تجارب تخوضها في هجرتها القسرية من دمشق إلى بيروت: «طنجرة ضغط» في عمل يخاطب المعدة بعد القلب

زهرة مرعي

Mar 11, 2017

بيروت ـ «القدس العربي»: «طنجرة ضغط» ثلاثي شبابي فني موسيقي نقلتهم الرغبة في مواصلة رسالتهم الفنية إلى بيروت بسبب الظروف الصعبة في بلدهم سوريا. اسم هذا الثلاثي مثير للتساؤل، وربما يعبر عن حالنا وحال الأجيال العربية الصاعدة والمهمشة. فرقة تتكون من: خالد عمران «غناء وبيس غيتار»، وطارق خلقي «غناء، غيتار وسنتيسيزر» وداني شكري «درامز». بعد الـ»سي دي» الأول بعنوان «180» درجة يستعد الفريق قريباً لإطلاق عمل جديد معتمداً على جمع الدعم من خلال أحد المواقع الالكترونية.
في لقاء مع خالد عمران بهدف التعرف إلى الفريق كان السؤال البديهي إن كانت استعارة اسم «طنجرة الضغط» للتعبير عن ضغوط وكبت يعانيه الشباب في مجتمعاتنا العربية؟ وكان من البديهي الرد بأن الضغط يولد الانفجار. ولكن حسب خالد: اختراع التنفيسة حال دون ذلك. و»التنفيسة» عنوان أغنية في السي دي الأول وهي استعارة تعبيرية مشابهة لحالة الضغط الموجود في داخل القدر. ودورها في منع الانفجار. فريق «طنجرة ضغط» سيستمر في دعم الأذن بالموسيقى، وبكلام يخاطب العقل الذي بدوره يترجمه للقلب.
ويرفض عمران أن يكون دور التنفيسة هو تأجيل للحل الشامل المنشود ويؤكد: للتنفيسة دور هام في طهي الطعام على نار هادئة فبعض وجَبَاتنا تحتاج دون شك لوعاء الضغط. وبعض ما يعترض حياتنا يحتاج بدوره لنفس طويل، فإما أن ننفجر أو نجد الحل البديل. بالمختصر «طنجرة ضغط» تعبر عن حالنا نحن الثلاثي، كوننا نعيش على بقعة من الأرض ونتفاعل مع مؤثراتها، ونترجم ذاك التفاعل بالطريقة التي نراها كفريق. نحن نؤدي واجبنا اتجاه ذاتنا وأمام الآخرين.
لقاء ثلاثي «طنجرة ضغط» كان في دمشق سنة 2008 فهل كان حينها الهدف واضحاً؟ يوضح عمران أن ارتجال الموسيقى والكلمة كان سبباً بتكوين فريق «طنجرة ضغط» بشكلها الأول المختلف عن الحالي. كنا رباعي مع عازف الكيبورد ناريغ عباجيان. كرباعي تناولنا مواضيع وقضايا اجتماعية تحاكي حالنا مثل التربية الأسرية، أي فكرة وجود الأب والأم والأبناء، ومن يغادر العائلة منهم بحثاً عن خياراته الخاصة، وعناوين أخرى كهؤلاء الخارجين على التقاليد فيصار لرفضهم اجتماعياً. هذا نموذج من العناوين. وهناك الكثير من القصص وأساليب حياة تشكل مادة جاذبة للطرح، فتصبح أغنية لها مكانها.
دون قصد أو بقصد صار ثلاثي «طنجرة ضغط» بمواجهة مع السائد والتقاليد. يؤكد عمران: حتى على الصعيد الموسيقي هناك مواجهات وصعوبات. حسب دراستي للموسيقى الكلاسيكية في المعهد العالي للموسيقى في دمشق على آلة الكونترباص، فأنا لا أمارس العزف عليها كما درستها، بل بطريقتي الخاصة. الآن باتت خياراتي الشخصية واضحة، وكذلك خيارات زملائي في الفريق. في مجتمعات تلتزم التقاليد اجتماعياً وفنياً، كان لفريق «طنجرة ضغط» المشاركة في سنة 2010 في حفل جاز في عاصمة وطنهم دمشق، إنما موسيقاهم لم تكن تمت لموسيقى لجاز بصلة. وفي ذلك يقول خالد عمران: تفاعل الجمهور كان رائعاً والسبب أن اغنياتنا وموسيقانا مرتجلة انطلقت من قلوبنا ودخلت قلوبهم. يشكل الارتجال جانباً كبيراً في الموسيقى وهذا لا يعني ان كل الموسيقيين قادرين على الارتجال. منهم من يصر على الالتزام بالنص والنغمة. بدورنا كمؤدين لا نتنكر للنص إنما صياغتنا له خاصة، ونبحث بمشاركة أفكارنا مع الآخرين. رغبتنا ان لا يتم تهميش جيل فني مختلف عن السائد والمعروف. نؤمن بأن موسيقانا ستصل ولو بعد حين.
«طنجرة ضغط» حطت في بيروت منذ خمس سنوات بقصد مواصلة العمل وتطويره في ظل الحرب في سوريا. الانتقال القسري يفرض ذاته حتماً على صعد شتى. معيشياً يقول عمران: علينا الاستمرار بما بدأناه. هناك فرص لا نعلم ماذا يأتينا من خلالها. فرص أتاحت لنا التعرف على المجتمع والعمل مع العديد من الفنانين اللبنانيين منهم رائد الخازن وزيد حمدان، كما عزفنا مع فنانين من جنسيات أخرى عربية وغربية. هي فرص تساهم في تطوير الموسيقى لتأخذ أشكالاً وأنواعاً جديدة ومميزة. وكفرقة «طنجرة ضغط» أتاحت لنا مدينة بيروت وما زالت التعبير من خلال تقديم حفلات على مسارحها وفي أماكن عدة.
بعد تراجع الارتجال في موسيقاكم كيف لنا وصفها وما هي هويتها؟ إنها موسيقانا يقول عمران. وهي مبنية على الارتجال كشكل أولي، وليس بالضرورة أن تكون مبنية على أنها موسيقى الروك تبعاً للآلات التي نلعبها، كالدرامز والبيس والغيتار. نحن نتبع نبضنا في الايقاع واللحن، ونمزجه بأنواع مختلفة مع الحفاظ على هوية الفريق في الطرح. وهناك تجارب عديدة تخلط بين أنواع موسيقية مختلفة كما الأعمال التي قدمها الفنان زياد الرحباني الذي صار له لونه الموسيقي الخاص. نحن كثلاثي نتميز باختلاف مرجعياتنا كموسيقيين ونشترك في ذاكرة سمعية لها علاقة بالمكان، إضافة للتجارب والتمارين التي نقوم بها ونتعلم من خلالها، والتي أتاحت لنا إيصال أفكارنا.
كيف عبرت «طنجرة ضغط» عن الهم السوري الإنساني الناتج عن الحرب؟ يفكر خالد عمران ملياً ويقول: نختصر في الكلام ونترك للموسيقى أن تعبر. فما هو الكلام الذي سيعبر عن كل هذه المواجع؟ وما الذي سنضيفه إلى ما تقوله نشرات التلفزيون والصحف؟ نتأثر دون شك ولن نستغل أوجاع البشر.
يعلن خالد عمران بكل ثقة أن المتابعين لـ»طنجرة ضغط» ليسوا فقط من الشباب. بل من الفئات العمرية كافة، ومن مجالات متنوعة. إذاً الفئات العمرية لجمهورنا تبدأ من 14 سنة وما فوق. من يرغبون في موسيقى الروك، جاز أو غيره يرون في موسيقانا طعماً جديداً. كما أن الكلام بسيط ومختلف كونه يخاطب القلب والمشاعر.
تحمل أغنياتكم أسماء طريفة مثل «يا رمادي»، «لا تخاف»، «تحت الضغط»، «تنفيسة» وغيرها كيف تصف ولادتها؟ يقول: الكلمة موسيقى، وإن أسأنا استخدامها تصبح مسيئة. بعض الأغنيات يعبر عنها العنوان. هي أغنيات من لغة الناس وحياتهم، مثل أغنية «تحت الضغط». جميعنا تحت ضغط سياسي، اقتصادي، اجتماعي، جنسي وغير ذلك. جاءت «تنفيسة» لتريح هذا المضغوط. وأتى عنوان «وين الضغط؟» ليشكل رحلة متشابكة بين الأغنيات جميعها.»180 درجة» سي دي له شكل ومضمون من رسوم معبرة للفنان محمد عمران، وكلمات أغنيات مترابطة. ربما يشبه قصة مرفقة بسي دي من تسع تراكات. أن نتوجه للآخر بالقول «لا تخاف» فنحن أولاً نستخرج المخاوف من داخلنا. «يا رمادي» أغنية تتناول طيف الألوان القائم في سوريا ومنطق التخوين السائد بين المجموعات المختلفة، والألم الذي يعانيه الواقفون بين هذا وذاك. وهذا ما حصل. أما كيف رحل الناس، فهذا ما يحتاج لمجلدات.
إلى جديد «طنجرة ضغط» وهو السي دي الثاني الذي أنجز تسجيله نسعى مع خالد عمران لاستطلاع تفاصيل تحدد شخصيته، فيختصرها قائلاً: «180 درجة» خاطب القلب، أما الجديد المقبل فسيحاكي المعدة. لأن أوجاعنا وآلامنا مركزها المعدة كوجع الجوع. ألم المعدة يجعلنا جميعاً نتكور كما ينام الأطفال، نمسك بمصدر الألم وهو المعدة. وهي بدورها مركز انطلاق الصوت. وفي عملنا الجديد أغنيات تحمل عنوان «مريض، مستطيل، طبل العيد» وغيرها، وهو يتضمن سبع تراكات. ويمكن وصف كل منها بأنها رحلة. ربما تكون الأغنيات شبيهة بالوصفة النفسية كون الحياة تستدعي النَفَس العميق جداً، ومن مركز المعدة بالتحديد.
وماذا عن الدعم المادي؟ عملنا هو الذي يمدنا بالدعم المادي. نحن الثلاثي نعمل كل بمفرده كعازفين مستقلين، وفي الوقت نفسه كفريق «طنجرة ضغط» لتأمين حاجاتنا اليومية وهذا لا يساعدنا على إنتاج السي دي. في ألبومنا الأول»180 درجة» حصلنا على منحة من صندوق الدعم للشباب العربي آفاق 2013، فتم العمل عليه بإشراف رائد الخازن، وبمساعدة فنانين وتقنيين وغطينا ما تبقى ذاتياً.
وفي جديدنا المقبل نحن بصدد حملة دعم مادي من خلال موقع الكتروني عنوانه «إندي غوغو». هذا الموقع يتضمن شرحاً مفصلاً لعملنا، وما نحتاجه من مال لإنجازه. الدعم الوحيد الذي حصلنا عليه حتى الآن جاءنا من جمعية «شباك فيستيفال» في لندن مما ساعد على انجاز التسجيل. حملة الدعم هي التي ستحدد مسار الألبوم الثاني الزمني، ومتى سيكون مولده.

تجارب تخوضها في هجرتها القسرية من دمشق إلى بيروت: «طنجرة ضغط» في عمل يخاطب المعدة بعد القلب

زهرة مرعي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left