بانكسي وفندق بيت لحم في فخّ الممانعين… أمريكي يرسم سوريا وسوري يرسم ترامب… الشاعر والضباع الأردنية

راشد عيسى

Mar 07, 2017

قام فنان الغرافيتي الشهير بانكسي برسم لوحات في أرجاء فندق أقيم أخيراً مقابل جدار الفصل الإسرائيلي في بيت لحم. فكرة الفندق تقوم على استقطاب زوار ليعاينوا عن قرب مأساة الفلسطينيين جراء الجدار. رسم الفنان الشهير لوحات ساخرة ومستوحاة من واقع الفلسطينيين والاحتلال، كما تستوحي في الوقت ذاته من فكرة الفندق نفسها.
حوّل بانكسي برج المراقبة إلى أرجوحة للأطفال، ورسم على الجدار طفلة تطيّر بالونات، كما رسم تمثالاً مكمّماً بسبب الدخان المسيل للدموع المحيط به. وفي غرفة النوم، تماماً فوق السرير، رسم صورة لمنتفض فلسطيني بالكوفية قبالة الجندي المدجج، ولكنهما يتضاربان بالوسائد، كما في ذلك الطقس الذي تشهده كل صيف أكثر من مدينة أوروبية، فيما الريش يتطاير حولهما.
الفندق وصف بأنه ذو الإطلالة الأسوأ، حيث يشرف، إلى جانب الجدار، على مستوطنة جيلو القريبة، وعلى ثكنة للاحتلال.
بعض «المتفهمنين» من مدّعي رفض التطبيع وجدوا فرصة للانقضاض على بانكسي ورسوماته، وهو المتضامن الكبير مع القضية الفلسطينية، وسبق له أن رسم أعمالاً على أنقاض غزة المدمرة بفعل الاحتلال. وجد هؤلاء أن رسوم بانكسي «بزنس»، ونوعاً من التنشيط للسياحة الإسرائيلية، بل إن بعضهم راهن على أن الشركات السياحية الإسرائيلية ستسيّر رحلات إلى ذلك الفندق، باختصار اعتبر هؤلاء أن مشروع فندق الجدار ورسوم بانكسي ما هي إلا فخّ للسلام.
لا يريد هؤلاء أن يروا الجانب الساخر من لوحات بانكسي، ولذلك سيرون (ربما) في تضارب جندي وثائر فلسطيني بالوسائد ضرباً من المصالحة، كما أنهم يحاولون النيل من كلمة لبانكسي قالها هنا أو هناك، معترضين على استعمال كلمة «نزاع» في وصف الصراع العربي الإسرائيلي، وكأن على الفنان البريطاني أن يتبنى بالكامل، وبالحرف مصطلحات الفلسطينيين (بالمناسبة، أي لغة من لغات الفلسطينيين تريدون لبانكسي أن يتحدث؟ لغة «فتح»، أم «حماس» أم «الشعبية» أم سواها من الفصائل؟!)، وكأن المطلوب من المتضامنين مع القضية الفلسطينية أن يتبنوا خطابنا بالكامل، ممنوع عليهم أن يتضامنوا إلا إذا انتموا إلى محور الممانعة بالتمام والكمال.
فكرة الفندق، وأعمال بانكسي الساخرة، من أجمل إبداعات مقاومة الاحتلال، إنها علامة ومنارة على طريق المقاومة، تماماً كما أن الجدار الجاثم على صدور الفلسطينيين لعنة من لعنات الاحتلال ومظالمه.

الرئيس لا يكذب

بثت «سي أن أن» العربية فيديو لمدرس فنون أمريكي اسمه مارك نلسون يقوم برسم صور من سوريا، يقول «هذه الصور التي تأتي من سوريا وجدت طريقها إلى عقلي. لم أستطع التوقف عن رسمها». من بين أعماله واحدة لبانا العابد، الطفلة ذات السبع سنوات، والتي حازت اهتمام العالم عبر تغريداتها المؤثرة من حلب.
طلاب نلسون، حسب الفيديو، كذلك ركزوا على سوريا في مشروع عن الأبطال المنسيين. البعض رسم أحد العاملين في الجماعة التطوعية «الخوذ البيضاء»، وآخرون رسموا صحفياً سورياً قُتل في حلب.
«كنا فعلاً نريد للناس أن يعرفوا أن هناك من يفكر بكم في هذا العالم»، يقول الفنان، ويضيف «إن اليد البشرية وهي ترسم إنما توضح في الصورة تفاصيل وتشرحها».
الـ «سي ان ان» ذاتها، في المقابل، كانت قد أوردت خبراً تحت عنوان «فنان سوري يهنئ ترامب بلوحة تبلغ قيمتها 2 مليون دولار»، أما الفنان المقصود فهو سبهان آدم، ذو الأسعار الفلكية، وتصور لوحته امرأة ممسكةً بمجلّة تتصدر غلافها صورة دونالد ترامب، مع مانشيت يمثّل وجهة نظره تجاهه؛ «الرئيس الذي لا يكذب».
وتنقل «سي ان ان» عن آدم قوله «تصريحات الرئيس الأمريكي تجعلني متفائلاً بكونه لن يرضخ للابتزاز، وسيقلب الطاولة بوجه عالم منافق».
تعاطف الأمريكي نلسون وطلابه مع الضحايا السوريين لن يجعله أقدر فنياً من سبهان آدم، ولن يصل بلوحته إلى سعر لوحة آدم المعروضة بمليوني دولار، لكن لا شك سيظهر أن تجاهل الجريمة ما هو إلا عطب عميق في الضمير، وأن بإمكان الفنان السوري بشهرته ومكانته، إن لم يستطع أن يوقف الجريمة، فعلى الأقل أن يسلط عليها الضوء.
لن نطمع أكثر ونطالب الفنان بأن يكفّ عن مديح ترامب، الذي شهدت ساحات وشوارع الولايات المتحدة تظاهرات جاء بعضها بسبب الاعتراض على سياسته، تلك التي تحتقر البلاد والثقافة التي يتحدر منها سبهان آدم.
في الواقع لن نطالب سبهان آدم بأي شيء، لقد تأخر الوقت كثيراً.

عماء الألوان

من أكثر الفيديوهات التي شاهدتها أخيراً ووجدتها شديدة التأثير واحد للصبي كايسون إيرلبك المصاب بعمى الألوان، والذي يعرض لحظة إبصاره الألوان للمرة الأولى في حياته.
بكى الصبي البالغ من العمر عشرة أعوام، أجهش بالبكاء فيما يختبر نظارته. احتضن أباه، فبكى الأخير لبكائه. لا بدّ أن أمه بكت أيضاً، في لحظة مؤجلة، حيث مهمتها الآن أن تشير إليه، أن انظر هنا، انظر هناك، هل ترى؟
بكى الصبي، هو الذي قضى سنيه العشرة الأولى يرى الأشياء بالأبيض والأسود فقط. بكى، فأشعل لدي الرغبة بالبكاء خمسة أضعاف ما بكى، أنا السوري، الفلسطيني، المصاب بالعماء نفسه. لقد عشت عقودي السالفة كلها لا أرى إلا بالأبيض والأسود: صحف ثلاث كأنهن صحيفة واحدة ناطقة بلسان خشبي واحد، شاشة فضية واحدة لعشرين مليون نسمة، مسلسل واحد، بعشرين ممثلاً يتكررون إلى ما لا نهاية، الفيلم نفسه، مرة بإخراج محمد ملص وتعاون فني من أسامة محمد وعبداللطيف عبد الحميد، ومرة بإخراج عبداللطيف عبدالحميد وتعاون فني من أسامة محمد..، المسرحية نفسها، مرة بإخراج عجاج سليم، ومرة أخرى بإخراج ثامر العربيد، ومرة ثالثة بإخراج سلمان صيموعة.
لقد بكيت طويلاً ذاك المساء، متسائلاً بحرقة: أين نظارتي!

الشاعر والضباع الأردنية 

لفتني شاعر يشارك فيديو لمذيعة أردنية تصطاد ضبعين، ويكتب تعليقه الخاص “السافلة التي عذبت أطفال الضبع الصغار. السافلة القذرة يجب حبسها”.
لا تستهويني شخصياً مشاهدة هكذا فيديوهات، ولكن الفضول انتابني كي أرى لأي مستوى من العنف يستثار الشاعر. لم نشهد دماً في الفيديو، ولا ذبحاً، ولا موتاً، لكن للشاعر الحق أن يعتبر مثلاً مجرد إخراج الضبع من مكانه الأليف في المغارة، من وطنه الصغير، عنفاً واعتداءً. أشدّ على يدك أخي الشاعر، أنا مثلك، قلبي لا يحتمل ولا يطيق.
لكن عليّ أن أضيف توضيحاً صغيراً: إن الشاعر هو زكريا محمد.
هل قلتَ شيئاً، أخي الشاعر، عن عشرة مليون سوري أخرجوا  من بيوتهم بصورة أفظع من الضباع الأردنية؟

لو استطاع السيسي

يؤكد المخرج المصري يسري نصر الله أن فيلمه «18 يوم» ممنوع من العرض تجاريا في مصر بعد مرور 6 سنوات على تصويره، لا تفسير لدى المخرج إلا أن هناك من يحاول محو ذكرى ثورة يناير 2011 من ذاكرة الناس.
يبدو أن السيسي لن يهدأ له بال حتى يدفن الصيحة الأولى لثورة يناير. لو استطاع لأعاد الصفعة التي وجهتْها شرطية تونسية لبوعزيزي، وكانت سبباً في الربيع العربي، إلى غمدها، ولو استطاع لحذف كل ربيع ممكن من أعمار المصريين.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

بانكسي وفندق بيت لحم في فخّ الممانعين… أمريكي يرسم سوريا وسوري يرسم ترامب… كيف الشفاء من عمى الألوان؟

راشد عيسى

- -

3 تعليقات

  1. ” يبدو أن السيسي لن يهدأ له بال حتى يدفن الصيحة الأولى لثورة يناير. ” إهـ
    عجيب !
    أليس أبناء الثورة من أتى بالسيسي في خروجهم في يوم 30-6-2013 المشؤوم ؟
    أليسوا هم من باع حريته للعسكر بشرط عدم رجوع الإسلاميين للحكم !؟
    أليسوا هم أنفسهم من يقبع بالسجون الآن ومنهم مهجر بالخارج ؟
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. I agree with you Mr Issa “فكرة الفندق، وأعمال بانكسي الساخرة، من أجمل إبداعات مقاومة الاحتلال، إنها علامة ومنارة على طريق المقاومة، تماماً كما أن الجدار الجاثم على صدور الفلسطينيين لعنة من لعنات الاحتلال ومظالمه”

  3. فندق بانكسي بيت لحم يا استاذ راشد رح إكون نُزُل للقاء حمائم السلام من الفلسطينين ومدعي السلام من الكيان الصهيوني المعدين والمدربين سلفآ لذلك … لا أممن بليسار الصيهوني 70 عام من النكبه ماذا قدم اليسارالصهيوني على صعيد النكبه وتشتيت شعب بإكمله ليحل مكانه عصابات ومجرمين …..
    (لا تصالحْ!
    ..ولو منحوك الذهب
    أترى حين أفقأ عينيك
    ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
    هل ترى..؟
    هي أشياء لا تشترى..:
    ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
    حسُّكما – فجأةً – بالرجولةِ،
    هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
    متُ – مبتسمين – لتأنيب أمكما..
    وكأنكما
    ما تزالان طفلين!
    تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
    أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
    صوتانِ صوتَكَ
    أن إن متَّ:
    للبيت ربٌّ
    وللطفل أبْ
    هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
    أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
    تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
    إنها الحربُ!
    قد تثقل القلبَ..
    لكن خلفك عار العرب
    لا تصالحْ..
    ولا تتوخَّ الهرب!
    (2)
    لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
    لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
    أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
    أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
    أعيناه عينا أخيك؟!
    وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
    بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
    سيقولون:
    جئناك كي تحقن الدم..
    جئناك. كن -يا أمير- الحكم
    سيقولون:
    ها نحن أبناء عم.
    لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
    واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
    إلى أن يجيب العدم
    إنني كنت لك
    فارسًا،
    وأخًا،
    وأبًا،
    ومَلِك! )
    _________
    إبن النكبه العائد إلى
    يافا لاجىء فلسطيني

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left