تركيا وإيران: التوتر في ظل البراغماتية

د. مدى الفاتح

Mar 15, 2017

في منتصف شهر فبراير الماضي نقلت بعض وسائل الإعلام تصريحاً للرئيس التركي، الذي كان يقوم بزيارة لمملكة البحرين حينها، حذّر فيه من العنصرية الفارسية التي تود تقسيم العراق وسوريا وفق أجندة طائفية.
تم الاحتفاء بهذا التصريح بشكل كبير في معظم الأوساط العربية التي تخوض حرباً باردة ضد الجمهورية الإيرانية. كان ذلك أمراً طبيعياً، فكثيراً ما كان يتم الاحتفاء بمثل هذه التصريحات التي يحب البعض أن يضخمها وأن يفهمها على أنها اقتراب تركي من المعسكر المتشدد، الذي يدعو للقطيعة الكاملة مع نظام الولي الفقيه.
في الواقع فإن تركيا ظلت، بالتحديد خلال العامين الماضيين، في وضع لا تحسد عليه. فهي بالنسبة للعلمانيين إسلامية وممولة للتيارات الدينية وراعية للإخوان المسلمين، كما أنها، وفي الوقت ذاته، علمانية وغير مخلصة دينياً بنظر بعض الإسلاميين، في حين يذهب أكثرهم تشدداً لما هو أبعد من ذلك لدرجة تبلغ حد الدخول في حرب مفتوحة معها باعتبارها دولة مرتدة وحليفة لليهود والنصارى.
في ظل الاستقطاب الإيراني، كانت تركيا أيضاً في وضع صعب بين من يدعونها لتكون ضمن تحالف «السنة» الذين يشكلون بالفعل ثقلاً حضارياً وعمقاً استراتيجياً للدولة التركية، وبين الطرف الإيراني على الجهة الأخرى، وهو طرف لا تستطيع تركيا خسرانه لارتباطاتها به جغرافياً واقتصادياً.
مع الموقف التركي الواضح الذي بدا متشدداً جداً تجاه الثورة السورية، خاصة لجهة المطالبة بتنحية الرئيس بشار الأسد، كان عدد من المتابعين يتوقعون وقوع اشتباك بين تركيا وإيران، حيث كانت الأخيرة، وما زالت، على النقيض من الرؤية التركية داعمة للنظام السوري الرسمي، وحامية لرأسه بشكل جعلها تلعب الدور الرئيس في حمايته من السقوط. لكن ذلك الاشتباك لم يحدث، كما لم يحدث أن ربطت تركيا موقفها المبدئي من المسألة السورية بعلاقتها بإيران، وإن كانت تطلق بين الحين والآخر تصريحات انتقادية لها. لكن الزيارات، على سبيل المثال، لم تنقطع وكذلك مسار العلاقات الاقتصادية التي تعود بالفائدة على البلدين.
التشدد الإيراني كان الاختبار الأصعب للدبلوماسية التركية، ففي حين استطاع الأتراك لحد كبير احتواء الطرف الثالث، الروس، وإقناعهم بأن مساعي إبقاء الرئيس الأسد على سدة الحكم هي مساع عبثية وغير واقعية، ما جعلهم يبدون بعض التراخي في ذلك، كما ظهر في مباحثات أستانة وما بعدها، في الوقت ذاته بدا الطرف الإيراني مهووساً بفكرة إبقاء الحال كما هي عليه، وإرجاع الساعة إلى الوراء وتناسي كل ما مر عبر إجبار الشعب السوري، ليس فقط على الرضوخ من جديد لحكم الأسد، ولكن أيضاً على القبول بإيران كجزء من خريطة سوريا المستقبل، عبر القبول بإجراءاتها للإحلال والإبدال السكاني من جهة وغيرها من القوانين التي تم تمريرها في سنوات الغياب الشعبي، والتي تكرّس لمواطنة الآلاف من الإيرانيين الشيعة وعائلاتهم وتمنح جمهورية الولي الفقيه حقوقاً اقتصادية مكتسبة «تقديراً لجهودها في دعم سوريا».
كل ذلك كان يوجب على الأتراك إرسال رسائل للتعبير عن استيائهم من المنطق الإيراني، وقد ظهر ذلك في عدة مواقف متتالية، كان من أبرزها تصريح الرئيس التركي المشار إليه، كما كان منها أيضاً تحدث وزير الخارجية التركي باسهاب عن موقفه من إيران، خلال مؤتمر ميونيخ الأمني الأخير، حيث عبر بوضوح عن الموقف الخليجي العام الذي يرى في جمهورية الولي الفقيه تهديداً لأمن واستقرار المنطقة، وأن طموحاتها مستندة إلى سياسة طائفية، بل ذهب لأبعد من ذلك موضحاً أن «سياسة إيران الطائفية تقوّض ــ للأسف ــ السلام في عدد من الدول الإقليمية؛ مثل البحرين والسعودية، وعدد آخر من بلدان الخليج. إيران تسعى أيضاً إلى تحويل سوريا والعراق إلى دولتين شيعيتين، وهذا أمر خطير للغاية، ولذلك نحن بحاجة إلى أن نحث إيران على التوقّف عن هذا الطموح الذي يمس بالاستقرار والأمن».
بدا الضيق واضحاً على الجانب الإيراني الذي كان يشارك في هذه الاجتماعات، تم التعبير عن هذا الضيق باستدعاء السفير التركي في طهران. وفي الواقع فإن التصريحات التركية جاءت في وقت كانت فيه إيران تحس بالاستهداف من قبل الرئيس الأمريكي، الذي بدا غير متحمس للتعاون معها كسابقه، الذي قال إنه سيعيدها إلى حجمها الطبيعي، كما جاءت في وقت تراجع فيه دورها في سوريا وقدرتها على تحقيق إنجاز فارق لصالح دور متعاظم لروسيا وتركيا، حتى أن البعض ذهب لإمكانية أن تدخل كل من روسيا وتركيا في شراكة وتوافق تكون إحدى نتائجه إخراج الإيرانيين من المعادلة بشكل كامل.
هل يؤدي كل ذلك لتوتر العلاقة بين الجانبين التركي والإيراني؟ برأيي فإن فك الارتباط بين أنقرة وطهران ليس على ذلك النحو من السهولة، رغم ما يوحي به التلاسن المتزايد بين الجانبين. بشكل عام لا تبدو تركيا في سياستها الخارجية مستعدة لخلق عداوات جادة حتى مع الأطراف التي تنافسها، بل تحاربها أحياناً. رأينا على سبيل المثال كيف استطاع الأتراك تسوية الأزمة السياسية مع الروس العام الماضي والانتقال بالعلاقة إلى بعد آخر أكثر ثباتاً، لدرجة أثارت حفيظة وغيرة أطراف إقليمية أخرى على رأسها إيران.
ما يبدو واضحاً بالنسبة لحكومة العدالة والتنمية هو أن خسارة أي طرف إقليمي لا يمكن أن يكون في صالح تركيا، ولذلك فقد لجأوا إلى ضبط النفس مع روسيا، والتعامل بحكمة لم يقبلها البعض ووصفوها في حينها بالتنازل، وكذلك الحال مع إيران التي ترسخ الاهتمام بها كبديل عن العلاقة التي أضحت أكثر بروداً مع موسكو. ورغم أن العلاقة الآن تعتبر جيدة مع الروس، إلا أن التطورات غير مأمونة ومن الحكمة، بحسب متخذي القرار الأتراك، الحفاظ على علاقة جيدة مع الإيرانيين أيضاً، بل إن قادة حزب العدالة والتنمية ذهبوا إلى ما هو أبعد عن ذلك معبّرين عن وجهة النظر التي تقول إن المحافظة على علاقة جيدة مع الكيان الصهيوني تقود لنتائج أفضل على صعيد المصلحة الوطنية التركية والفلسطينية على السواء.
أما بالنسبة للعلاقة مع إيران، فإن الأمر يبدو أكثر حيوية، حيث أن التوتر معها سوف يعني فيما يعنيه انقطاع مصدر مهم للطاقة والغاز الطبيعي، كما سيعني خسارة ملايين الدولارات من الاستثمارات وحركة التجارة بين البلدين وخسارة سوق يحوي ثمانين مليون نسمة أو أكثر.
التوتر يعني أن تستغل طهران ذلك لاستهداف أنقرة، عبر تفعيل الخلايا الشيعية المنتشرة على طول البلاد وعرضها. كما سيعمل الملالي بجد على تصوير الحكومة التركية كمعادية للطائفة الشيعية، وهو ما سيقدح في مساواتها بين شرائح الشعب وعلمانيتها، وهي التهمة التي قد تتلقفها المعارضة وقد تؤدي إلى تحديات داخلية جديدة لا تبدو الدولة التركية التي تحارب على أكثر من جبهة مستعدة لها.
البراغماتية التركية تعي ذلك جيداً وهو ما يجعلها لا تأبه بقارعي طبول الحرب من إعلاميين ومتشددين، وهم الذين، لو كانت استمتعت لنصائحهم وخطاباتهم إبان الأزمة مع روسيا، خاصة ذلك الخطاب الذي كان يقرأ الأزمة، على أساس أنها حملة صليبية ضد جيش مسلم، لو كانت استمعت لكل ذلك لما كانت استطاعت اليوم الوصول إلى هذه التفاهمات المتقدمة مع الجانب الروسي.
قد يكون هذا المقال مفيداً لفهم التحركات التركية، ولعله يساهم في وضع بعض الأزمات كالأزمة الدبلوماسية الحالية بين أنقرة وأمستردام في حجمها الطبيعي دون مبالغة أو تهويل.
كاتب سوداني

تركيا وإيران: التوتر في ظل البراغماتية

د. مدى الفاتح

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left