة تُشظّي الواقع وهي ترتّبه، وتحوّله إلى عناصر جزئيّة أكثر فأكثر بما يجعلها تجرّد جزءا من هذا الواقع نفسه. وكلمة «الإسلام الأخلاقي» اسم موضوع على جوهر أو عرض، ولكن دون تعيينه أو تمييزه، لأنّ مسمّاها لا هو بالمعلوم ولا هو بالمعيّن؛ ما دامت تتّسع لكلّ هذه الحالات التي ساقها الكتاب، بما في ذلك «الإسلام التشريعي»؛ فما الذي يسلب هذا «الخطّ» قيمته الأخلاقيّة؟ وحتّى لا يذهبنّ في الظّنّ أنّ المعنى الأوّل المباشر، هو البيّن أو الواضح الجليّ، وأنّ المعنى الحافّ هو الخفيّ أو المضمر الكامن، نشير إلى أنّهما قطبان لمعنى واحد، وأنّ صياغة المعنى الخفيّ هي كشف المعنى الجليّ نفسه، بل هما قد يعقدان علاقات هي على الأقلّ غير متوقّعة. ونادرا ما يعبّر الخفيّ عن نقيض الجليّ، أو يكون بعيد المأخذ، وقرينه قريبه. والقرب والبعد مسألتان نسبيّتان في مثل هذه القراءات الناجمة عن سوء الفهم حيث الفصل بين «أخلاقيّ» و»تشريعيّ» لا سند له من النصّ الديني. إنّما سنده الموقع الذي تتّخذه الباحثة من النصّ دفاعا عن الأنوثة، وهو ما نشاطرها فيه، ولكن ليس بلَيّ عنق النصّ أو النفاذ إليه من معنى ما حافٍّ، له وقْع خاصّ فينا، حتّى ليحلّ لدينا محلّ الأصل. وسوء الفهم إنّما مردّه إلى هذه المعاني الحافّة التي تغتذي من التّجارب الفرديّة الخاصّة والتّجارب الجماعيّة العامّة أو المرتبطة بتعلّم اللّغة حيث يكون للكلمة وقع عند بعض، هو غيره عند بعض. ونقدّر أنّ أكثر المعاني الخلافيّة يرجع إلى معان حافّة خاصّة بالمتكلّمين أو إلى «فضل معنى» في المقول.
وربّما وهب النصّ معنى، وجاء المتلقّي وأضفى عليه دلالة. ولكن ينبغي أن نتنبّه إلى أن للمتكلّم مقاصد، فقد يكون سوء الفهم متعمّدا لصرف النّظر عن دلالة وضعيّة أو دلالة مطابقة إلى معنى حافّ، أو عن ظاهر إلى باطن أو مضمر. على أنّه ليس بميسورنا أن ننفذ إلى المقصد أو النيّة في كلّ الحالات، وبخاصّة ما اغْتذى منها بمعان حافّة قد تكون وقفا على المتكلّم. وهذه صعوبة تنضاف إليها صعوبة أخرى ليس من السّهل تذليلها فـ»المقصد» لا يعاد إنتاجه في القراءة أو خلقه خلقا ثانيا؛ إلاّ إذا اتّخذ في الخطاب هيئة موضوعيّة، أو أضاءته نصوص مصاحبة.

كاتب تونسي

في سوء الفهم والتفاهم

منصف الوهايبي

- -

3 تعليقات

  1. حبذا لو كان المقال مبسطاً حتى يفهمه الجميع وليس الأكادميين فقط
    فموضوعه مهم جداً مع شكري وتقديري للكاتب المحترم
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. المقال في حاجة إلى تبسيط مثلما ذهب إلى ذلك السّيد الكروي داوود خصوصا وأنّ صاحبه قد نزّله في سياق الفهم والإفهام وتحت عنوان “في سوء الفهم والتّفهّم” ، فقد يأتي سوء الفهم أحيانا من غياب تواضع اللّغة للجمهور المتلقّي ، أقول تواضع اللّغة لا وضاعتها. والمقال يطرح قضيّة تهمّ العامّ والخاصّ لأنّها متعلّقة بإشكاليّة فهم النّصّ الدّيني الإسلاميّ ولذلك فهو في حاجة إلى لغة أيسر فالكاتب لا يخاطب طلبته النّبهين المتفوّقين ولا جمهور الأكادميّين فحسب بل يتوجّه إلى عامّة جمهور قرّاء “القدس العربي” . والقضيّة التي أثارها المقال هي معضلة المعضلات في التّاريخ العربي الإسلامي، فبسبب فهم النّصّ بقرآنة وسنّته سالت الدّماء أنهارا في تاريخ العرب المسلمين ، وقد نقد الكاتب في مقاله فهما نسويّا ميّز من وجهة نظره تمييزا متعسّفا لاسند له في النّصّ بين ” الإسلام الأخلاقي ” و” الإسلام التّشريعيّ ” ، وهذا التّمييز ليس غريبا ولا بدعة بل هو مبثوث في أغلب القراءات المعاصرة مع اختلاف في المصطلحات وهو تمييز بين ماهو مقاصدي في النّصّ وبين ماهو تشريعي قانوني وقد ذهب بعض من اعتمد مثل هذا التّمييز إلى وجود تناقض في بعض المسائل بين المقاصدي والتّشريعي ، ولعلّ الباحثتان قد أرادتا بهذا الفصل بيان أنّ الهيمنة الذّكوريّة موجودة فيما هو تشريعي قانونيّ لا فيما هومقاصدي من الدّين الإسلاميّ خصوصا وأنّ الذين وضعوا التّشريع والأحكام هم رجال ذكور، والسّؤال المطروح ألا يكون فهمهم للنّصّ متأثّرا بهيمنتهم الذّكوريّة ؟ خصوصا وأنّ الكاتب يذهب إلى أنّ هذا الفصل جاء متأثّر بالدّفاع عن الأنوثة ، ألا تنسحب هذه الحجّة نفسها على الفهم الرّجالي للنّصّ ؟ وأخيرا أسأل الكاتب ما رأيه لو وجد في المدوّنة الفقهيّة نصّ فقهيّ نابع من فهم نسويّ للكتاب والسّنّة؟!

  3. المقال جميل وواضح اللغة…إنما وقفت عند صورة الكاتب…ففي مثل هذا المقال ( صورته ) حينما قد بلغ شباب العمرقبل شباب الحبر؛ وفي مقاله الأسبوعي في الصفحة الثقافية ( صورته ) وله بركة العمرالطويل ؛ حينما تجاوزشباب العمرإلى شباب الفكر…فهل للصورتين دلالة بين
    الفهم والتفاهم ؟ وهل الأول الفهم أم التفاهم ؟ أرى أنّ التفاهم مقدّم على الفهم.لأنّ التفاهم أسلوب وتطئة للفهم ؛ الذي هوغاية علم.بغض النظر
    عن المبررات والمقاصد الأخلاقية لكلّ واحد من بنات ( القلم ) مع تقديري للكاتب الملهم.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left