حملة حقوقية ضد «التعذيب المنهجي» في الأردن والحكومة بصدد استراتيجية للحد مما تعتبره «تصرفات فردية»

طارق الفايد

Mar 11, 2017

عمان ـ «القدس العربي»: «التعذيب في الأردن ومحاسبة الجناة والعدالة المؤجلة» هو عنوان حمله التقرير السنوي الأول لمركز «عدالة» لدراسات حقوق الإنسان، تناول في طياته قضايا التعذيب في السجون الأردنية، ويطالب السلطات بوقف هذه الممارسات التي وثقها المركز طوال السنوات الماضية.
رئيس مركز «عدالة» عاصم ربابعة أكد خلال مؤتمر صحافي أطلق خلاله التقرير الأول حول التعذيب في الأردن، أن أبرز ظاهرة في الأردن تخلق بيئة مناسبة للتعذيب هي الاعتقال أو الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي وارغام المحتجزين على الوقوف في أوضاع مؤلمة لفترات طويلة كالوقوف على رجل واحدة مع رفع اليدين في الهواء «الشبح»، والحرمان من النوم.
المنسق الحكومي لحقوق الإنسان في رئاسة الوزراء الأردنية باسل الطراونة أكد أن ما يحدث من تجاوزات هي وقائع فردية، مشيرا إلى تشكيل لجنة متخصصة من قبل رئيس الوزراء لمتابعة ما وصفه بقضايا الانتهاكات الفردية.
وقال الطراونة، في مداخلة له خلال المؤتمر الصحافي، إن الحكومة بصدد إطلاق استراتيجية جديدة للحد من هذه التجاوزات الفردية.
ويأتي هذا التقرير بعد مرور 25 عاماً على إنضمام الأردن إلى اتفاقية مناهضة التعذيب، ويتناول تقييم ما قام به الأردن حتى تاريخه من خطوات على صعيد انفاذ الاتفاقية على المستوى الوطني من حيث بيان الانجازات والقصور إن وجدت وبيان فيما إذا كان التعذيب يمارس في الأردن أم لا.
والتقييم الذي أعده المركز ضمن هذا التقرير هو بحث في حدود مسؤولية الدولة عن التزاماتها التعاقدية، وكشف للتدابير الوطنية المتخذة لضمان الحق في سلامة النفس والجسد بما فيها ملاحقة مرتكبي جرائم التعذيب وغيرها من ضروب المعاملة والعقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وضمان عدم افلاتهم من العقاب. يعرض التقرير للإطار القانوني الدولي والوطني، والذي سيكون أحد ركائز التقييم الأساسية في هذا التقرير بالإضافة إلى استعراض بعض الحالات التي تعرض أصحابها للتعذيب، وتقييم الضمانات الأساسية المقررة للأشخاص في مراكز الاحتجاز وفقاً لاتفاقية مناهضة التعذيب. كما سعى هذا التقرير إلى تحليل مدى وفاء الأردن بالتزاماته بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، واستند التحليل إلى خلاصة عمليات الرصد الذي قامت به هيئات دولية ووطنية متخصصة ومحايدة كمصدر أساسي للمعلومات حول الوقائع المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة، إضافة إلى سلسلة من المقابلات ولقاءات أجريت مع نشطاء حقوقيين ومحامين متمرسين، وصحافيين وأشخاص ادعوا أنهم ضحايا ضروب من التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو القاسية أو المهينة.

العنف وسوء المعاملة

وركز التقرير على التعذيب وسوء المعاملة التي تقع من الأشخاص المكلفين بإنفاذ القانون، وأن الإشارات الطفيفة في مواضع مختلفة إلى ضروب أخرى من التعذيب وسوء المعاملة لا تفيها حقها، فقضايا إجراء التجارب الطبية على البشر والإتجار بالأعضاء البشرية، والعنف وسوء المعاملة في بيئة العمل وفي المنزل والمدرسة والجامعة والأخطاء الطبية المختلفة واستمرار تطبيق عقوبة الإعدام هي جميعاً من ضروب سوء المعاملة وتعتبر بامتياز من صلب قضايا مناهضة التعذيب.
وأشار مركز «عدالة» إلى أن هذا التقرير لا يشمل جميع حالات التعذيب التي تلقاها المركز وكانت تفتقد إلى قدر من التوثيق والاثبات القانوني فتم ارجاء نشرها إلى حين استكمال إجراءات التوثيق والاثبات فيما تم اعتماد نشر الحالات الواردة في هذا التقرير، والتي صدرت بشأنها بلاغات وتقارير من قبل مؤسسات ومنظمات محلية ودولية موجهة للإعلام أو كبلاغات للجهات ذات العلاقة للتحقيق في إدعاءات التعذيب. ونظراً لصعوبة تلقي بلاغات التعذيب، وعدم علم المركز بكافة حالات التعذيب في الأردن فمن المعلوم أن هذا التقرير لا يحيط علماً بجميع الحالات، ولا يمثل بالقدر الكافي مسحا واقعيا وقانونيا لجريمة التعذيب.
ويذكر أن الأردن قد انضم لمجموعة كبيرة من الاتفاقيات الدولية الأساسية في مجالات حقوق الإنسان المختلفة فإنه مُلزم بمراعاة المعايير الدولية التي تتوزع على عدد من النصوص الواردة ضمن الصكوك الدولية وهي: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والميثاق العربي لحقوق الإنسان، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، واتفاقيات جنيف لعام (1949)، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأردن لم ينضم للبروتوكول الاختياري الملحق في اتفاقية مناهضة التعذيب.
ويعالج التقرير مواضيع متعددة تساعد في الإجابة على العديد من التساؤلات التي من الممكن أن تتبادر إلى الذهن مثل: هل يمارس التعذيب في الأردن؟ وهل هناك إفلات من العقاب لمرتكبي التعذيب؟ وما مدى وفاء الأردن بالتزاماته بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب؟
وفقاً لملاحظات فريق المركز وعرض الحالات التي تم رصدها لأشخاص تم إلقاء القبض عليهم لمجرد الاشتباه في إرتكابهم جريمة أو وجود بلاغات غير مؤكدة بحقهم، حيث كانوا عرضة لممارسات خارج إطار القانون تتضمن التعذيب وإساءة المعاملة والمعاملة المهينة داخل أماكن الاحتجاز وأثناء التحقيق معهم.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض حالات التعذيب رفض أصحابها رواية تفاصيلها خوفا من العقاب والانتقام من أفراد الشرطة بسبب تجربتهم في التعامل مع الأجهزة الأمنية مثل التحقيق معهم بطرق تعسفية.

الضرب لانتزاع اعتراف

ولعل أبرز الحالات التي رصدها المركز أو غيره من منظمات المجتمع المدني هي:
الحالة الاولى: الضحية سلطان محمد الخطاطبة، تم إلقاء القبض عليه عام 2013 من قبل رجال قسم مكافحة المخدرات بحيث أنه تعرض للضرب والاهانة أثناء القبض عليه واصطحابه إلى مركز أمن عجلون حيث قام رجال المكافحة بالتحقيق معه من خلال ضربه بشكل مبرح لانتزاع اعتراف منه ومن ثم تم نقله إلى مديرية شرطة جرش وبعدها قاموا بنقله إلى مركز جرش وعند نقله  شوهِد في حالة لا وعي تام ولا يستطيع الوقوف، وكانت هناك آثار ضرب وكان يشكو من ألم في جسمه، عندما نُقِل إلى النظارة كان يتقيء دما، بعد ذلك تم نقله إلى قسم الطوارئ في مستشفى جرش الحكومي لسوء حالته حيث لم يتم سؤاله عما إذا كان قد تعرض للضرب أم لا ولم يقم بتوثيق الحالة الطبية على سجله، ومن ثم تمت إعادة الضحية إلى النظارة وبعد ذلك تم نقله إلى نظارة مركز أمن ثاني ومن ثم إلى مركز إصلاح وتأهيل الجويدة تم سؤاله عما إذا قد تعرض للضرب وعندما أجاب لم يتم إتخاذ أي إجراء، بعد ذلك تعرض الضحية لانتكاسة صحية أثناء تواجده في مركز اصلاح وتأهيل الجويدة، بعد ذلك تم نقله إلى مستشفى البشير حيث كان قد فارق الحياة.
الحالة الثانية: الضحية عبد الله الزعبي، ذهب إلى مركز الأمن ليوقع على الإقامة الجبرية عام 2015 واعتقل أثناء تواجده في المركز من قِبل أفراد مكافحة المخدرات، وتم منع والدته من زيارته دون أسباب قانونية. بعد ذلك قام أفراد الأمن بالتوجه إلى منزله وتهديد أفراد أسرته واصطحابهم إلى المركز الأمني وقاموا بالضغط على والدته للتأثير على ابنها، وعند دخول أفراد المكافحة إلى المكان الموجود فيه الضحية، سمع أفراد أسرته صراخ الضحية وأدوات التعذيب التي كانت تستخدم، بالإضافة إلى التعرض للشتم، بعد ذلك بأيام تم اخبار الوالدة عن وفاة ابنها، وعلم المركز لاحقاً بناء على معلومات من عائلة الضحية ان الحكومة عرضت مبلغا ماليا كتعويض غير معلن لعائلة الضحية مقابل اسقاط الحق الشخصي عن المتهمين.
الحالة الثالثة: الضحية عمر النصر، تم إلقاء القبض عليه وتوقيفه عام 2015 على خلفية اعتداء على دورية أمنية لكونه يقيم في المنطقة المجاورة لمكان وقوع الجريمة، لم يسمح للضحية خلال فترة الاحتجاز الاتصال مع العائلة أو توكيل محامي ولا حتى عرضه على طبيب كونه كان يعاني من اضطرابات نفسية سابقة وفقاً لتقارير طبية، بعد ذلك تلقت شقيقة المتوفي اتصالاً من أحد ضباط مديرية الأمن العام لغايات مراجعتها للمركز حيث علمت بوفاة شقيقها وطُلِبَ منها التوقيع على إفادة إلا أنها رفضت التوقيع، كما رفضت استلام الجثة ودفنها، بعد ذلك تم تهديد عائلته بتشويه سمعته، وذهبت شخصيات ذات نفوذ إلى عائلة الضحية وتعهدت شفوياً بإجراء تحقيق في الحادثة. وما زالت القضية منظورة حتى تاريخ إعداد هذا التقرير أمام محكمة الشرطة ولم تعرف نتيجتها.
الحالة الرابعة: الضحية أحمد عبد الكريم جابر، تم إلقاء القبض عليه عام 2015 واصطحابه إلى مركز الأمن، بعد ذلك اتصل بوالده وأخبره بأنه تعرض لضرب مبرح، وبأنه سيمثُل أمام المحكمة وتم توقيفه إدارياً، وعندما ذهب شقيقه لزيارة الضحية لاحظ بأن هناك أثار ضرب وتعذيب وأخبره بأنه تعرض لشتى أنواع التعذيب، بعد ذلك طلب أفراد الأمن العام من والد الضحية الذهاب إلى المركز الأمني وأخبروه هناك بأن الضحية ضرب رأسه في باب زنزانة نظارة التوقيف وتوفي. رفضت العائلة استلام الجثة ودفنها إلا بعد التشريح من قبل لجنة طبية مستقلة وإحالة المتورطين بالتعذيب إلى التحقيق والمحاكمة العادلة، وتم تقديم شكوى أمام مدعي عام جنوب عمان ومدعي عام الشرطة.
الحالة الخامسة: المواطن عدنان الهواوشة، اعتقل من قبل قوات الأمن العام، عام 2012 خلال المظاهرات التي وقعت في مدينة «ذيبان» في إطار «الحراك السياسي والشعبي الأردني» المطالب بالإصلاح السياسي. تعرض للتعذيب في المركز الأمني مما أصابه بأذى كبير ثم وجهت له تهمة محاولة تقويض نظام الحكم، ونتيجة التعذيب الذي تعرض له والإهمال المتعمد في علاجه فقد عينه اليسرى.
الحالة السادسة: مجموعة من الناشطين منهم معين الحراسيس وعبدالله محادين ومحمد الرعود وعبد المهدي العواجين وخالد الحراسيس، وغيرهم من الأشخاص الذين قد تم اعتقالهم وتعرضهم للتعذيب أثناء وعقب مظاهرات الاحتجاج على قرار الحكومة برفع أسعار المحروقات والتي اندلعت في الأردن عام 2012 وقامت الأجهزة الأمنية باعتقال مئات المواطنين الذين شاركوا في تلك المظاهرات وبعد بضعة أيام اضطرت السلطات للإفراج عن عدد كبير من أولئك المواطنين بسبب الضغوط الشعبية، بعد ذلك قُدِمت العديد من الشهادات عن التعذيب الذي تعرض له اولئك المعتقلين في مراكز الشرطة والسجون ولقد جمعت ووثقت تلك الشهادات.
الحالة السابعة: المواطن جريس حتر، تم إلقاء القبض عليه عام 2013 من محل يملكه في المدينة، إذ قامت مجموعة من رجال قسم مكافحة المخدرات بضربه أمام محله التجاري ومعاملته بطريقة لا إنسانية.
الحالة الثامنة: المواطن حمزة ابو ردن، أوقف عام 2014 لدى مديرية البحث الجنائي بتهمة الإتجار بالمخدرات، عندما زاره أهله لاحظوا آثار تعذيب على مواقع مختلفة من جسمه. أخبرهم بأنه طلب من موظفي إدارة البحث الجنائي تقريراً طبياً عن حالته، رفضوا إعطاءه تقريراُ حديثاً عن حالته الراهنة.
الحالة التاسعة: المواطن راني الزواهرة، قُبِض عليه عام 2014 وأودع في مركز أمن بتهمة «اطالة اللسان» ولاحقاً وجهت له تهمة محاولة تقويض نظام الحكم وحول إلى محكمة أمن الدولة وتعرض أثناء توقيفه في السجن لسوء معاملة شديدة ووجهت له شتائم وإهانات لفظية وجسدية وتم إجباره على خلع ملابسه.
الحالة العاشرة: المواطن وائل الرفاعي، اعتُقِل عام 2015 واتهم بمخالفة قانون المطبوعات والنشر وتعكير صفو العلاقات مع دول أجنبية وتم تحويله إلى محكمة أمن الدولة. يعاني من شلل دماغي وآلام في الظهر، لم توفر له الأدوية وتعرض لمعاملة قاسية من قبل إدارة مركز الإصلاح والتأهيل ومنعت الزيارات عنه.
الحالة الحادية عشرة: المواطن محمد المحيسن، اعتُقِل عام 2015 وتعرض للضرب والشتم والإهانة.
كما رصد التقرير أشكالا مختلفة من التعذيب وإساءة المعاملة من قبل أفراد ومرتبات إدارة مكافحة المخدرات بشكل كبير جداً وذلك من خلال إجراء مقابلات عديدة مع أشخاص تم التحقيق معهم أو مع ذويهم.
تقرير مركز «عدالة» لم يكن الوحيد الذي تحدث عن التعذيب في السجون الأردنية خلال الفترة الماضية، فقد روت قبل بضعت أيام لجنة حقوقية وأهلية أردنية قصصا وحكايات مفزعة تقشعر لها الأبدان عن تجاوزات «منهجية» وآليات تعذيب ضد الموقوفين والمحكومين الإسلاميين في سجون الإصلاح والتأهيل. وتحدثت لجنة الدفاع عن المعتقلين السياسيين في الأردن وبإسهاب خلال مؤتمر صحافي عن تعرض سجناء لعملية «نتف اللحية وتكسير الأسنان وضرب متواصل وتعذيب نفسي يتخلله منع من النوم والتعرض لموجة برد قاسية، بالاضافة إلى الاهمال الطبي المتعمد».

 حملة حقوقية ضد «التعذيب المنهجي» في الأردن والحكومة بصدد استراتيجية للحد مما تعتبره «تصرفات فردية»

طارق الفايد

- -

2 تعليقات

  1. في كل الدول العربية التعذيب حالة فردية !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. شو هذا، فضيحة مجلجلة… جرائم بكل معنى الكلمة…أ لهذا الحد…. معقول …؟؟؟؟ كمواطن اردني، مصعوق لما أقرأ…

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left