الصوفية في العراق: جدل الدين والسياسة

صادق الطائي

Mar 15, 2017

ينظر الكثير من الباحثين ومراكز الأبحاث والاكاديميات اليوم الى الاسلام الصوفي باعتباره الفضاء الاكثر انفتاحا للتدين الاسلامي، ويتم تقديمه كإسلام معتدل يتقبل الآخر ويدخل معه في حوار بناء غايته نشر قيم الخير والاعتدال مقابل الاسلام السلفي، وتحديدا النهج الوهابي المتبني للفكر الجهادي، باعتباره سلوكا تكفيريا قائما على معاداة المختلف، واستباحة دمه وعرضه وماله، حيث انصب التركيز بشكل خاص على تجليات هذا الفكر العملية التي تبلورت في تنظيمات «القاعدة» و»داعش» وما يماثلهما.
لكن يجب ان نواجه سؤالا؛ هل كان هذا حال التصوف تاريخيا؟ وهل هنالك نماذج للتصوف لم يتم تسليط الضوء عليها؟
كما هو معلوم تاريخيا ان التصوف عراقي المنشأ، وكما قال احد المؤرخين انك لاتجد مدينة عراقية تخلو من مرقد أو مقام احد مشاهير التصوف في العالم الاسلامي، من اقصى شمال العراق حتى حدود البصرة على حافة صحراء شبه الجزيرة العربية، كما ان الاقطاب المؤسسين للتصوف كانوا عراقيين، أو عاشوا وسلكوا طرق التصوف في العراق، مثل الاقطاب الاشهر كالشيخ عبد القادر الكيلاني محور الطريقة القادرية، أو الجيلانية وتفرعاتها الكثيرة في العالم الاسلامي، والشيخ احمد الرفاعي مؤسس الطريقة الرفاعية، وكذلك اقطاب الصوفية الاخرين مثل رابعة العدوية والسري السقطي والحلاج والسهروردي والجنيد البغدادي والشيخ معروف الكرخي وغيرهم.
وحتى الطرق الصوفية التي لم تكن عراقية الاصل سرعان ما دخلت العراق وحققت انتشارا ملحوظا فيه مثل الطريقة القزلباشية والطريقة المولوية، واخيرا الطريقة النقشبندية التي تعتبر اخر طرق التصوف التي دخلت الى العراق في بداية القرن التاسع عشر على يد الشيخ الكردي مولانا خالد النقشبندي.
إن اشتباك التصوف مع السياسة في المشرق العربي مختلف عما هو عليه في المغرب العربي، حيث لعبت الطرق الصوفية دورا واضحا في الفضاء السياسي في القرن التاسع عشر في المغرب العربي، عبر انخراطها في مقاومة الغزو الاوروبي، مثل الامير عبد القادر الجزائري الذي كان منتهجا الطريقة القادرية في الجزائر، كذلك الامير عبد الكريم الخطابي في مراكش والسنوسيين في ليبيا والسيد ماء العينين، الذي تزعم حركة المقاومة في موريتانيا ضد الفرنسيين والحركة المهدية في السودان.
وربما كان سبب ذلك هو سطوة وانتشار الاسلام الصوفي ابان حقبة الحكم العثماني، حيث كان يمثل الشكل الاكثر انتشارا والمدعوم عثمانيا، وبالتالي فعندما تعرض المغرب العربي لمواجهات الغرب الكولنيالي كان المتصدي لذلك لزوما هو الاسلام الصوفي. بالمقابل لم يشهد المشرق العربي مثل هذه التحديات إلا بشكل محدود، وفي مناطق لم يكن فيها نفوذ العثمانيين واضحا، مثل اليمن التي كانت شبه مستقلة تحت حكم الائمة الزيديين وسواحل الخليج المحكومة بمشيخات قبلية متناحرة والخالية من مظاهر تدين واضحة، حينها سوى تأثير المذهب الوهابي الذي يحارب الصوفية ويعاديها.
أما في العراق الحديث فيمكننا ملاحظة وجود ثلاث طرق صوفية مع تفرعاتها بشكل رئيس، وهي الطريقة القادرية او الكيلانية، والطريقة الرفاعية والطريقة النقشبندية. إن تأثير الاسلاميين بكل اطيافهم كان قيد التواري والاضمحلال مع تشكل الدولة الحديثة في ظل المملكة العراقية ومنهجيتها في تبني قيم الحداثة، وبذلك تراجع دور الاسلاميين وبضمنهم الصوفيون في العراق، وأصبح فضاؤهم محددا في مدارسهم وزواياهم وتكاياهم المنتشرة في العراق، كما كان اهتمامهم منصبا على تعليم وتنمية السلوك الديني لدى مريديهم، ولم يظهر نشاطهم المجتمعي بشكل واضح الا في ثمانينيات القرن العشرين، مع صعود نجم عزت الدوري، الرجل الثاني في الدولة الذي تأثر بتربيته الدينية الصوفية، والذي كان رغم كونه قياديا في حزب البعث العلماني، قريبا من الطرق الصوفية وراعيا لها، وقد ظهر تمدد ونمو الصوفية في العراق بشكل اكثر تجليا ابان الحملة الايمانية التي اطلقها النظام عام 1993، حيث شهدت ازدهارا للتكايا والمدارس والمعاهد الصوفية في عدد من مدن العراق مثل بغداد والفلوجة والرمادي وديالى والموصل.
مع الاحتلال الامريكي الذي اطاح نظام صدام حسين ظهر تنوع في نشاط التيارات الصوفية في المشهد السياسي في العراق، فمثلا الطريقة الكسنزانية وهي إحدى فروع الطريقة القادرية التي كانت تحظى قبيل الاحتلال الامريكي بشعبية كبيرة ودعم من نائب الرئيس عزت الدوري، وكان لشيخها محمد عبد الكريم الكسنزاني مكانة واضحة يدل عليها انتشار تكايا طريقته في العراق، إلا ان رجالها وشيوخها لعبوا دورا ملتبسا سياسيا في هذه الحقبة، حيث كتبت جريدة «المدى» عام 2004 ان بحوزتها وثائق حصلت عليها من جهاز مخابرات النظام السابق، الذي تعرضت مبانيه للنهب مع سقوط النظام، وهذه الوثائق تتضمن مخاطبات بين أكبر مسؤولي الجهاز وعائلة رئيس الطريقة الكسنزانية، وهنالك تقارير ورسائل ومعلومات أخرى صادرة إلى دوائر الجهاز وواردة إليه حول أفراد عائلة الشيخ محمد عبد الكريم الكسنزاني، وبينهم نهرو وغاندي وملاص أولاد محمد عبد الكريم وشقيقاه آزر حسين الكسنزاني وابنه د. قلندار حسين، تفضح هذه الوثائق «الخدمات المشينة» كما وصفتها الجريدة التي قدمها هؤلاء لجهاز المخابرات ضد أبناء شعبهم من الكرد والعرب. والغريب أن هذه الوثائق وقد أرخت إحداها في 8/ 3/ 2003 تشير إلى استمرار «العلاقة المخزية» بذلك الجهاز حتى لحظاته الأخيرة. وفي وقت مقارب، اي عام 2004 ذكر زعيم المؤتمر الوطني العراقي السياسي الراحل احمد الجلبي، في مقابلة له مع جريدة «الحياة» اللندنية تفاصيل العمل على اسقاط النظام، حيث قال، في يوليو 2002 جاء فريق من (CIA) الى كردستان ومعه كمية من المال، واتصلوا بجماعة صوفية، برئاسة الشيخ محمد عبدالكريم الكسنزاني المعروفين بعلاقتهم بعزت الدوري، الفريق اتصل بابني الشيخ وقالوا إنهما يعرفان ضابطاً في حرس صدام الخاص هو روكان التكريتي، وصارا يقدمان المعلومات المستقاة من مصادرهما المهمة للامريكان عن طريق هاتف ثريا زودهما به الامريكان، وفعلا تم القاء القبض على بعض رجال الطريقة الكسنزانية قبيل سقوط النظام، وتم اعدامهم بتهمة التجسس للامريكان، ما جعل نهرو وغاندي عبد الكريم ولدي شيخ الطريقة الكسنزانية يحظيان بنفوذ كبير بعيد اسقاط النظام، باعتبارهما من المناضلين السابقين، حيث دخلا مجال العمل السياسي والاعلامي بقوة وتأثير.
اما الفصيل الصوفي الاكثر ظهورا سياسيا في عراق ما بعد صدام فكان فصيل (جيش الطريقة النقشبندية) المشارك بوضوح في التمرد السني، وهو فصيل يدعي الانتماء الى الطريقة النقشبندية الصوفية، الا انه انضوى تحت ما عرف بالقيادة العليا للتحرير والجهاد، التي يقودها عزت الدوري الذي اعتبره جيش النقشبندية شيخهم وطاعته واجبة على الجميع، ما خلق خلطة غريبة من الفكر القومي والبعثي والسني والصوفي والجهادي، ويعتبره المراقبون الذراع العسكرية لحزب البعث المنحل جناح الدوري.
برز هذا الفصيل في الساحة العراقية بعد اعدام صدام حسين في ديسمبر 2006 ومر بفترات شد وجذب، حيث قاتل ضد تنظيم «القاعدة» ثم ما لبث ان تحالف معه. كذلك كان موقف جيش الطريقة النقشبندية من «داعش»، حيث مرت علاقتهما بفترات صراع وهدنة كان اخرها ما اعلنه الدوري في شريط صوتي مسجل له بعد ايام من سيطرة «داعش» على الموصل في يونيو 2014، حيث ذكر «إن أبطال وفرسان القاعدة والدولة الإسلامية لهم مني تحية خاصة ملؤها الاعتزاز والتقدير» وكان يأمل في مشاركة «داعش» في الانجازات التي حققها على الارض، لكن سرعان ما نشب الخلاف بين الاثنين وتحول الى حرب دامية بينهما.
كذلك كان لشيوخ التصوف دور محوري في تأسيس هيئة علماء المسلمين التي تشكلت بعد سقوط النظام في منتصف ابريل 2003 التي طرحت نفسها مرجعية شاملة لسنة العراق، جمعت كل الطيف السني من سلفية وصوفية واخوان مسلمين وغيرهم، وكان الشيخ الدكتور فيضي الفيضي الصوفي الموصلي احد مؤسسي الهيئة، وبعد اغتياله عام 2004 في الموصل تبوء اخوه الدكتور محمد بشار الفيضي منصب الناطق الرسمي باسم هيئة علماء المسلمين بقيادة الشيخ حارث الضاري.
وتماهت مواقف هيئة علماء المسلمين الرافضة للعملية السياسية مع مواقف فصائل مسلحة، مثل كتائب ثورة العشرين وسرايا التوحيد والجهاد وغيرها من الفصائل السنية المسلحة التي كان بعضها ذا صبغة صوفية مثل سرايا عبد القادر الكيلاني، واشتركت هذه الفصائل في الاقتتال الطائفي الذي نشب عام 2006، فهل يعني ذلك ان التصوف العراقي ما عاد ذلك الفضاء المتسامح الذي يوفر حلولا ذاتية للمؤمن تقربه من الاخر، واصبح جزءا من الداء العراقي وسمته الابرز التشظي؟
كاتب عراقي

الصوفية في العراق: جدل الدين والسياسة

صادق الطائي

- -

2 تعليقات

  1. انا عراقي اولا وكردي مسلم ثانيا اشكر الكاتب المفكر للسرد التاريخي المهم للطريقة الصوفيه،وكن كوني عراقي أودّ ان اذكر للساده والسيدات قراء المقال من غير العراقيين ان السيد المفكر في بداية مقاله طرح مختصر عن الفكر الوهابي التكفيري وتناسى المد الشيعي الإيراني الذي يوازي او يفوق على الوهابي من خلال الأحزاب الشيعيه العراقيه وميليشياتها التي تفوق الستين ميلشيا مسلحة.
    وأخيرا للتذكير اذ ايضا تناسى الكاتب المفكر ان العراق خضع للاحتلال الامريكي منذ عام 2003 وكانت هناك (مقاومة) لهذا الاحتلال من كل اطياف الشعب العراقي سنه شيعه أكراد عرب تركمان مسيحيين ومسلمين بينما يسمي الكاتب المفكر التمرد السني.
    وشكرا

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left