لماذا ترفض تركيا الانقلاب العسكري في مصر؟

جاء الرد التركي حازما على إثر عزل الرئيس المصري محمد مرسي بتوصيف ما حدث بأنه انقلاب عسكري مكتمل الأركان. رئيس الوزراء التركي يرفض التواصل مع السلطة الجديدة، وما زال مصرا على اعتبار الرئيس المعزول ممثلا شرعيا للدولة المصرية وأن لا تعامل مع السلطة التي نصبها العسكر. الرفض التركي للانقلاب على سلطة الإخوان المنتخبة لا يقتصر على الحكومة الإسلامية فقط، بل هو محل إجماع لجميع التيارات السياسية التي دانت دخول العسكر معترك السياسة والتحكم فيه. المعارضة التركية بزعامة الحزب الجمهوري للشعب جسدت الموقف التابث من التدخل العسكري الذي سيطر تاريخيا على الحياة الســــياسية الــــتركية. فقد أعاد الانقلاب المصري إلى الذاكرة ذلك الماضي القريب الذي استمر حتى بداية عهد حكومة أردوغان.
تاريخ تركيا المعاصر موسوم بتحكم السلطة في دواليب الحياة العامة منذ تأسيس الجمهورية على يد الجنرال مصطفى كمال أتاتورك، حيث ظلت المؤسسة العسكرية تقدم نفسها كحامية للقيم الجمهورية. ابتدأت الانقلابات مع حكومة مندريس سنة 1961 ثم حكومة فاتح ديمريل سنة 1971 وصولا على الانقلاب ضد حكومة سليمان ديمريل سنة 1981. آخر التدخلات العسكرية كان سنة 1997 ضد حكومة نجم الدين إربكان بالضغط على حلفائه من الأحزاب الأخرى واستعراض مثير لوحدة من الدبابات، ثم حظر حزب الرفاه الإسلامي والزج بقادته (من بينهم رئيس الوزراء الحالي رجب طيب أردوغان) في السجون.
الانعتاق التدريجي من كماشة المؤسسة العسكرية استفاد من الشروط السياسية المفروضة للانضمام للاتحاد الأوروبي ومن التذمر الشعبي من القمع العسكري الذي تواصل أكثر من نصف قرن. لقد قادت حكومة أردوغان جولات في سعيها لتقليم أظافر العساكر. أول الإنجازات تم في يوليو 2003 بمراجعة القانون المنظم لمجلس الأمن الوطني وتحجيم دوره في الاستشارة فقط. حزب العدالة والتنمية سيخوض معركته الحاسمة خلال رئاسيات 2007 بعد البيان الناري للقوات المسلحة التركية المحذر من المس بالقيم العلمانية للدولة في تهديد مبطن لزوجة مرشح الحزب التي ترتدي الحجاب الإسلامي المحظور. أردوغان سيستبق التهديدات بانتخابات سابقة لأوانها مكنته من أغلبية ساحقة أوصلت عبد الله غول وزوجته المحجبة إلى قصر الرئاسة، وفتحت الباب لإطلاق سلسلة محاكمات ضد القادة العسكريين الضالعين في العمليات الانقلابية الفاشلة لسنة 2003 أو انقلابات 1997 و1981.
الكثير من المتتبعين ربطوا أحداث ميدان تقسيم الأخيرة بموجة الاحتجاج على أخونة الدولة في مصر، باعتبار مطالب المتظاهرين التي طالت خط سير سياسة الحكومة التركية واتهمتها بممارســــة اســتبداد الصناديق، وخلصوا إلى دخول الإسلاميين مرحلة الانحسار ثم التراجع، لكن الواقع التركي يختلف بكثير عن واقع مصر ما بعد ثورة 25 يناير. فتركيا بلد بتقاليد انتخابية عريقة تحكمها إكراهات الانضمام للاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى النجاح الاقتصادي الباهر على عهد حكومتي أردوغان دون إغفال ما سردناه من مواجهة بين المدنيين والعسكر على كسب السلطة السياسية في البلد طيلة العشرية السابقة.
لا يعبر الرفض التركي عن خوف من عودة آلية التحكم العسكرية أو خوف مرضي من الانقلابات، إنما هو في واقع الأمر مساندة لاستقرار المنطقة وفق القواعد الديمقراطية. خيار أنقرة في سياستها الخارجية مبني على مجالها الحيوي أو ما أسماه منظر هذه السياسة أحمد داود أوغلو ‘العمق الاستراتيجي لتركيا’، واستقرار مصر من أهم عوامل الاستقرار العام للمنطقة. من جهة ثانية، دشنت حكومة مرسي تعاونا بين البلدين، مما كان سيتيح للمستثمرين الأتراك آفاقا واسعة في سوق مصرية نقارب 85 مليون مستهلك. البرغماتية التركية تدفع نحو مزيد من الضغط لصالح معسكر الرئيس المخلوع، فكلما تقوت شوكته صار طرفا لا محيد عنه في حلحلة الأزمة، وهو ما يخدم مصالح تركيا مستقبلا.

ياسين اعليا- الدار البيضاء

Email this page