جماهير الشعب المغلوب على أمره تفقد الأمل في الحياة وتراجع شعبية النظام وازدياد درجات الغضب عليه

حسنين كروم:

Mar 16, 2017

القاهرة ـ «القدس العربي» الجديد في الصحف المصرية الحكومية والخاصة الصادرة أمس الأربعاء 15 مارس/آذار هو الحملة الشعواء ضد وزير الصحة الفاشل في عمله والمتواطئ مع شركات الأدوية الدكتور أحمد عماد الدين، واضطراره للقيام بعملية تراجع مهينة، وكان مفترضا أن يقدم استقالته حتى لا يتعرض لهذا الموقف.
وأرى أنه لم يكن ممكنا أن يدلي بهذا التصريح لولا ضوء أخضر من رئيس الوزراء نفسه شريف إسماعيل، أما إذا كان قد فعلها منفردا فربما ستتم إقالته بعد أن تهدأ العاصفة، وحتى يتم ايجاد بديل له. والذي يثير الشكوك في موقف الحكومة أن وائل الأبراشي واصل حملته ضد مهاجمي عبد الناصر في برنامجه «العاشرة مساء» على قناة «دريم» يوم الثلاثاء، بأن عرض جدارية جديدة أعدها فنان تشكيلي من أسوان اسمه سيد إمام لمطار أسوان، رسم فيها ملامح عبد الناصر في صورة شيطان أو دراكولا، على حد تعبير وائل. وقال الفنان إنه بعد أن تجفف الشمس الألوان سيختلف المنظر، وهو ما سخر منه زملاؤه، وقالوا إنه تعمد ذلك، وقد حدثت موجة استياء واسعة بين أهالي المدينة.
واهتمت الصحف كذلك بحادثة تسمم ثمانمئة تلميذ في مدارس ساقلتة وأخميم في محافظة سوهاج، بسبب تناولهم وجبة مدرسية منتهية الصلاحية، وقيام النيابة العامة بإلقاء القبض على الموردين والتحقيق معهم. واستمرار هيئة الرقابة الإدارية في القبض على المزيد من المرتشين في المحليات وعدد من المحافظات، ما يتسبب في قلق الكثير من موظفي ومسؤولي الدولة، ورغم ذلك فالفساد في تزايد. واعترض عدد من أعضاء مجلس النواب في اللجنة التشريعية على استهتار الحكومة بالمجلس وتوقيعها على اتفاقيات مع صندوق النقد والبنك الدوليين دون أخذ موافقة المجلس مسبقا، كما ينص الدستور، لكن الغالبية من الأعضاء في تكتل دعم الدولة أيدوا الحكومة في انتهاكها الدستور. كما كان هناك تطور بارز في قضية جزيرتي تيران وصنافير بإعلان رئيس المجلس الدكتور علي عبد العال أن اتفاقية ترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية وصلت إلى المجلس لمناقشتها، وأنه سيتم التعامل معها وفقا للدستور، وأن التأخر في مناقشتها في اللجنة المختصة سببه نقص بعض الأوراق، وهو تصريح غير مفهوم بالمرة، لأنه سبق الإعلان عن أن الاتفاق مع السعودية قرار سيادي يجب إحالته إلى مجلس النواب وبطلان إحالته إلى محكمة القضاء الإداري في مجلس الدولة، خاصة أن محكمة الأمور المستعجلة أصدرت حكما ببطلان الإحالة إلى مجلس الدولة. كما كان قد تم الإعلان منذ أشهر أن مجلس النواب سيناقشها ويمررها، لكن الأمر توقف فجأة.
ونشرت الصحف تحقيقات موسعة عن الشباب المفرج عنهم بقرار من الرئيس عبد الفتاح السيسي، والاستعدادا للإفراج عن دفعة جديدة، وهم المتهمون في قضايا تجمهر وتظاهر بدون إذن. كما واصلت الصحف تغطية حملات الشرطة ضد البلطجية وأوكار الجريمة، وإعادة الانضباط للشارع، وإزالة التعدي على أملاك الدولة. وكذلك تحذيرات وزارة السياحة لشركات السياحة التي تنظم رحلات العمرة والحج من الطلب من الراغبين فيها بالريال السعودي وإنما بالجنية المصري، وإلا ستفرض عليها عقوبات. واهتم الصحافيون بالانتخابات التي ستجري غدا الجمعة للنقيب ونصف الأعضاء، وظل اهتمام الغالبية بارتفاع الأسعار ومباريات كرة القدم. وإلى ما عندنا..

وزير الصحة

ونبدأ بوزير الصحة الدكتور أحمد عماد وتصريحه الذي لا يمكن أن يتجرأ بقوله إلا بتشجيع من رئيس الحكومة شريف إسماعيل. وقد قال أمس في جريدة «المساء» محمد فودة رئيس تحريرها الأسبق في عموده «من الواقع»: «بداية أقول إن الدكتور أحمد عماد الدين لم يواكب عصر جمال عبد الناصر، ولا يعرف أن قراراته كلها كانت لصالح المصريين عموما، ولصالح الطبقة الفقيرة خاصة، فهو كان يشعر بمعاناة المصريين لأنه واحد منهم، ويريد أن ينهض بأحوالهم فوجد أن نهضتهم لا يمكن أن تتحقق إلا بتعليم مجاني، وأن تتكفل الدولة بالحفاظ على صحتهم. لم يكن فكر جمال عبد الناصر مقصورا على التعليم والصحة، بل امتد ليشمل الفلاح، فوضع قانون الإصلاح الزراعي الذي حدد الملكية بـ300 فدان فقط، ووزع باقي الأرض على الفلاحين المعدمين. وفي عهده بني أكثر من 1000 مصنع، منها مصانع عملاقة كمصنع الحديد والصلب، ومصنع مجمع الألومنيوم، وشغّل الملايين من العمال في هذه المصانع، وكفل لهم تأمينا اجتماعيا وامتيازات خاصة. العيب ليس في سياسة عبد الناصر وإنما العيب في الحكومات التي جاءت بعده. لقد كان الدولار في عهده يساوي أربعين قرشا الآن وصل سعره إلى 18 جنيها، لأننا تكاسلنا عن الإنتاج واعتمدنا على المعونات والقروض الخارجية، فزاد العجز في ميزان المدفوعات. هل زرت بلدا أوروبيا أو حتة عربيا لتعرف كيف تسير المنظومة الصحية فيه، لقد زرت أنا بلدا مثل كندا فوجدت فيها منظومة صحية على أعلى مستوى».

السياسات الخاطئة

وإلى «الشروق» حيث العمود اليومي لرئيس تحريرها عماد الدين حسين «علامة تعجب» وقوله فيه: «يا دكتور أحمد عماد زميلك وزير المالية الدكتور عمرو الجارحي، قال في اليوم نفسه في مجلس النواب كلاما منطقيا ومعقولا منه مثلا: «إن السياسات الاقتصادية الخاطئة في أسلوب التشغيل والإدارة وعدم تقديم الخدمة بشكل سليم، هي السبب في الخسائر الكبيرة التي تتعرض لها الهيئات الاقتصادية، وإن الفساد ناتج عن سياسات اقتصادية غير سليمة مطبقة منذ سنوات طويلة». يا دكتور أحمد المشكلة لم تكن المجانية، بل الفساد والسياسات والأخطاء المجانية والمنحازة لقلة على حساب غالبية المجتمع».

اختفاء الأدوية ومضاعفة أسعارها

أما في «الأخبار» الحكومية فكتب جلال عارف رئيس المجلس الأعلى للصحافة في عموده اليومي «في الصميم» في الصفحة الأخيرة لمهاجمة وزير الصحة بقوله عنه: «أمام ممثلي الشعب في مجلس النواب وقف السيد وزير الصحة يتحدث عن أوضاع وزارته، اكتشفنا مما قاله إن الرجل «معذور»‬ في كل ما نواجهه من كوارث صحية في عهده الرشيد، بدءاً من اختفاء الأدوية، رغم مضاعفة أسعارها «‬أنا شخصياً أبحث عن دواء للكلى منذ ثلاثة شهور بلا جدوى وبلا بديل موجود» وحتى انهيار الأوضاع في المستشفيات العامة الذي كشفت الرقابة الإدارية عن بعض جوانبه، مروراً ببيع الأعضاء البشرية وتدهور أوضاع الأطباء، والعجز عن حل مشاكلهم، كما هو الحال مع مشاكل المرضى. اكتشفنا أن الرجل «‬معذور» فهو لا يشغل نفسه بهذه التفاصيل التافهة، إنما هو مشغول بالمسائل الاستراتيجية، وهو الأمر الذي هداه إلى الحقيقة الكبرى التي أعلنها تحت قبة البرلمان وهي: أن المنظومة الصحية متهاوية بسبب القرار الذي أصدره الرئيس جمال عبدالناصر، بأن التعليم كالماء والهواء والصحة مجانية لكل فرد، فراح التعليم وراحت الصحة. لمعلومات الوزير من قال إن التعليم كالماء والهواء هو طه حسين، وقد بدأ تنفيذ ذلك في المدارس قبل ثورة يوليو/تموز. وجاء عبدالناصر ليستكمل الأمر ويحيله إلى ثورة تعليمية كاملة، خرّجت لنا أجيالاً من العلماء الأفذاذ في كل الميادين، وخلقت أعظم طبقة وسطى في تاريخ مصر، هي التي قادت النهضة الصناعية والثقافية والاجتماعية، وأقامت نموذجا في التنمية، كان هو الأمثل بين كل الدول النامية قبل أن يتكالب عليه أعداء الخارج في 67 وسماسرة الداخل مع انقلاب السبعينيات».

تطاول لا يحترم التاريخ

وفي الصفحة السادسة من عدد «الأخبار» نفسه كتبت الناقدة والأديبة عبلة الرويني في عمودها اليومي «نهار» عن الموضوع نفسه فقالت: «التجاوز الذي أحدثه تصريح وزيرالصحة الدكتور أحمد عماد الدين تحت قبة البرلمان بحاجة بالتأكيد إلى وقفة ومساءلة، ليس فقط بسبب مهاجمته لجمال عبد الناصر، رغم أنه تطاول لا يحترم التاريخ ولا يعي معني القيمة والرمز الوطني، لكن لأسباب كثيرة يختلط فيها الجهل بالضعف بافتقاد الرؤية وغيبة المبادئ في اجتماع لجنة الصحة في مجلس النواب (أول أمس) لمناقشة طلب الإحاطة حول جاهزية المستشفيات الحكومية العامة والمركزية، ومدى تأهيل البنية التحتية بعد 48 عاما من رحيل عبد الناصر، لا يجد السيد وزير الصحة من سبب لفشل وزارته سوى اتهام عبد الناصر. ويضيف إلى اتهاماته لعبد الناصر أيضا جهلا بطه حسين صاحب عبارة «‬التعليم كالماء والهواء» التي نادى بها في كتابه «‬مستقبل الثقافة في مصر» 1949 «.

التطوع بافتتاح معارك مع الحلفاء

وإلى «الأهرام» حيث العمود اليومي «كلمة عابرة» لأحمد عبد التواب وقوله: «يحتاج بعض الوزراء إلى أن يتذكروا دائماً وقبل أي تصريح أو إعلان ينطقون به أنهم أقسموا على احترام الدستور. كما أنهم ملزمون بسياسة عامة، وأن أي خروج على هذا السياق لا يدخل في حق الاجتهاد المقبول ولا في باب حرية التعبير، وقد انتُهِكَت هذه القواعد خلال الأيام القليلة الماضية عدة مرات ،كان آخرها تصريح الدكتور أحمد عماد الدين وزير الصحة عندما بادر طواعية في فتح معركة لا ينحصر مجالها على شخصه، وإنما يصل أثرها إلى النظام الحاكم، كله بمقتضى المسؤولية التضامنية، عندما قال إن منظومة الصحة متهاوية بسبب القرار الذي أصدره عبد الناصر، بأن التعليم كالماء والهواء، وبأن الصحة مجانية لكل فرد، ثم ما فهمه الوزير من أن هذه كانت أسباب ضياع التعليم والصحة. هذا النزوع الجديد لدى بعض الوزراء المفتقد للإدراك السياسي بالتطوع بفتح معارك لم يورطهم فيها أعداء النظام. فما الذي يجعل الوزير يبادر إلى الاعتداء على الرمز الكبير للناصريين، وهم حلفاء 30 يونيو/حزيران؟ في وقت لم نستفق فيه بعد من الضربة التي وجهها وزير التموين الدكتور علي المصيلحي لمنظومة الخبز، التي كانت استقرت على حال يحقق الرضا العام، فكان لتدخله أسوأ الأثر في إعادة مشكلة الرغيف مرة أخرى».

«شوف شغلك يا وزير وبلاش رغي بطال»

نواصل رحلتنا مع وزير الصحة لنصل إلى «الوطن» لنكون مع مستشارها وأستاذ الإعلام في جامعة القاهرة الدكتور محمود خليل وهو يغرد في بابه اليومي «وطنطن» قائلا: «لست أدري نوع التعليم الذي حصل عليه الدكتور أحمد عماد، لكن المستعرض لسيرته الذاتية المتداولة على عدد من المواقع، يمكنه أن يستخلص أن الرجل تعلم بالمجانية في المدارس والجامعات، التي جعلها جمال عبدالناصر مفتوحة أمام الجميع، بغض النظر عن مستوى الفقر والغنى، وبالتالي فهو رجل متناقض مع نفسه. عيب أن يتعلم الإنسان بالمجانية في المدارس والجامعات ثم يحصل على الماجستير والدكتوراه بالمجان، وتمكنه الشهادات التي حصل عليها من الوصول إلى موقع وزير، ليأتي بعد ذلك ويقول إن المجانية خربت التعليم ودمرت قطاع الصحة. وزير الصحة يرى «المجانية» سبباً لتدهور مستوى الخدمة الطبية في مصر، وكأن المستشفيات الخاصة المدفوعة ناجية من الإهمال في الرعاية وبريئة من الأخطاء الطبية التي تودى بحياة المرضى، فكما يموت الفقراء في المستشفيات المجانية، يموت الكبار أيضاً في المستشفيات المدفوعة، لأن العبرة في كل الأحوال بمستوى الأداء وجودة الخدمة. والتجربة تقول إن المسؤول الذي يصاب بأي مرض – لا قدر الله – يسافر للعلاج في الخارج، ما يعني أنه لا يثق في المؤسسات التي يديرها ويخدم بها مواطنيه فليمسك وزير الصحة لسانه عن «المجانية» وليحدثنا عن مستوى توافر المادة الفعالة في الأدوية التي يشتريها المريض بأسعار أصبحت فلكية، ولا تخفف آلامه ولا تشفي أوجاعه «شوف شغلك يا وزير» وبلاش «رغي بطال».

المسؤول الحقيقي عن تدهور الأوضاع

وإلى «المقال» وحسام مؤنس وقوله: «أخيرا عرفنا من المسؤول الحقيقي عن تدهور أوضاع الصحة والتعليم في مصر على مدار العقود الماضية، فقد أتضح أنها ليست عشوائية السياسات القائمة في القطاعين الأهم، ولا الانحيازات الاجتماعية التي جعلت السلطات المتعاقبة تتوجه لاعتبارها سلعا لا خدمات أساسية واجبة على الدولة، ولا في عدم الانفاق المحترم الذي يكفل تطوير أوضاع الصحة والتعليم، ولا حتى من باب الالتزام بنصوص الدستور الحالي، ولا عدم الاهتمام لا بالمستوى العلمي ولا المادي للأطباء والمعلمين، بل اتضح أن المشكلة كانت في قرار جمال عبد الناصر بمجانية الصحة والتعليم، لأنهما حقوق كالماء والهواء، فراح التعليم وراحت الصحة، بحسب أقوال السيد وزير الصحة الحالي أحمد عماد الدين. الوزير للأسف لم يكن جالسا على مصطبة مثلا عندما قال هذا الكلام، بل كان في حضرة اجتماع لجنة الصحة في مجلس النواب، معتبرا أنه لا يمكن اعتبار الأعباء الصحية مجانية لأن الأشعة مكلفة للغاية، وتذكرة المريض قيمتها جنيه واحد، لا يكفي بالمرة لسد احتياجات المنظومة الصحية، وطبعا السيد الوزير لم يتوقف لحظة للمقارنة بين أوضاع المنظومة الصحية التي يتحدث عنها سيادته في عهد جمال عبد الناصر، مقارنة بالوضع الحالي، الذي بالتأكيد لا يتحمل مسؤولية استمرارها، بل المزيد من تدهورها في ظل ذلك المنهج في التفكير، الذي يبدو مطابقا لما هو سائد وقائم في توجيهات هذه السلطة وسياسات هذه الحكومة، من تحويل الأدوار الرئيسية والأساسية لأي دولة لا مصر فقط، ولا في عهد عبد الناصر إلى سلع يدفع ثمنها القادر».

دائرة المحرمات

والدفاع الوحيد عن الوزير كان من نصيب السيد البابلي في «الجمهورية» الذي قال في بابه اليومي «رأي»: «أن يتحدث الوزير عن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بسوء فإن الوزير بذلك دخل دائرة المحرمات، التي لا يجوز الاقتراب منها أو المساس بها، فالذين سيهاجمون الوزير بسبب ذلك يشكلون جماعة الضغط والتوجيه والتأثير في المجتمع، ولن يلتمسوا له عذرا، ولن يقبلوا منه إيضاحا وسينهالون عليه بكل أنواع السكاكين، وقد بدأوا في ذلك وأمطروا الوزير بوابل من رصاص السخرية والتجريح، لأنه تجرأ وانتقد مجانية الصحة في عهد جمال عبدالناصر، وقال إنها كانت سببا في انهيار منظومة الصحة في مصر. والوزير في تصريحه لم يكن سياسيا بدرجة كافية ليدرك أبعاد هذا التصريح، الذي سيوحد كل القوى السياسية «الخامدة» أو «المشتعلة» لتتحالف ضده من أجل الاجهاز عليه، فعبدالناصر لديهم خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه إلا بالمدح والإشادة، والوزير له مطلق الحرية في أن يعبر عن أفكاره وآرائه وتصوراته بالكيفية التي يراها في إطار حرية التعبير، وحق الاختلاف في الرأي بعيدا عن هذا النوع من الإرهاب الفكري، الذي تعرض له خلال الساعات الماضية. والهجوم على الوزير يوضح مدى التناقض والازدواجية لدى المثقفين الذين ينادون ويتحدثون ويدافعون عن حرية التعبير لأنفسهم، وينكرونها على غيرهم إذا اختلفوا معهم، ويحاولون اغتيالهم بالاتهامات الجاهزة التي تصل إلى حد التخوين والعمالة. إن ما قاله الدكتور أحمد عماد الدين هو مجرد رأي، ولكن ما ناله عقابا على هذا الرأي هو الجريمة بكل أبعادها».

منظومة التأمين الصحي الجديدة

لكن البابلي تلقى صدمة عنيفة من الوزير ذاته، الذي تراجع بشكل مهين، إذ نشرت «الوطن» تصريحا له تجاهلته باقي الصحف قال فيه: «نفى الدكتور أحمد عمادالدين راضي وزير الصحة، ما تردد في وسائل الإعلام بشأن أن قرار الزعيم الراحل جمال عبدالناصر الذي أصدره بمجانية الخدمات الصحية المقدمة للمواطن المصري، دفع المنظومة الصحية لـ«التهاوي». وأشاد وزير الصحة بقرار الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، الذي أصدره عام 1964 بقانون للتأمين الصحي، الذي شمل تحت مظلته 48٪ من المواطنين آنذاك موضحا: «عبدالناصر أصدر القرار الجريء دون الرجوع إلى مجلس النواب، حرصا منه على مصلحة المصريين». وأضاف عمادالدين أن قانون التأمين الصحي الشامل الذي يتم الإعداد له حاليا ما هو إلا استكمال لمسيرة بدأها عبدالناصر لخدمة المصريين، مؤكدا أن القانون الجديد «نظام تكافلي» يشمل جميع المواطنين، سواء القادرين الذين يساهمون باشتراكات، أو غير القادرين الذين تتحمل الدولة تكاليف علاجهم، وتقدم لهم الخدمة الطبية مجانا. متابعا: «القانون سيعرض على البرلمان لإقراره». ولفت وزير الصحة إلى أن الخدمة الطبية قديما كانت تقدم بالمجان ودون اشتراكات، ما أثقل على الموازنة العامة للدولة لفترات طويلة، الأمر الذي يتطلب إعادة هيكلة للمنظومة الطبية بشكل تستطيع الوزارة تقديم خدمة طبية مرضية للمواطن المصري قائلا: «لا توجد دولة في العالم يتحمل اقتصادها هذا العبء المالي منذ أكثر من 50 عاما، وتستمر في تقديم الخدمات الطبية لمواطنيها بالشكل المرضي». وأكد عماد الدين على أن غير القادرين سيحاطون برعاية بالغة في منظومة التأمين الصحي الجديدة، حيث أن القادر سيتكفل بغير القادر» مشيدا بالقرار الأخير المفروض كضريبة على السجائر الذي استفادت منه الوزارة بـ3.3 مليار جنيه، دخلت ميزانية الصحة، ما يساهم في تطوير المنظومة الصحية ويصب في مصلحة المواطن المصري».

من هو طه حسين؟

وقد أخبرنا زميلنا الرسام محمد عبد اللطيف في «اليوم السابع» أنه شاهد وسمع الوزير يقول في تصريح لأحد الصحافيين: ولا كنت أعرف الدكتور طه حسين بتاع المية والهوا ولا أن جمال عبد الناصر كان زعيم للأشقاء في مصر».

مبارك بعد البراءة

وإلى الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك وحكم البراءة الذي حصل عليه وعودته لمنزله وقول نقيب الصحافيين الأسبق مكرم محمد أحمد أمس الأربعاء في «الأهرام» في عموده اليومي «نقطة نور»: «بقدر المسؤولية التاريخية التي يمكن أن يتحملها الرئيس مبارك عن مصير حكمه، لأنه أطال، دون أي مسوغ قانوني أو سياسي، فترة بقائه رئيسا للجمهورية، بعد أن سمح بتغيير بنود الدستور ورضخ لمشروع توريث الحكم لابنه جمال، بعد أن عارضه طويلاً وأصم أذنيه عن دعوات التغيير، التي كانت تموج بها البلاد، وأخفق في خطابه إلى أجيال مصر الجديدة وغفل عن الاستقطاب الاجتماعي الحاد الذي باعد بين فئات المجتمع، بقدر هذه المسؤولية كان الرئيس الأسبق ضحية لخطط إدارة أوباما في نشر الفوضى البناءة في الشرق الأوسط، وترتيباته العملية التي حرّضت علنا على إنهاء فترة حكمه، ورتبت لجزء من أحداث ثورة 25 يناير/كانون الثاني، لا يزال موضع التباس شديد يحتاج إلى جهد المؤرخين لإجلاء غموضه. وعلى المستوى الإنساني كان مبارك كبيرا حين قرر البقاء في وطنه بعد أن أسقطت الجماهير حكمه، في ظروف كان يسهل فيها مغادرة البلاد، لكنه آثر البقاء ورضخ لحكم القانون وجلس في قفص الاتهام يدافع عن نفسه وحكمه، وطالت محاكمته لأكثر من خمس سنوات تحمّل خلالها الكثير، قبل أن تصدر محكمة النقض حكما صحيحا باتا ونهائيا لقي أصداء طيبة في الشارع المصري يبرئه من تهمة قتل المتظاهرين».

معارك وردود

وإلى المعارك والردود، حيث خصصت مجلة «المصور» في عددها أمس الأربعاء ملفا خاصا عن تراجع شعبية النظام بشكل خطير، يلمسه الجميع في الشارع، وازدياد درجات الغضب عليه، ما ينذر بانفجار غير متوقع وقال رئيس مجلس إدارة مؤسسة دار الهلال ورئيس تحرير «المصور» غالي محمد في مقال عنوانه «الرضا الشعبي في خطر»: «نعم الرئيس قرر اقتحام مشاكل الصعيد، والبدء في التنمية الجادة لمحافظاته، وكذلك تنمية سيناء، باختصار ما فعله السيسي منذ توليه منصب الرئيس سوف يسجله التاريخ، والمصريون يقدرون ذلك، لكن وحش الأسعار قد شوشر على كل هذا، وتجلى ذلك مؤخراً في مظاهرات الخبز، ومن قبلها مظاهرات لبن الأطفال، الأمر الذي يجعلنا نقول مرة أخرى أن الرضا الشعبي في تراجع ينذر بالخطر، ولم يبق للرئيس السيسي سوى 15 شهراً على انتهاء الفترة الرئاسية الحالية. لابد أن يتحرك الرئيس من الآن لتنفيذ ما سبق أن وعد به المصريين، قبل انتخابات هذه الفترة الرئاسية. على الرئيس أن يتحرك ليضرب الفساد بقوة أكبر، عليه أن يخوض معركة القضاء على وحش الأسعار مثلما يخوض أشرس معركة ضد الإرهاب، فمافيا التجار والاحتكارات هما الخطر الذي لا يقل عن خطر الإرهاب. إننا نناشد الرئيس أن يتحرك لبحث ظاهرة تراجع الرضا الشعبي لأن المصريين في احتياج شديد له في فترة رئاسية ثانية».

تحجيم دور رأس المال في الحكم

كما نشرت مجلة «المصور» مقالا لأستاذ التاريخ في جامعة حلوان الدكتور عاصم الدسوقي قال فيه: « أن مواجهة سخط الجماهير عن أحوالهم، واستجلاب رضاهم لا يمكن أن يتحقق إلا بوضع اليد على الأسباب التي أدت إلى سخطهم وغضبهم، وتتلخص هذه الأسباب في ما يبدو من ظاهر مجريات الأمور في تخلي الدولة بالتدريج عن مسؤولياتها الاقتصادية والاجتماعية، منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، حين استجاب الرئيس السادات لشروط الولايات المتحدة الأمريكية بضرورة «فك القطاع العام وتحريره من يد الدولة»، وكانت هذه نصيحة وليم سيمونز وزير الخزانة الأمريكي، الذي رافق الرئيس نيكسون في زيارته للقاهرة في 19 يونيو/حزيران 1974 حين طلب منه عبد العزيز حجازي وزير المالية المصري آنذاك، تقديم مساعدات مالية لمصر للنهوض بالبلد، بعد اقتصاد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، فما كان من سيمونز إلا أن قال لحجازي: لا يمكن مساعدة الاقتصاد المصري، طالما أنه تحت القطاع العام، تحرير الاقتصاد أي تفكيكه وبيعه لرأس المال الخاص، وهو ما بدأ تطبيقه ابتداءً من عام 1985 مع حكومة عاطف صدقي ثم الجنزوري، ثم عاطف عبيد في ما عرف بـ«الخصخصة» اصطلاحا، وبهذه السياسة الجديدة بدأ إفقار الشعب المصري لحساب أصحاب رأس المال الذين أطلق عليهم السادات لقب «رجال الأعمال» بدلا من الرأسماليين حتى لا يجعل الشعب المصري يتذكر أيام عبد الناصر، ومبدأ القضاء على الإقطاع، وسيطرة رأس المال على الحكم.
والحاصل أن الحكومات التي تلت حكم السادات حافظت على مطالب السياسات الأمريكية في الخصخصة تحت الاسم الكودي «تحرير الاقتصاد» أسوة باقتصاديات العالم الغربي، وزادت هذه النغمة أكثر وأكثر عندما تخلى الاتحاد السوفييتي عن الاشتراكية على يد غورباتشوف وخليفته يلتسين، الذي أعلن تفكيك الاتحاد السوفييتي في نوفمبر/تشرين الثاني 1991 والتخلي عن دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي (الاشتراكية) والعودة لآليات الاقتصاد الحر وسوق العرض والطلب؛ حيث أصبح من ينادي بالعدالة الاجتماعية متخلفا، وعلى هذا تمسك الرئيس حسني مبارك بالأجندة الأمريكية ومن خلفه بعد يناير/كانون الثاني 2011 ومما زاد في شدة التبعية لاقتصاديات الغرب الرأسمالي استجابة حكومات مصر لشروط صندوق النقد الدولي التي تتلخص في رفع الدعم عن السلع الأساسية، مقابل الحصول على أي قرض مالي من الصندوق، وترك جماهير الشعب لآلية العرض والطلب وللعلاقات الحرة دون رقابة من الدولة، الأمر الذي جعل جماهير الشعب المغلوب على أمره يفقدون الأمل في الحياة ولا يجدون أملا إلا في المغامرة بالهجرة خارج البلاد، رغم مشاقها، أو ارتكاب أعمال العنف بصورة أو بأخرى، ولسان حالهم يقول: يا روح ما بعدك روح» أما إذا أراد الحكم القائم الحصول على الرضا الشعبي والتأييد المطلق فليس أمامه من سبيل سوى استعادة دور الدولة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، وليس في هذا عودة للاشتراكية ،كما قد يظن البعض ولكن يكون هذا بتحجيم دور رأس المال في الحكم والسيطرة وذلك من باب محاكاة النظام الرأسمالي القائم في الغرب».

معارك الإسلاميين

وإلى الإسلاميين ومعاركهم وبدأها فهمي هويدي أمس الأربعاء في مقاله في «الشروق» عن فوضى الفتاوى الدينية ومحاولة النظام استخدامها لصالحه فقال: «إذا كانت فوضى الفتاوى الدينية مشكلة، فإن الحلول الخبيثة أو الساذجة التي تطرح لحلها مشكلة أكبر، أقول ذلك بمناسبة الجدل الذي أثير حول الموضوع في مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، واللغط الذي أحدثه نشر خبر عن الشروع في إعداد قوانين جديدة لتنظيم العمل في دار الإفتاء المصرية.
إن أي متابع للموضوع لا تفوته ملاحظة أن السلطة في مصر لم تسترح يوما ما إلى استقلال الأزهر والمؤسسات الدينية الموازية له، لذلك فإن الشغل الشاغل لأجهزة السلطة ظل متمثلا في كيفية اتخاذ الإجراءات وابتكار الأساليب التي تكفل إخضاع هذه الجبهة كلها لنفوذ السلطة.
وأصبحت حدود ذلك الإخضاع تتفاوت، بحسب تفاوت معدل الحالة الديمقراطية في البلد، ومنذ برز التطرف وجماعاته في سبعينيات القرن الماضي كثفت السلطة من جهود الإخضاع حتى بلغت ذروتها في السنوات الأخيرة، التي تطور فيها التطرف وخرجت من عباءته جماعات الإرهاب، وهي الأجواء التي أفرزت وميزت بين نوعين من العلماء.
الأولون يخـــافون من الله وهــــــؤلاء ظلوا منبوذين طــــول الوقت، والآخرون يخافون من الحكومة وهـــــؤلاء جرى الاحتــــفاء بهم واحتلوا مواقع الصـــــدارة في أغلــــب المؤسسات الدينية الرسمية».

الداعية «الكاجوال»

وفي الصفحة الخامسة من «الوطن» سخر الدكتور خالد منتصر في عموده اليومي «خارج النص» من أحد مقدمي البرامج الدينية الذي يدعو الفتيات لقبول التحرش الجنسي بهن وقال: «اللي يشوف بنت لابسة قصير ولا يتحرش بها ما يبقاش راجل»، هكذا صرّح الداعية الكاجوال الشاب الكيوت الوسطي في برنامجه التلفزيونى بابتسامته اللزجة وصوته الناعم ونظرته الناعسة وتسبيلته المغناطيسية، والمدهش أن معظم جمهوره المنبهر به الذائب في غرامه هو من البنات، أي من الضحايا اللاتى أباح افتراسهن، يصفقن لمن استباح لحمهن وحرّض على الخوض في أجسادهن» .

جماهير الشعب المغلوب على أمره تفقد الأمل في الحياة وتراجع شعبية النظام وازدياد درجات الغضب عليه

حسنين كروم:

- -

1 COMMENT

  1. العلة ليست في مجانية التعليم و الرعاية الصحية. العلة في عدم اعطائها الاولوية. و العلة الاكبر في المناهج التدريسية المبنية على سلب الحرية و بالتالي تعقيم التفكير و الابداع و الابتكار.
    الاولوية في الانظمة الأمنية و الأبوية هي للرئاسة وللجيش و الشرطة و المخابرات و الاعلام و الخارجية و هذه هي مشكلة حقيقية واضحة.
    انظر و قارن مع الدول المتقدمة بين ميزانية التعليم و ميزانية الجيش حتى في الكيان الاسرائيلي المغتصب و الذي نجعله مبررا لضخامة الجيوش و سلب الحريات.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left