خالقو المشاكل والكوارث يتفنون في إلصاقها بمؤامرات الخارج والداخل المتوهمة والحكومة تتدخل «لشرعنة» البلطجة

حسنين كروم

Mar 14, 2017

القاهرة ـ «القدس العربي»: عكست الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 13 مارس/آذار ثبات المشهد والأحداث في مصر دون أي تغيير يذكر عما سبقها، فالغالبية مهتمة كالعادة بالارتفاعات المتواصلة للأسعار وعودة الدولار للارتفاع، وبمباريات كرة القدم، وبعدها اهتمت كل فئة بما يخصها إذ واصلت الشرطة عملياتها في مناطق عديدة في عدد من المحافظات من إزالة التعديات على أملاك الدولة ومهاجمة البؤر الإجرامية والقبض على البلطجية.
وأصحاب المطاعم الشعبية ابتهجوا بسبب قرار وزير المالية الدكتور عمرو الجارحي عدم تطبيق القيمة المضافة عليهم واقتصارها على المطاعم السياحية، والمعروف أنه يعمل في هذه المطاعم عدة ملايين من العمال. كما أن الحكومة أصدرت قرارا آخر بقبول توريد الفلاحين للقمح إلى الصوامع التي تمتلكها، وإلغاء ما كان يعرف بالشون الترابية، أي وضع القمح على الأرض الفضاء، ما كان يؤدي إلى تلف أكثر من ثلث أو ربع المحصول، بالإضافة إلى أن بعض المزارعين وبالتواطؤ مع المسؤولين عن هذه الشون، كانوا يضعون بدلا من القمح أجولة مليئة بالرمال، وكانت الصوامع الحكومية أيام مبارك معروضة للبيع بالكامل لشركة أسترالية، لولا أن كشف المؤامرة وهاجمها جلال دويدار عندما كان رئيسا لتحرير جريدة «الأخبار» الحكومية واتهم المسؤولين عن الصفقة بالتربح والإضرار بمصلحة البلاد. والعاملون في السياحة وأصحاب شركاتها ازدادوا تفاؤلا بتصريحات وزير النقل الروسي بأن مصر وبلاده اتفقتا على النسخة النهائية لبروتوكول سلامة الطيران، تمهيدا لاستئناف الرحلات الجوية قريبا إلى مصر. وملايين أخرى من المصريين اهتموا بفتح باب عمرة رجب وشعبان ورمضان. وغيرهم تابعوا أخبار العمل في المسلسلات التلفزيونية التي ستعرض في شهر رمضان المقبل، وإلى ما عندنا من أخبار..

حكومة ووزراء

ونبدأ بالحكومة والوزراء والانتقادات التي وجهها إليها وإلى سياساتها في «الأهرام» نقيب الصحافيين الأسبق مكرم محمد أحمد وجاءت في عموده اليومي «نقطة نور» يوم الأحد وقال فيه:
«ينبغي أن تلتزم الحكومة في ظل هذه (الشدة) التي يمر بها المجتمع المصري المزيد من الفطنة والحذر واحترام حقوق المواطنين، والتخفيف عن كاهلهم قدر المستطاع، في ظل تفاقم غلاء الأسعار الذي يزيد من وطأته جشع التجار وضعف قدرة الحكومة على ضبط الأسعار، لنفور سياساتها من فرض تسعيرة جبرية تؤدي عادة إلى شح السلع في الأسواق والإضرار بجودة المنتج، وانتشار رقعة السوق السوداء، إضافة إلى افتقادها القدرة على تطبيق نظام واضح يحدد هوامش ربح عادلة في السلع الأساسية والضرورية، كما فعلت مع السكر. ولا نفهم حتى الآن لماذا تتردد الحكومة في إعادة تنشيط جمعيات التعاون الاستهلاكية، على أسس جديدة تعطي مسؤولية إدارة هذه الجمعيات لملاكها أصحاب الأسهم في كل حي، كما هو حادث في الكويت، رغم أنه لا حل دائما في مواجهة جشع التجار المصريين، سوى تنشيط هذه الجمعيات وربطها بمراكز الإنتاج مباشرة، وحسن تنظيم إدارتها، لأن الاهتمام بهذه الجمعيات يشكل حجر الزاوية الوحيد وأداة الحكومة الرئيسية في تنظيم السوق المصرية بما يمكن المستهلكين من الحصول على سعر عادل. وأظن أنه في هذا المعترك الصعب الذي تخوضه مصر الآن يتحتم على الحكومة أن تلزم كل مؤسساتها، ابتداء من الأمن والشرطة والمرور إلى باقي إدارات الخدمات في الدولة حسن معاملة الجمهور، وان تفصل ذلك في مدونة سلوك تحدد واجب المواطن ومسؤولية كل موظف، والمدة الزمنية التي تتطلبها كل خدمة، ولغة التخاطب الجديدة مع الجمهور، التي تشعر المواطن أنه أهل للاحترام، وربما يكون من واجب الحكومة في هذه الظروف العصيبة أن تراجع بعض رسوم خدماتها التي تصاعدت أسعارها بصورة غير عادلة تحاكي جشع التجار».

الماضي يعيد إنتاج نفسه

وفي الصفحة الخامسة من «المساء» أمس الاثنين حذر رئيس تحريرها الأسبق مؤمن الهباء الحكومة من الاستماع إلى عودة بعض وزراء عهد مبارك لإسداء النصائح لها لإصلاح الوضع الاقتصادي بقوله في عموده اليومي «شهادة»: «المشكلة أن غياب المساءلة السياسية سمح للماضي بأن يعيد إنتاج نفسه وينفض يده من أوزار عصر مبارك ويغسل سمعته لكي يقدم أوراق اعتماده للحاضر، مرتديا مسوح البراءة ومدعيا الحكمة والخبرة، وسرعان ما اصطدم هذا الماضي بالواقع مرة أخرى فأحدث أزمات متتالية، هل تتذكرون أزمة أسعار الدواء وحليب الأطفال، ووقف استيراد قمح الأرجوت، ثم السماح باستيراده، وإلغاء الجمارك على واردات الدجاج المجمدة، ثم وقف الإلغاء، والعودة إلى الاستدانة واستسهال الضرائب. إن الذين أفضت سياساتهم إلى إسقاط النظام كله لا يليق بهم أن يعطوا دروسا في سبيل تجاوز الأزمة الاقتصادية، ولا أن يطرحوا أنفسهم كخبراء مجربين ناهيك عن أن يكونوا وزراء بيدهم سلطة القرار، فنقع بهم ومعهم في الحفرة نفسها ونلدغ من الجحر نفسه مرتين».

مستشارو السوء

وفي «أهرام» أمس الاثنين أيضا أراد فكري عبد السلام مجاملة الحكومة والإشادة بأفعالها فقال في بابه «ضمير وطن»: «نمر حاليا بمرحلة خطيرة ومعقدة لا يمكن الاعتماد فيها على الفردية في اتخاذ القرارات، التي تمس المواطن الذي تغير وعيه وثقافته، فالأزمات المتلاحقة ناتجة عن سوء فهم أو تسرع أو استبداد متخذي القرار المعتمدين على مستشارين في وزاراتهم، لا يدركون طبيعة المرحلة ومعظمهم يعملون لدى فئة لا يهمها إلا تحقيق مكاسب شخصية فيسربون إليهم القرارات التي تمس مصالحهم ليستعدوا لإفسادها. القرار الأخير الذي اتخذه وزير التموين صائب ويقضي على بعض أوجه الفساد في منظومة الخبز، من دون المساس بحصة المواطن، إلا أن عنصر المفاجأة وعدم عرض إيجابياته مكن المتربصين وشُعب المخابز استغلاله في إثارة الغلابة ضد الدولة، التي سرعان ما تراجعت وانصاعت لأوامر أصحاب المخابز، فزعزعت هيبتها رغم القبض على وكيل تموين الإسكندرية وبحوزته 118 ألف بطاقة خبز، وفشلت الحكومة في اجتياز أزمات السلع الاستراتيجية وتعويم الجنيه، الذي أغرقنا في دوامة غلاء الأسعار، التي أرهقت البسطاء الصابرين وحدهم على تحمل الإصلاحات الاقتصادية، ولم تستطع للآن معالجة أي أزمة لاعتمادها في كل قطاعاتها – التي بها إدارات متخصصة في جميع المجالات – على مستشارين جاءوا بمحسوبية أو ضغوط، حتى أن قانون المحليات الذي من المفترض حسب تعليمات الرئيس أن يصدر قبل نهاية العام الماضي أجله مستشارو السوء لتأخير انتخابات المجالس المحلية، خوفاً من أفرازها عناصر غير مرغوب فيها، ولكن الحقيقة سيكون للمجالس دور رقابي يساعد الأجهزة في القضاء على الفساد، فيجب على متخذ القرار أن يكون مدركاً لأبعاده تجنباً لحدوث أزمة يغذيها المتربصون لتصل إلى مرحلة الصدام لزعزعة الاستقرار».

مناخ الفساد

وفي «الشروق» أمس الاثنين حدثنا رئيس تحريرها عماد الدين حسين في بروازه اليومي «علامة تعجب « عن الفساد والحكومة بقوله: « قبل أسابيع قليلة اتهمت هيئة الرقابة الإدارية مدير المشتريات في مجلس الدولة بالرشوة وتم القبض عليه بالفعل، ويخضع للمحاكمة الآن.
حينما حدث ذلك، تصورت أن كل شخص يمارس هواية الرشوة سوف يتوب، أو على الأقل «يلم نفسه» ويهدئ أو يجمد نشاطه، لكن يبدو أن «النفس أمارة بالسوء». فقبل يومين ضبط ضباط الهيئة أيضا مدير المشتريات في وزارة التخطيط متلبسا بتقاضي رشوة من إحدى الشركات الموردة لأجهزة الكمبيوتر قدرها 1.3 مليون جنيه، مقابل حصولها على معلومات عن عروض الشركات المنافسة. وفي اليوم نفسه، تم القبض على موظفين في مصلحة الضرائب العقارية بتهمة تقاضي رشوة قدرها 150 ألف جنيه من أحد ملاك العقارات في مدينة نصر. في الشهور الأخيرة زاد نشاط ضباط هيئة الرقابة الإدارية بصورة ملحوظة في مطاردة الفاسدين، وهو جهد مشكور، ينبغي أن نحييهم عليه، ونتمنى منهم المزيد حتى يقتنع «السادة المرتشون» أو كل من يفكر في سرقة المال العام والإفساد في الأرض، إنه لن يفلت من العقاب وأن الثمن الذي سيدفعه سيكون باهظا. لا أحب كلمات الوعظ والإرشاد، لكن الذي لفت نظري أن ظواهر الفساد والإفساد صارت كثيرة، لدرجة تجعل المرء يقلق على المجتمع بأكمله، ونتساءل: هل نستطيع أن نقضى فعلا على الفساد؟ لا أتحدث عن الحكومة الحالية وسياساتها أو حتى عن العصر الحالي، بل عن الحالة التي وصل إليها المجتمع بفعل تراكم سنوات الفساد والإفساد طوال أكثر من أربعين سنة بدأت ربما في عصر السادات مع سياسات الانفتاح العشوائية عام 1974. أن يحصل شخص أو مسؤول على رشوة، أو يعطل مصالح الناس فتلك جريمة، لكن أخطر عوامل وظواهر الفساد من وجهة نظري هي إفساد التعليم وتدهوره، لأنه يقوم بتخريج جيوش من الجهلة وغير الأكفاء، حتى لو كان ضميرهم يقظا ويؤدون الصلوات الخمس في مواقيتها، فتخيلوا أن يكونوا جهلة وضميرهم ميت وأخلاقهم منحطة. الفساد الحقيقي من وجهة نظري أن هذه النوعية زادت بنسبة كبيرة فى المجتمع، وبدأت تتعامل مع هذه الرشاوى ذات المسميات المختلفة من أول «إكرامية» إلى «الشاي» أو «صباح الخير» باعتبارها حقوقا مكتسبة. أما الأخطر فهو اقتناع من يقدمونها بأنها شيء عادي وطبيعي، وأن هؤلاء مظلومون ولا يحصلون على أجر عادل، وبالتالي وجب إكرامهم. وحتى إذا سلمنا بهذا الكلام المغلوط والملتوي، فما الذي يدفع مسؤولا كبيرا أن يرتشى بملايين الجنيهات.. هل هي الحاجة أم الطمع أم الفساد الشامل؟ خلاصة القول إن إصلاح هذا البلد لن يتم إلا بضرب كل رؤوس الفساد وذيوله أيضا».

مجلس النواب

وإلى مجلس النواب ورئيسه الدكتور علي عبد العال وما قاله محمد الرفاعي عنهما في جريدة «صوت الأمة» في بابه «يوميات مواطن مفروس»: ـ ما أنفك عبد العال يدهوس في اللغة العربية دهوسة الهجانة حتى رقدت جنب محمد أبو سويلم. ـ السيد عبد العال الذي ما زال مصرا على عدم احترام الدستور وأحكام القضاء من باب أنا الأسد أهوه، ويجامل الحكومة برفع مرتباتها على اعتبار أنها حكومة ولا تجوز عليها الصدقة، قرر أن يتعامل مع الصحافة على طريقة الليل الليل الليل ميمون. ـ أيام فتحي سرور كان البرلمان سيد قراره أيام عبد العال البرلمان سيد قرار اللي خلفونا.ـ يا ترى أنت فين يا فتحي يا سرور؟ زمانك يا عم ميت على روحك من الضحك وأنت بتتفرج على سهير البابلي بتقول عين عبعال جرجاوي عبعال. ـ عندما يقال تحت قبة البرلمان المحترم اللي مش هايحترم المجلس هانضربه بالجزمة، دون أن يعتذر عبد العال أو على الأقل يطالب بحذف الجملة من المضبطة، فنحن نعيش عصر التوت والنبوت. ـ عندما يقف أحد النواب أثناء التصويت على إسقاط عضوية السادات ويصرخ بالفم المليان ريسنا، يقصد عبد العال، يركب أجدع عربية في العالم مع أننا دولة فقيرة أوي يبقى يا ثورة ما تمت خدها الغراب وطار ويا برلمان الهنا يا ريتني كنت أنا. ـ حاول السادات تحويل نقابة الصحافيين إلى ناد وفشل. حاول مبارك تغليظ عقوبات الحبس في قضايا النشر ثم تراجع. الآن يحاول البرلمان برئاسة عبد العال تحويل الصحافة إلى قرد يصديري والعاقبة عندكم في المسرات يا عبدة».

معارك وردود

وإلى المعارك والردود التي بدأها في «الأهرام» أشرف محمود بمقال عنوانه «أغلقوا كليات الإعلام « تحدث فيه عن ظاهرة ملموسة في القنوات الفضائية وبرامجها وكذلك في الإذاعة وهي سيطرة شلة معينة من غير خريجي كليات الإعلام وقال: «إن ما لفت نظري أن المقدمين لها، إما ممثلون أو إعلاميون ممن يتصدرون المشهد الفضائي الآن، ووجدتني أتساءل عن السر وراء تحكم مجموعة بعينها في الإعلام المصري المسموع والمرئي، وأن هذه المجموعة التي يمكن وصفها بالشلة الواحدة، إلا ما ندر، لايتجاوز عددها أصابع اليدين. وغالبيتهم ليسوا من خريجي الإعلام، فكيف تترك مسؤولية تشكيل الرأي العام في أيدي عدد محدود يسيطر على كل الوسائط الإعلامية ويحظى بانتقادات من فئات في المجتمع، لا تروق لها طريقة الأداء أو مضمونه. ووجدتني أتساءل: إذا كان هؤلاء النفر يسيطرون على كل المنابر الإعلامية ويكررون من خلالها أنفسهم، فما يقولونه صباحا من خلال ميكروفون الإذاعة يكررونه مساء من خلال الشاشات، وفي الحالتين المضمون غائب والصوت العالي والتنظير فقط هما الحاضران، ومع ذلك لا أدري لماذا تتعدد الوسائط الإعلامية ولا يتعدد الإعلاميون؟ ولماذا يغيب عن المشهد خريجو كليات الإعلام ومعاهدها وأكاديمياتها التي تخطى عددها العشرين، واذا كان هناك من يرى أن الإعلام ليس بحاجة إلا للمجموعة المسيطرة والمهيمنة عليه الآن، فلماذا تواصل تلك الكليات عملها وعلى أولي الأمر إصدار قرار بإغلاقها فورا. ولكي نقترب أكثر من المشكلة حتى لا يظن أحد أننا نقصد أمرا شخصيا، وليس حالة عامة تستحق التوقف عندها بالدرس والبحث لإنقاذ مستقبل آلاف الشباب من خريجي الإعلام سنويا، ممن ينضمون إلى سوق البطالة بفعل عدم وجود مجال لالتحاقهم بالعمل الذي درسوا علومه، فلما تخرجوا اصطدموا بالواقع الذي أوصد في وجوههم كل الأبواب».

ميراثنا الفرعوني في يد الأطفال

طبعا هذه الشلة أدت بتحكمها الذي أشار إليه أشرف إلى تخلف الإعلام وهو يتماشي مع التخلف الذي ظهر بوضوح في طريقة التعامل مع اكتشاف تمثال رمسيس الثاني، التي أشار إليها في صحيفة «الوطن» الدكتور محمود خليل في عموده اليومي «وطنطن»حيث ذكرنا بما كنا قد نسيناه قال: «مصر 1974: لاحظ علماء المصريات أن مومياء رمسيس الثاني في تدهور سريع فقرروا إرسالها لفرنسا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. تم استخراج جواز سفر للمومياء بمهنة «ملك سابق» وعليه قامت فرنسا باستقبال المومياء استقبالاً رسمياً كاملاً مع موكب عسكري وموسيقى عسكرية، احتفالاً بوصول الملك، كما هو متعارف عليه مع الملوك.
مصر 2017: استخراج رأس تمثال لرمسيس الثاني من قلب المياه الجوفية في حي المطرية من المكان الذي يستقر فيه معبد أون التاريخي، بآلات حفرية، أثارت تساؤلات الكثيرين وتُرك رأس التمثال الملكي في الشارع لتلتقط عدسات الصحف مجموعة من الصور المثيرة لأطفال تجمعوا حول رأس التمثال، وبعضهم ركب فوقه ورجل يتفقد أذن الملك، تجمع في ما بينها مشهداً شديد الكوميدية، للفارق الزمني بين العامين (1974 و2017) يحمل في طياته فارقاً نوعياً آخر بين الطريقة التي تعاملنا بها في الأمس والأسلوب الذي نتعامل به اليوم مع ميراثنا الفرعوني. واقع الحال يقول إننا تعاملنا بصورة تعكس وعياً بمعطيات ونتاج هذه الحضارة عام 1974 فاستخرجت مصر جواز سفر «ملك سابق» لمومياء رمسيس الثاني، في حين تعاملنا بطريقة عجيبة يصح أيضاً أن نصفها بـ»المتخلفة» مع تمثال الملك الذي عثرنا عليه عام 2017. الأداء المتخلف يمكن أن نرصده من خلال مؤشرين: المؤشر الأول يتعلق بأسلوب المسؤولين في التعامل مع الحدث، أما المؤشر الثاني فيتصل بطريقة تعامل المعارضين للنظام معه. مشاهد استخراج التمثال كانت موضعاً لتساؤل وسخرية الكثيرين، وقد علق مسؤولون ومتخصصون على هذا الأمر وذكروا أن هذه هي الطريقة العلمية المعتادة في استخراج الآثار. من جهتي أصدقهم احتراماً للتخصص وقناعة بقاعدة «أهل مكة أدرى بشعابها» لكنني أتساءل حول مسألة ترك التمثال الملكي لعبة في أيدي الصغار، ومادة لفضول المواطنين. هل تلك هي الطريقة العلمية المعتادة للتعامل مع أثر بالقيمة التاريخية للتمثالين، اللذين تم العثور عليهما في المطرية؟ ألم يكن من المنطقي أن توضع حراسة على الخبيئة التاريخية التي تم العثور عليها حتى تحميها من عبث العابثين وفضول المتطفلين؟ إن هذا الاستخفاف بميراثنا الحضاري يمنحنا مؤشراً لحالة التخلف التي نتعامل بها مع معطيات الحضارة الذي بناها الأجداد، وتوضح حالة التردى التي وصلنا إليها على المستويات الرسمية والشعبية».

فوبيا أبو تريكة

«أبو تريكة ليس موجودا في مصر إلا أن الفاشية التي نغطس فيها وتسكرنا حتى الثمالة جعلتنا نخافه بدون مبرر، لدرجة أن القائمين على تأمين مباراة الأهلي وبيدفيست الجنوب أفريقي منعوا دخول من يرتدي قميصا يحمل الرقم 22، وهو الذي كان يرتديه النجم الشهير، أو قميصا عليه صورته. هذا ما بدأ به فراج إسماعيل مقاله في «المصريون» الذي رأى أن المواقع الإخبارية أبرزت هذا المنع غير المفهوم أو المنطقي. لماذا الخوف من لاعب كان نجما في زمنه وليس زعيما سياسيا، ولا يتوقع منه الترشح إلى أي منصب أو منافسة كبار القوم في كعكة السلطة والنفوذ. أبو تريكة نجم صنع مجده بقدم تركل الكرة وتمتع عشاقها وتنتزع الآهات من قلوبهم، ولم يصنعه بشعارات أو خطب عصماء ومقالات مطولة وصراخ التوك شو. كم أمتعنا وحقق لنا بطولات في كرة القدم، سواء مع ناديه الأهلي أو مع منتخب مصر، لكن هناك فوبيا منه معدومة المنطق والحجة، فوبيا توازي الإحساس المرضي الذي يسلب عقول البعض وهم يصنعون الأزمات التي تغضب الشارع، ثم يلقون بالمسؤولية على «الإخوان» ومؤامراتهم، كما حدث في أزمة الخبز مؤخرا. لست في حاجة لتكرار كلام معاد عشرات المرات حول قيمة أبو تريكة وبراءته من كل ذنوب الفشل الذي يلتصق بنا التصاق الجرب بالأجرب. صناعة المشاكل والكوارث لن تنتهي ما دام صانعوها يتفنون في الصاقها بمؤامرات الخارج والداخل المتوهمة، والحقيقة نحن أوهن من أن يتآمر علينا الآخرون أو يتذكروننا من الأساس. كيف نتخلص من هذه الفوبيا التي تضيق الخناق علينا؟ متى يعود لنا رشدنا فنعيد للرجال من أمثال أبو تريكة تقديرهم، فقد كان يركض ليسعد الجميع، وليُعرف الآخرون بمصر وقدرها. الأمم لا تصنع نفسها من فراغ وإنما يصنعها أبناؤها بدأبهم وتفوقهم وضمائرهم الحية. عندما حضر علاء مبارك عزاء والد محمد أبو تريكة كان يعرف هذه الحقيقة التي يهرب منها من لا يريد أن يستخدم العقل والمنطق في تفسير الأشياء وفهمها ليبصر طريقه الصحيح. الفاشية التي نتعامل بها مع أبو تريكة ونظرائه من المتفوقين في كافة المجالات ستجعل أجيالا جديدة تخشى مصيرهم من التنكيل والإقصاء والمطاردة، إذا لم يرض عنهم أولو الحظوة والنفوذ. ستهجر الكفاءات إذا ضاق بها الوطن بينما يتسع للكسالي الذين يعيشون تحت سقف شعارات الوطنية وحب مصر وتحيا مصر، ولا يقدمون شيئا يترجم ذلك إلى واقع. أهل القمة يحتاجون إلى استشفاء من ذلك المرض الاقصائي».

خطر يضرب السُلّم الاجتماعي

وننتقل إلى دندراوي الهواري في «اليوم السابع» وقوله: «تعريف البلطجة هو كل جهد يهدف إلى العبث بميزان العدالة ويلحّ على اغتصاب الحقوق انتصاراً للذات واعتماداً على مبررات القوة التي لا يتمتع بها الآخرون، وإرهاب وترويع الآمنين. وهي أعمال إرهابية، تمارسها الجماعات المتطرفة، ومن ثم فإن الإرهاب ولد سفاحا من رحم البلطجة. والسؤال، ما هو السبيل لحماية الناس ونشر الأمن والأمان؟ والإجابة هي اتباع القانون الذي أخذَنا به بيانُ الله القائل فى سورة البقرة أيضا: «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».
وبعبارة أخرى، السبيل إلى ذلك الضرب على أيدى المتربصين بالأمن والسلم الاجتماعي، وإنزال العقاب الشديد لمن يصرّون على إبعاد موازين العدالة عن الطريق، بجانب تحقيق الأمن وفرض القانون بالقوة، حتى يقلع البلطجية عن ممارسة غيهم وإشاعة الرعب في قلوب الغلابة. للأسف ما يحدث على الأرض حاليا أمر مغاير، فالبلطجية تلقى كل أنواع الدعم والمساندة، وكلما كنت بلطجيا قويا تمارس كل أنواع البلطجة وتشيع كل أنواع الرعب في قلوب الشرفاء ستجد معاونة ومساندة ودعما أكبر، وتتدخل الحكومة «لشرعنة» البلطجة، وهو أمر زاد عن الحد وبلغ الظلم مداه. والبلطجي أنواع، بلطجي سياسي متحصن ضد المساءلة بحصانة برلمانية، أو حصانة شعبية وهمية، أو حصانة الشعارات الثورية والحقوقية الوهمية، وبلطجي جنائي يغتصب الممتلكات ويشيع الرعب والإرهاب بين الناس ويهين الأعراض ويقتل الأبرياء، متحصنا بصمت الأمن وحمايته وحراسته ومنحه كل الشرعية، وبلطجي المناصب الذي يتحصن بمقاعد السلطة في المؤسسات الرسمية ويمارس الفساد، من رشاوى ووساطة مهدرا أموال الدولة. أما الشرفاء المحترمون وهم الغالبية الكاسحة فيتجرعون المرارة ويعتصر قلوبهم الألم وأصابهم اليأس وفقدوا الأمل من «شرعنة البلطجة»، وهنا الخطر الحقيقي والداهم الذي يضرب السلم الاجتماعي في مقتل، ويهدد الأمن والاستقرار ويشيع الفوضى ويجلب الوبال، فإذا غاب العدل وانتشر الظلم فبشر بنذر غضب السماء للقصاص من الداعمين والمساندين للظلم ولك الله يا مصر».

الأزهر والسياسة الخارجية

وإلى الأزهر ومكانته الدولية الكبيرة ومع ذلك يحاول البعض الإساءة إليه وتحطيم مكانته وهو ما أغضب في «المصري اليوم» سلامة أحمد سلامة وعبر عن غضبه بالقول في مقاله اليومي الذي يكتبه تحت عنوان «سلامات»: «في الوقت الذي يتراجع فيه الاهتمام بالأزهر محلياً على المستوى الرسمي بالتزامن مع حملات هجوم ضارية موجهة في معظمها، يقودها البعض من قصار النظر، يتزايد الاهتمام العالمي بهذه المؤسسة العريقة، إيماناً بقيمتها إقليمياً ودولياً، خاصة في هذه المرحلة التي تتطلب وجود مؤسسات دينية متوازنة على قدر التحديات الراهنة، التي ثبت بحُكم تجارب التاريخ أن الأزهر فقط هو الذي يستطيع القيام بهذه المهمة، التي لخصتها المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل خلال زيارتها الأخيرة لمصر بقولها: «إن الأزهر أعلى مرجعية سُنية في العالم، وشرف لي أن أحل ضيفة عليه». إذا رصدنا حرص الضيوف الأجانب على زيارة الأزهر، وبصفة خاصة زعماء الدول الأجنبية، والالتقاء بفضيلة الإمام شيخ الجامع الأزهر، فسوف نكتشف أننا أمام الكنز الذي تبحث عنه مصر هذه الأيام، ممثلاً في كلمة السر التي يمكن من خلالها النفاذ إلى علاقات خارجية قوية أو على أقل تقدير استعادة علاقات الماضي الذي شابها الكثير من الأزمات على كل الأصعدة، ذلك أن المؤتمر الذي عقده الأزهر أخيراً تحت عنوان «الحرية والمواطنة التنوع والتكامل» وحجم المشاركة الخارجية فيه كان بمثابة رسالة. في هذا الصدد أيضاً على قدر كبير من الأهمية يجب أن نعترف بأن الدبلوماسية المصرية الآن في أضعف حالاتها تاريخياً، ليس بسبب عدم وجود كفاءات في هذا المضمار، إنما بسبب إيلاء الملفات المهمة لجهات أخرى غير دبلوماسية، وهو ما جعلنا نبدو كدولة تحبو سياسياً. الشعب يبحث عن إجابات لأسئلة كثيرة دون جدوى، نطالع أخبار الوطن من مصادر أجنبية، السرّيّة أصبحت هي محور العلاقات الخارجية، وكأننا نخشى من شيء ما. الثقة أصبحت مفقودة بين الشعب وصناع القرار، إلى الحد الذي بلغت معه الأوضاع إلى الطعن قضائياً على معظم القرارات الرسمية، سواء تعلقت بإجراءات في الداخل أو اتفاقيات مع الخارج».

ثورة 1919

وإلى ذكري الثورة الشعبية المصرية التي اندلعت في التاسع من مارس/آذار سنة 1919 بقيادة الزعيم خالد الذكر سعد زغلول باشا وقال عنها أمس الاثنين في الوفد «مصطفى عبيد في بروازه «خارج السطر» معاتبا الرئيس السيسي لأنه لم يحتفل بها: «لقد كان مفهوماً أن يتجاهل الرئيس مبارك ذكرى سعد والنحاس وثورة 1919، ذلك لأن مبارك كان يرى أنه يستمد شعبيته مثل سلفه من ثورة 23 يوليو/تموز وأنه امتداد لها، لكن الرئيس السيسى جاء إلى الحكم بانتخاب مباشر، تم بين أكثر من مُرشح ولم يصل للحُكم باستفتاء أو نيابة، اختاره الناس بمحض إرادتهم وهو ما يعني أنه يستمد شعبيته من الناس، من الشعب، من المصريين بكافة طوائفهم ومعتقداتهم، وليس من ثورة أو حركة يوليو 1952. من هُنا فإن لنا دَيناً في عُنق الرجل لنا لا للوفديين وحدهم، وإنما المصريون جميعاً خاصة الواعين بالتاريخ العارفين بالأبطال المنسيين وبأيام الوطن الخالدة، التي أسقطتها حركة يوليو من ذاكرة الأمة. إن حقنا كمصريين أن نجد من الرئيس اهتماماً لمحو زيف ورد اعتبار لزعماء مصر الحقيقيين، ووقوفاً مع الصدقية وتصحيح التاريخ، واستلهام روح الثورات الحقيقية. إننا لو تأملنا بدقة ما جرى يوم 9 مارس 1919 لوجدنا أنه اليوم الوحيد في تاريخ مصر الذي يُمكن أن يطلق عليه كلمة «ثورة» دون أي تحفظات، ورغم ذلك فقد رحل سعد زغلول في 23 أغسطس/آب 1927 ثُم رحل مصطفى النحاس في اليوم نفسه سنة 1965 ولم يُنتج مُسلسل واحد عن أحد الرجلين، في الوقت الذي أنتجت فيه مسلسلات وأفلام عن الشيخ الشعراوي وسُعاد حُسني وإسماعيل ياسين وأسمهان، فويلٌ لأمة تدفن زُعماءها وتُفرغ ذاكرتها».

المئوية الخالدة

وفي الصفحة الثامنة من عدد «الوفد» نفسه كتب احد سكرتيري حزب الوفد المهندس حسين منصور في مقال عنوانه «عامان على مئوية ثورة 19» قال فيه: «بعد عامين تحل الذكرى المئوية لثورة 19 فهل استعدت الدولة لهذا؟ وللتذكرة فإنه في عهد عبدالناصر كانت هناك احتفالية بمرور خمسين عاماً على الثورة، بغض النظر عن عناوين لماذا فشلت ثورة 19. ومعيب للغاية أن تتجاهل الدولة تلك المناسبة المهمة. وكذا فإن جامعة القاهرة ومراكز البحث والتاريخ عليها أن تقدم رؤيتها وخطتها للاحتفال بتلك المئوية الخالدة لثورة المصريين. أما حزب الوفد فإنه تهل عليه ذكرى المئوية الأولى له بعد أقل من عامين في13 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 ثم تتبعها مئوية ثورة 19 فجدير بالوفد تشكيل لجنة جادة من المهتمين والمتخصصين للتحضير والاستعداد للاحتفال الواجب والمنتظر لتلك المناسبة».

خالقو المشاكل والكوارث يتفنون في إلصاقها بمؤامرات الخارج والداخل المتوهمة والحكومة تتدخل «لشرعنة» البلطجة

حسنين كروم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left