الغوغاء يحكمون العالم

باسل أبو حمدة

Mar 16, 2017

«أنتم ترون ما الذي يحدث»، قال دونالد ترامب في الثامن عشر من فبراير الماضي أمام الآلاف من أنصاره في اجتماع حاشد في ولاية فلوريدا. «علينا أن نحافظ على سلامة بلادنا. أنتم ترون ما حدث في ألمانيا، وما حدث الليلة الماضية في السويد». ولكن ما من شيء كان قد حدث في السويد تلك الليلة. وبذلك عاد الرئيس الأمريكي ليكذب مرة أخرى في فصل جديد من فصول ما بات يعرف بعصر ما بعد الحقيقة.
وعلى الرغم من الفضيحة عبر المحيط الأطلسي وانتشار السخريات والنكات على شبكات التواصل الاجتماعي، لم يحدث أي شيء على مستوى ردود الأفعال والمواقف المؤثرة، بينما تجلت حقيقة بشعة متمادية ومتطاولة، تشي بأن الكذب لم يعد عاملا من شأنه أن يقلص من رأس المال السياسي ورصيد السياسيين على المستوى الجماهيري، أو على الأقل هذا ما كشفت عنه دراسة نشرتها الجمعية الملكية البريطانية المرموقة، تدلل بشكل قاطع على أن مسألة الدقة والمصداقية والنزاهة لم تعد شرطا لدعم مرشح سياسي أو برنامج انتخابي.
الدراسة التي جاءت تحت عنوان «معالجة التضليل السياسي.. ظاهرة ترامب نموذجا»، تبحث في تأثير التضليل السياسي على الرأي العام، في محاولة لإلقاء بعض الضوء على نجاح رجل الأعمال الأمريكي وتحوله إلى سياسي ورئيس أقوى دولة على ظهر البسيطة. في تجربتين شملتا المئات من المشاركين، قيس فيهما انعكاس أكاذيب رجل الأعمال القطب بين أتباعه وبين خصومه على حد سواء، بينما تشير النتائج إلى أن السياسيين يمكن أن ينشروا معلومات خاطئة من دون خسارة مؤيدين.
ترامب ليس السياسي الأول أو الوحيد الذي يكذب، هناك أمثلة أقرب بكثير جغرافيا، لكنه مثال نموذجي لهذه العينة من المشتغلين في ميدان الشأن العام. لذلك، اختاره الباحثون موضوعا للدراسة، في تحقيق أجري خلال حملة الانتخابات التمهيدية للجمهوريين أواخر 2015، حيث أخضع الباحثون المشاركين في الدراسة لتجربتين. في الأولى، فحصوا مدى اعتبار المعلومات ذات مصداقية، علما أن تلك المعلومات كانت صحيحة أحيانا وكاذبة في أحيان أخرى، وفقا للمصدر.المشاركون وعددهم 1776، مقسمون بين ديمقراطيين وجمهوريين من أنصار ترامب وجمهوريين غير حزبيين، وكان عليهم تحديد درجة المصداقية التي يمنحونها لعبارات معينة بعضها منسوب لرجل الأعمال والبعض الآخر لا. في التجربة الثانية، كان الأمر يتعلق في التحقق من مدى التأثير على مصداقية المصدر، إثر معرفة المشاركين حقيقة أو زيف المعلومات. في هذه الحالة، شارك 960 شخصا.
وكشفت التجربتان أنه إذا كانت المعلومات تعزى لدونالد ترامب، فان أنصاره يمنحونه مصداقية أكثر مما لو لم تنسب تلك المعلومات إلى أي شخص محدد. على عكس ما حدث مع الديمقراطيين والجمهوريين غير المحزبين. ولكن الشيء المثير للاهتمام هو أنه بمجرد أن يواجهوا بشرح محايد وموضوعي حول الأسباب الكامنة وراء حقيقة استخدام تصريحات زائفة لترامب في الاختبار، فإن أنصاره كانوا يصححون وجهة نظرهم، ولكن ليس نيتهم في التصويت له ولا مشاعرهم تجاه السياسي الكاذب. ولذلك، خلص الباحثون إلى نتيجة مفادها أن التبعات السلبية بالنسبة لسياسي ينشر الأكاذيب تبدو محدودة وتشير إلى أن الناخبين يستخدمون الشخصيات السياسية كدليل لتحديد ما يمكن أن يكون صحيحا أو خاطئا، ولكنهم لا يصرون بالضرورة على الحقيقة كشرط أساسي لدعم المرشحين السياسيين.
ويحذر الباحثون من أنه على الرغم من فهم شعبية دونالد ترامب، وعلى الرغم من أنه يكذب عمدا، إلا أنه يبقى حالة مثيرة للاهتمام لدراسة السياسة الأمريكية، حيث لا نستطيع أن نتحدث فقط عن «ظاهرة ترامب»، ذلك أن التضليل أصبح سلاحا شائعا في الساحة السياسية في أي بلد، لاسيما وأن الناخبين من الخيارات السياسية الأخرى لديهم سلوكيات مماثلة. ولذلك، فإن الدراسة تشير إلى أنه يبدو من الممكن جذب الناخبين عن طريق الغوغائية أكثر من استمالتهم من خلال حجج قائمة على المنطق والحقائق.
هي الغوغائية، إذن، أو العقلية الشعبوية التي لم تعد سائدة، على ما يبدو، في المستوى العامودي للبنى الفوقية للمجتمع وفي دهاليز الأنظمة والأحزاب السياسية فحسب، بل راحت تتوسع في مستوى أفقي مواز بات ينخر في عضد الفئات الاجتماعية كافة، ويعطيها مسطرة جديدة لقياس مواقفها وإصدار أحكامها وصولا إلى لحظة اصطفافاتها السياسية والفكرية، التي ما من شك أنها خلعت عباءة مقولات لطالما شكلت محور الفرز الاجتماعي، بحيث لم يعد من الممكن، من وجهة نظر الغوغاء، الادعاء بحقيقة الفرز الطبقي في المجتمعات، على سبيل المثال، أو حقيقة الصراع القائم، بين من يملك ومن لا يملك، وبين النظم المستبدة والنظم الديمقراطية، وبين الاستعمار والشعوب المكتوية بناره، وبين العدالة الاجتماعية والظلم الاجتماعي، في مشهد ينبذ مفاهيم التاريخ السياسي المعاصر برمته ليدخل من ثقب فكرة تفوح منها رائحة نزوع فاشي عظيم ينبذ الآخر، أي آخر بغض النظر عن لونه أو عرقه أو دينه، وكأن لسان حاله يقول: أنا أولا، أو أنا الوحيد ومن بعدي الطوفان وليذهب الآخرون إلى الجحيم.
وهو كذلك تكثيف لحالة من التضليل السياسي الذي باتت ممارسته أمرا طبيعا في الحملات الانتخابية والتحركات السياسية، وفي مختلف وسائل الإعلام التي لا تزال صامدة بفضل مموليها، ممن يحصدون ثمار هذا النهج السياسي والفكري الديماغوجي، معتمدين على أسلوب خلط الأوراق المجتمعية والسياسية، بغية حرف أنظار جمهور المتلقين عن مساراتها الحقيقية، وبالتالي حرف وجهة التطور والتغيير والارتقاء بالنظم الاجتماعية السياسية، وابقائها حبيسة، أوحال مصالح فئات اجتماعية ضيقة بعينها على حساب الحشود من الفئات الأخرى السائرة باتجاه حفر قبورها بأيديها، من خلال تبني مقولات منحرفة وغريبة عن واقعها وطموحاتها، ولا تلبي مصالحها وتدك معاقل بناها التنظيمية وتشل أدواتها الكفاحية وتضعها في خدمة خصومها وأعدائها الحقيقيين.
حدث ذلك ويحدث بصورة متواترة في سائر بلدان العالم، لكن تبقى التجارب السياسية في عالمنا العربي رائدة في هذا الميدان، مع خصائص فريدة يصعب إيجاد نظائر لها حول العالم، حيث تختزل العلاقات الاجتماعية – السياسية في وحل عقلية القبيلة مستنقعة في آليات عمل سياسي وفكري عقيم ينتمي في الجوهر إلى مرحلة ما قبل الدولة المدنية بعقدها الاجتماعي القائم على المشاركة المجتمعية، وضمان حرية الفرد، لكن بأدوات وتكنولوجيا عصرية، ما يفضي إلى مشهد يعد التضليل والغوغائية فيه تفصيلا صغيرا في هشيم منظومة الفساد والاستبداد.
كاتب فلسطيني

الغوغاء يحكمون العالم

باسل أبو حمدة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left