خرافة الكيانات العابرة للهويات الفرعية

يحيى الكبيسي

Mar 16, 2017

مرة أخرى يزداد الصخب في العراق حول ضرورة تشكيل كيانات سياسية «وطنية»، وانا استعمل مصطلح «الوطنية» هنا توصيفا للكيانات العابرة للهويات الفرعية/ الولاءات الاولية، وليس بوصفها حكم قيمة، اعتاد العراقيون ترديده منذ العام 1921، دون ان يحيل على محتوى محدد، او مفهوم متفق عليه. خاصة وأن الهوية «الوطنية» التي أنتجتها الدولة العراقية المهيمن عليها سنيا قبل 2003، ظلت هوية ذات سردية بحمولة سنية، أكثر منها هوية «وطنية» متفقا عليها بين العراقيين جميعا.
وسبق لهذا الصخب ان تردد بقوة قبيل انتخابات عام 2010، حين اعتمدت الأحزاب والكيانات السياسية العراقية، مع استثناءات نادرة، تسييس الهوية الإثنية والمذهبية، مع كل ما نجم عن ذلك من تكريس لحضور الطائفة وسيطا بين المواطن والدولة، وتكريس للسرديات الخاصة بكل جماعة من هذه الجماعات في استراتيجيتها المعلنة ضمن الصراع على السلطة، وأيضا من خلال «تطييف» الوظائف العامة في الدولة على اساس العلاقات الطائفية التي اصبحت شرطا رئيسيا لتقاسم المناصب العليا في الدولة.
لكن النتائج التي تحققت حينها، أثبتت أن دعاية «الوطنية» لم تنتج واقعا انتخابيا مختلفا! فقد حصدت الأحزاب والكيانات السياسية الرئيسية، التي بنيت أساسا على الطائفية السياسية، الكم الاكبر من الأصوات والمقاعد، ولم تتمكن أي من الشخصيات او الاحزاب التي أمنت هذا الشكل «الوطني» المفترض، عبر تحالفاتها، من الحصول على أصوات حقيقية!
لقد قامت الجماعات السياسية الرئيسية في العراق المهيمنة على المشهد السياسي منذ نيسان 2003، منذ نشأتها، على مقولات طائفية بوصفها مقولة سياسية، ومن ثم فهي بطبيعتها أحزاب «طائفية»، أي أنها لا يمكن إلا أن تكون أحزابا كردية أو شيعية أو سنية.. فقد تأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني على المقولة «القومية»، ولم يكن الخلاف اللاحق بين المؤسسين، الذي أنتج حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، سوى صراع حكمته العوامل السوسيو- ثقافية المرتبطة بالانقسام السوراني ـ البهديناني، أكثر منه صراعا حول المقولة القومية التي تمسك بها المنشقون أيضا. ولم تكن المقولات الأيديولوجية التي سيقت لتسويغ هذا الانشقاق سوى تمويهات على هذه الحقيقة. وتأسس حزب الدعوة الإسلامية منذ الاجتماع التأسيسي الأول على مقولة «الهوية المذهبية»، وكان الخلافان الرئيسيان بين المؤسسين في هذا الاجتماع هما: طبيعة الحزب وهويته، هل هي وطنية: بمعنى عابرة للهوية المذهبية، أم العكس، والخلاف الثاني كان حول العلاقة مع إيران. وقد انتهى المجتمعون إلى التأكيد على الهوية المذهبية للحزب، وهو خلاف تكرر مرة ثانية في العام 1963، عندما تسلم محمد هادي السبيتي، وهو لبناني وكان عضوا في حزب التحرير، الموقع الأول للحزب «فقد كان السبيتي يدعو إلى اللامذهبية في فكر الدعوة بينما كانت أطراف أخرى في الحزب تؤكد على الهوية العقيدية والفكرية الشيعية للحزب». أما المجلس الأعلى، الذي تشكل في بدايته بوصفه تجمعا للقوى «الشيعية» المعارضة، فقد ظل محكوما بلحظة التأسيس هذه، وظلت الهوية «الشيعية» تطغى على كل ما عداها. ونشأ التيار الصدري، الذي تشكل تنظيميا بعد العام 2003، معتمدا على الحراك الاجتماعي الذي أنتجه السيد محمد الصدر في التسعينيات، فان المقولة «الشيعية» كانت عموده الرئيس، ليس فقط بسبب طبيعة النشأة التاريخية لهذا التيار في التسعينيات، وإنما أيضا بسبب طبيعة الصراع الذي استحكم بعد 2003.
ولم يقف الأمر عند حدود التنظيمات السياسية، فقد تشكلت مقولات تنظيرية ل «الهوية السياسية الشيعية» من خلال المنفيين، سواء في إيران، أو في المنافي الأخرى، بخاصة بعد العام 1991؛ إذ قام هؤلاء بدور مركزي في صياغة هذه الهوية، والتنظير لها في كتابات مثل: «الشيعة والدولة القومية» لحسن العلوي (البعثي السابق)، و «مشكلة الحكم في العراق» لعبد الكريم الأزري (العضو السابق في الحزب الوطني الديمقراطي الليبرالي)، وربما كان صدور «إعلان شيعة العراق» عام 2002، تتويجا لهذا التوجه. فمع هذه الكتابات ظهر خطاب هوية ذو رؤية سياسية تتعلق بالتمييز الذي مارسته الدولة العراقية منذ تأسيسها عام 1921 ضد «الشيعة»، وبضرورة إعادة توزيع السلطة فيما يتعلق بطبيعة الحكم في العراق.
أما الأطراف السنية، جميعها بلا استثناء، فقد تأسست بداية على مقولة الهوية «السنية»، وإذا كان الحزب الإسلامي لم يفكر في لحظة التأسيس (1960) بهذه المسألة بسبب كون الدولة السنية في الاساس، فانه اعتمد هذه المقولة بعد نيسان 2003 بشكل عملي.
وهنا لا بد من التنبيه إلى أن المقولة الطائفية ليست حكرا على الأحزاب الدينية، فهي مقولة أيديولوجية/ هوياتية يمكن أن تجد حاضنتها في أحزاب علمانية أيضا، كما وجدناها في الحالة اللبنانية، عندما أسس العلمانيون النظام الطائفي قبل دخول احزاب الإسلام السياسي على المشهد! وقد وقعت الجماعات السياسية العلمانية/ الليبرالية العراقية في المأزق ذاته، فوجدنا بعضها ينسف تاريخه الوطني العابر للولاءات الأولية بقبول الدخول في مجلس الحكم تحت عنوان طائفي محدد (حميد مجيد موسى/الحزب الشيوعي العراقي بوصفه شيعيا، نصير الجادرجي وريث الحزب الوطني الديمقراطي بوصفه سنيا)، والبعض الآخر ذو التاريخ الليبرالي المفترض قبل نيسان 2003 ينحى المنحى نفسه ليقبل بالمنطق ذاته (أياد علاوي/حركة الوفاق، أحمد الجلبي/ المؤتمر العراقي). وكان تأسيس الأخير للبيت الشيعي تعبيرا رمزيا عن هذا المأزق.
أما بالنسبة للجماعات التي تأسست في الداخل بعد 2003، فقد اعتمدت بالكامل تقريبا على المقولة الطائفية في بنيتها.
لسنا هنا بإزاء خلافات سياسية، بين كيانات مرتبطة بالايديولوجيا أو ببرامج العمل في حال الوصول إلى السلطة، وإنما بإزاء خلافات أكثر عمقا تعكس انقسام الذاكرة، وانقسام الرؤى، بين كيانات سياسية تستمد وجودها وديمومتها من الولاءات الأولية، وربما استطاعت احتكار تمثيلها. ومن ثم بإزاء هويات سياسية يراد لها أن تعكس المطالب الأثنية والمذهبية، بل وحتى التاريخية والشخصية!
ان هذا الانقسام الهوياتي يعكس ثلاث رؤى متقاطعة بشكل يكاد يكون كاملا حول ثلاث قضايا أساسية: الموقف من إرث الدولة العراقية الحديثة منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، إلى لحظة سقوطها المدوي في العام 2003 (يشمل ذلك الموقف من هوية الدولة، والجيش، وحزب البعث..الخ)؛ ورؤية كل منهم للنظام السياسي الذي يمكن ان يحكم العراق (بين الشراكة في السلطة التي يدعو لها السنة، واحتكار السلطة تحت عنوان الاغلبية الديمغرافية الذي يطرحه الشيعة، والكونفدرالية الفعلية التي يمارسها الكرد)؛ وأخيرا رؤية كل منهم لمستقبل الدولة العراقية (بضمنها الميليشيات التي ينظر اليها الفاعل السياسي الشيعي كأداة عقائدية لفرض هيمنته على الدولة، والتي ينظر اليها السنة بوصفها محاولة لفرض هوية احادية على الدولة).
ومن ثم فان الصخب الحالي ليس بامكانه تجاوز هذه الحقائق كلها، ومن ثملا يمكن الحديث عن كتل سياسية عابرة للهويات الفرعية/ الولاءات الاولية بشكل حقيقي، وان كنا نرى اليوم تدافعا، تحديدا من فرسان الطائفية وحملة لوائها طوال السنوات الماضية، لانتاج كتل «مدنية»، ليس لها من مدنيتها سوى الإسم! لخوض سباق الانتخابات المقبلة، في محاولة مفضوحة للتحايل على بناهم الطائفية.
فما هو مطروح اليوم هو الجمع بين كتل ذات هويات طائفية مختلفة في إطار تحالف «وطني»! وهذا يعني أن ثمة معادلة غير منطقية بشكل مطلق يراد تسويقها مفادها: (طائفي + طائفي+ طائفي = عبر طائفي)! من دون أي اعتراف بطبيعة الانقسام المجتمعي الحاد في عراق اليوم، ومن دون أي اعتبار لطبيعة الصراع السياسي/ الهوياتي على السلطة!

٭ كاتب عراقي

خرافة الكيانات العابرة للهويات الفرعية

يحيى الكبيسي

- -

2 تعليقات

  1. حضرة السيد الكبيسي المحترم
    اي مواطن عراقي يجب ان يكون واحد من هذه التشكيلات: سني،شيعي،كردي
    ولا يمكن ان يكون مثلا سنيا و شيعيا في نفس الوقت ،او عربيا و كرديا في نفس المواطن
    اذا هو اختلاف المواطن عن غيره هو في انتمائه الطائفي و القومي ، و هناك قاسم مشترك في كل طائفه تجعل جميع الطائفه منسجمه فيما بينهم عليها ، و يشعرون بتقارب بينهم ،ذلك يسهل تشكيل حزب تابع لتلك الطائفه
    نحن متفقون هم جميعهم عراقيون ولكن نظرة كل طائفه الى مشاكل العراق و طريقه حلها تختلف من طائفه الى اخرى
    السير نحو عراق واحد لا يمر بطريق واحد! بل لكل طائفه طريقتها ووجهتها في تحقيق الهدف
    حتى لو كان اختلاف بين افراد الطائفه الواحدة فهو قليل بالنسبه الى القاسم المشترك الاعظم بينهم
    نحن نرى ان الانتماء الديني و القومي هو في قمه الهرم في اهتمام المواطن ، و اول شئ يسأل المواطن عراقي مواطن عراقب اخر هو : هل انت سني ام شيعي ام كردي ؟
    شكرا لك

  2. العراقيون قبل ١٩٩٠ يعتز كل منهم بطائفته وبعراقيته ولا ادري كيف كانوا يقيمون علاقات الود والمصاهرة بينهم رغم اعتزاز كل منهم بهويته ؟
    ولكن تاكيد الغرب وأمريكا وبريطانيا تحديدا على التعامل مع المعارضة ذات الصبغة الطائفية إبان تواجد نخبتها في المهجر هو الذي أدى الى الاحتقان الطائفي بعد ٢٠٠٣
    وإلا فإنهما قادرتان على ترتيب اوضاع علمانية حقيقية بعد صدام لو انهما تعاملتا مع غير هؤلاء المحتقنين طائفيا ،،

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left