فيلم «الخوذ البيضاء» أيقونة سينمائية تنتصر للقضية السورية

عبد الواحد مفتاح

Mar 11, 2017

فيلم «الخوذ البيضاء» يخترق جميع التوقعات ويفوز بأوسكار أفضل فيلم وثائقي قصير، في وقت كان مجرد دخوله سباق التنافس للجائزة يعتبر انجازا تاريخيا. فقد استطاع فعلا أن يخلق الحدث، ويحصد عن جدارة سعفة الأوسكار من بين صقور شركات الإنتاج الهوليوودية. الفيلم يتناول حياة المتطوعين السوريين في منظمة «الخوذ البيضاء» التي تساعد المدنيين المتضررين من جراء الصراع السوري، حيث تم تصويره في المناطق التي تتعرض للقصف من طرف عمال الإغاثة أنفسهم، ما جعله يقدم مشاهد واقعية، وأظهر بالصورة والصوت، مدى قسوة المعاناة والمأساة الإنسانية التي يعانيها المدنيون السوريون، الذين مكثوا في بلادهم، بدل الهجرة والنزوح لدول الجوار، حيث لم يسلم المتطوعون في الدفاع المدني من القصف والغارات، ما جعل كثير منهم يسقطون أثناء مزاولتهم عملية الإنقاذ. ورغم الظروف المزرية، والإمكانيات الضعيفة، ونقص المواد، تمكن أصحاب الخوذ البيضاء، الذين ينشطون في مناطق تسيطر عليها المعارضة السورية، من انقاد ما يزيد عن 80 ألف سوري، وتشكلت هذه المنظمة أواخر سنة 2012 بعد تخلي منظمات الإغاثة العالمية عن مهامها، نتيجة لما اعتبرته استحالة العمل داخل أوضاع فيها اقتتال لا يفرق بين المدنيين والعسكريين، حيت أسسوا نحو 100 مركز في ثماني محافظات سورية، وفي حلب وحدها أكثر من 500 متطوع، وقد رشحت المنظمة من قبل للفوز بجائزة نوبل للسلام، حيت صارت تحظى باحترام ومتابعة دولية كبيرة، رغم محاولات النظام السوري تسخير مكينة حلفائه الإعلامية، لتشويه سمعته والحد من صيته الذي صار معروفا عالميا.

«أنقذنا أكثر من 82 ألف مدني»

ولم يحضر رائد صلاح، رئيس المنظمة والمصور خالد الخطيب، حفل الأوسكار بعدما حصلا على تأشيرة للسفر للولايات المتحدة، لكن رائد قرر عدم ترك عمله بسبب كثافة غارات النظام على بعض المناطق، بينما لم يحضر الخطيب الحفل لأنه لم يستطع بعد أن ألغى النظام صلاحية جواز سفره، لمنعه من السفر إلى هوليوود.
ولم يكن حصول صالح والخطيب على تأشيرة السفر بالأمر السهل، وذلك بعد أن أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرا تنفيذيا، يمنع دخول مواطني سبع دول مسلمة، ومنها سوريا، البلاد، وذلك قبل إلغاء الأمر بقرار قضائي.
وتوجهت المنتجة، جوانا ناتاسيغارا، بالشكر للأكاديمية وأسرة العمل بأكملها ولدى تسلم الجائزة، قال مخرج الفيلم الذي أنتجته شركة «نيتفليكس» العالمية، عام 2015 أورلاندو فون إينسيدل كلمة قصيرة لرائد صالح، جاء فيها «نحن ممتنون لأن الفيلم ألقى الضوء على عملنا؛ لقد أنقذنا أكثر من 82 ألف مدني. أدعوا جميع الذين يصغون إلي، إلى العمل من أجل الحياة، من أجل وقف نزيف الدم في سوريا ومناطق أخرى في العالم».   
وفي بيان منفصل، قال صالح «لسنا سعداء بما نقوم به، نحن نمقت الواقع الذي نعيش فيه، ما نريده ليس الدعم للاستمرار، لكن الدعم لإنهاء هذا العمل؛ آملا أن يدفع الفيلم وهذا الاهتمام العالم إلى التحرك لوقف إراقة الدماء في سوريا»
وفي تصريح له قال الناقد السينمائي الفلسطيني سعيد أبو معلا: إن تصوير فيلم وثائقي تحت القصف يعد من أخطر أنواع العمل الفني، وبالتالي فإن محاكمته فنيا كفيلم أنتج في ظروف عادية يعد ظلما له، ومع ذلك فإن الواقعية والتصوير الميداني لما نسمع عنه فقط يعد سمة أساسية للفيلم، والقضية التي يحملها تجعله وثيقة أساسية لإدانة القتلة والموت.
فالفيلم يحمل نفسا ملحميا وبعدا إنسانيا عميقا، حيت يركز على الجوانب الحميمة من حياة الإنسان، واندثار المعنى من واقعه في تقديم لرؤية عميقة أبهرت الجمهور، حيث شاهد الفيلم حتى الآن أكثر من 55 مليون مشترك، من 90 دولة من خلال موقع شركة الإنتاج «نيتفليكس». فيما حظي برومو الفيلم على يوتيوب بـ 800 ألف مشاهدة، وهو أيقونة سينمائية انتصرت بقوة للإنسان السوري، وقضيته الأساس الحرية، والكرامة، وقبل كل شيء الحياة التي يعمل المتطوعون في تضحية بالغة على حمايتها. وعلق وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون في تغريدة له على «تويتر»، يهنئ فيها أسرة الفيلم على الفوز بالجائزة المرموقة. وقد غطى على الفرحة العارمة بالفوز الثمين للفيلم منع سلطات الهجرة في الولايات المتحدة، دخول المصور السينمائي الذي عمل على تصوير عمليات الاقتتال ببلاده. فقد قررت وزارة الأمن الداخلي في اللحظة الأخيرة، منع المصور البالغ من العمر 21 عاماً، من السفر إلى مدينة لوس أنجلوس لحضور حفل توزيع جوائز أوسكار، لدواعي أمنية.

إشادة عالمية

وقد دعمت 126 منظمة سورية وعالمية ترشيح منظمة «الخوذ البيضاء» لجائزة نوبل للسلام، للجهود والمخاطرة التي يقدمها أفرادها في عمليات الإنقاذ، ورفع الأنقاض التي تتم في المدن والبلدات السورية عقب غارات القصف التي تتعرض لها، كما حصل هؤلاء على إشادة عالمية بتضحياتهم، بعدما تصدرت صورهم وسائل الإعلام حول العالم، وهم يبحثون تحت الأنقاض ويقدمون الإسعافات الأولية في مناطق وأوقات تكون طائرات الجيش السوري ما زالت تمطر المدينة بالبراميل المتفجرة. كما شهدت مواقع التواصل الاجتماعي منذ الإعلان عن ترشيح منظمة «الخوذ البيضاء» لنيل جائزة نوبل العالمية، عدة حملات دعم من جميع أنحاء العالم، من أجل مساعدة هذه المجموعة بالوصول للجائزة العالمية.
وقال صالح «لم أكن أتوقع الفوز بالأوسكار. أعتبر هذا نجاحا جديدا، لكل الشعب السوري. لقد فتح بابا جديدا لنضالنا للوصول إلى شريحة مختلفة من الناس حول العالم». وتعرف هذه الجماعة رسميا بالدفاع المدني السوري ولكنها تشتهر باسم الخوذ البيضاء وهي تقوم بخدمة إنقاذ في مناطق تسيطر عليها المعارضة بسوريا.
وعلى الطرف الآخر اتهمت الحكومة السورية جماعة الخوذ البيضاء بأنها واجهة لتنظيم القاعدة وبتزييف صور بعد الغارات الجوية لأغراض دعائية، وهي اتهامات تنفيها الخوذ البيضاء.
وفي إطار الحملة التي يشنها النظام وحلفاؤه في تشويه الدفاع المدني السوري، انتقدت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، فوز فيلم «الخوذ البيضاء» بجائزة الأوسكار.
وقالت «في الـ 30 من تشرين الثاني/نوفمبر، حذرنا من سعي ما يسمى بالـ (القبعات البيض) للحصول على جائزة نوبل للسلام. هؤلاء يدَّعون أنهم أنقذوا حياة آلاف الأشخاص، ولكنهم كانوا يقومون بتسجيل مقاطع فيديو احترافية صغيرة، ولا يخجلون من نشرها على الانترنت».
وأضافت: «ماذا نسمي هذا؟ غباء، روتين يومي، أم طموحات غير شرعية؟ وكم عدد هذه التمثيليات التي قاموا بتصويرها؟ للأسف لن نستطيع معرفة إن كانت هذه المقاطع المصورة حقيقية أم لا. هذه الفيديوهات تعبر عن السلوك الغريب واللاأخلاقي لمن يقوم بتصويرها. ويمكن اعتبارها نموذجا لتصوير وتمثيل المعاناة. ولذلك بالتحديد تم ترشيحهم لجائزة الأوسكار وليس لجائزة نوبل للسلام».

فيلم «الخوذ البيضاء» أيقونة سينمائية تنتصر للقضية السورية

عبد الواحد مفتاح

- -

2 تعليقات

  1. ماريا زاخاروفا لسان حال المجرم بوتين فماذا يمكنها أن تقول غير هذا عن الخوذ البيضاء؟
    العالم برمته أصبح يعلم تماماً الاجرام الذي يرتكب من قبل روسيا و إيران بحق الشعب السوري. والحرية و العدالة الاجتماعية التي نصبو إليها لا تتحقق إلا بمتابعة الثورة حتى إقتلاع المحتل و الطاغية معاً من أرض سوريا الحبيبة أرضنا نحن أصحابها و ليس أرض روسيا و لا إيران و لا المليشيات الطائفية.

  2. هنيئا للقبّعات البيض بهذه الجائزة القيّمة ، وإن شاء الله تكون جائزة نوبل للعاملين في المناطق الخطرة من نصيبهم . أمّا المتحدّة الرّوسيّة فلا نستغرب منها هذا الكلام لأنّها مشاركة في الجريمة.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left