ثرثرة على ضفتي نهر الفرات

الطاهر إبراهيم

Mar 17, 2017

لن أبتعد كثيرا في سبر أغوار العلاقة بين تركيا والسوريين التي جعلها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أوثق صورها منذ أن تبوأ حزب العدالة والتنمية حكم تركيا في عام 2002. لكني أجد نفسي مدفوعا للقراءة في هذه العلاقة منذ استولى تنظيم الدولة على الموصل وما جاورها عام 2014 وقبلها أضاف استيلاءه على الرقة وأقام فيها دولته.
عندما أطلق كيري من جدة التحالف الدولي ضد «تنظيم الدولة» في10أيلول/سبتمبر 2014 كانت تركيا أحد الدول التي انضمت للتحالف، بل إن واشنطن كانت تعتبرها الدولة الأهم بالتحالف لأنها تجاور تنظيم الدولة في وجودها بجوار دولتي المقر سوريا والعراق، وتركيا إحدى دول حلف الناتو التي تملك ثاني أكبر جيش في الحلف.
القراءة الأولية عند بعض المحللين أن واشنطن كانت تريد لتنظيم الدولة إكمال امتداده في سوريا والعراق وسيشكل قلاقل في دولتي المقر سوريا والعراق. أما تركيا فلم يكن لواشنطن تصور واضح عن ردود أفعالها تجاه هذه الدويلة المزعومة ولا يعرف أحد كيف سيكون تصرفها مع دولتي المقر أو مع دول الجوار الآخر. استطرادا فقد اعتقل أعضاء سفارة تركيا في الموصل وبقوا عند تنظيم الدولة مدة حتى بادلهم بمعتقلين له عند أحرار الشام.
يقول محللون إنه كان على تركيا قتال تنظيم الدولة ليكون لها موطئ قدم في سوريا منذ منتصف عام 2014، في وقت كان تنظيم الدولة يهيمن على ثلث مساحة سوريا (محافظات الحسكة، دير الزور، الرقة، التي تضم مناطق الجزيرة ونهري الفرات ودجلة وبادية الشام). وكان يمكن لتركيا أن تتذرع بالدفاع عن حدودها وكبح جماح تنظيم الدولة فلا تتخذ الحدود ممرا له لإدخال (الجهاديين) عبر الحدود والقيام بعملياته التي أقلقت دولتي المقر تركيا وسوريا. تدخل تركيا في ذلك الوقت لم يكن ليثير واشنطن كثيرا لأن لها مصلحة بذلك. أما روسيا فكانت على بعد أكثر من سنة وشهرين من تدخلها في سوريا 2015. تركيا كانت مشغولة في ذلك الوقت بأخذ موافقة واشنطن على منطقة آمنة في شمال سوريا، وهي كانت تقيس على مناطق الحظر التي أقامتها واشنطن في العراق عام 1991، لكنه قياس مع الفارق.
هل يمكن القول أن تركيا قد أخطأت حين راهنت على حاجة واشنطن للقوات التركية البرية في الحرب على تنظيم الدولة لكون أوباما ما كان يريد أن يغامر بقواته البرية؟ لكن الرهان لو كان في محله لكان يجب أن تتنبه تركيا إلى أن انتصار الأكراد على تنظيم الدولة بمعركة كوباني جعل واشنطن تتحول بنظرها عن تركيا إلى الأكراد الذين يصدق فيهم القول أنهم «بندقية للإيجار»، ويسهل التخلي عنهم ولا يسهل التخلي عن تركيا بوضع كهذا.
رفضت تركيا التدخل البري ضد تنظيم الدولة في معركة عين العرب (كوباني) رغم إلحاح واشنطن عليها بالتدخل، على مبدأ (فخار يكسر بعضه)، ولأن تلك المعركة كانت ستضعف الطرفين. أسلوب تركيا هذا لم ينجح وجاءت الرياح بما لا تشتهيه سفن تركيا حين أسقطت طائرة سوخوي روسية وشعر أردوغان بخذلان «أوباما» له حين تخلى عن دعمه في وجه بوتين.
هل يمكن القول اليوم أن الوضع أصبح معقدا أكثر حول منبج؟ لكن الواضح أن تركيا حسمت أمرها بتدخلها في ريف حلب الشمالي وأن الوضع المتشابك جعل (أنقرة وواشنطن وموسكو) أنهم صاروا في الحرج سواء، كالعض على الأصابع، لا نعرف من يصرخ أولا.
كانت تركيا تعرف أن الحرب على الإرهاب صار (قميص عثمان) توظفه واشنطن وموسكو وطهران في المعركة السياسية لتبتز به فصائل الجيش الحر، وقد رأينا أن واشنطن وموسكو أعلنتا الحرب على تنظيم الدولة ولو بتوقيت مختلف، لكنهما لم تبدآ بحرب تنظيم الدولة. وإلا فقد رأينا أن طائرات روسيا تقصف المدنيين وأسواقهم والمستشفيات في حلب ولم تقترب من مواقع تنظيم الدولة إلا فيما ندر. أما ميليشيا طهران فكانت تشن حربها على قوات الجيش الحر ولم تقاتل أبدا في أماكن وجود تنظيم الدولة، وبالمقابل لم يقم تنظيم الدولة باستهداف موسكو وإيران. بل إن تنظيم الدولة والنظام كانا يتبادلان الانسحاب من مواقع يتم الاتفاق عليها من تحت الطاولة، كما حصل حين انسحب تنظيم الدولة من بلدة «تادف» مؤخرا ليسبق إليها النظام قبل تركيا فيحتلها. بل كان النظام يطيل في عمر تنظيم الدولة فيشتري حاجته من البترول منها مع أن عنده البدائل: العراق وإيران.
جدير بالذكر أن تسابقا محموما يجري اليوم بين موسكو وواشنطن للاقتراب أكثر من منبج والرقة، ولا أحد يعرف إلام سيؤدي هذا التسابق. واشنطن من جهتها لم تخف رغبتها في إبعاد تركيا عن الرقة، لكن تحرير الرقة سيحتاج إلى قوات أمريكية أكثر مما تقول واشنطن أنها ترسلها لتقديم التدريب والمشورة. ولا تكفي قوات سوريا الديمقراطية الكردية لتحرير الرقة، ولا تقبل تركيا أن تشارك في حال مشاركة الأكراد وعلى واشنطن أن تحل العقدة. أما موسكو فلم توضح ماذا تريد بعد في منطقة تعتبر تحت هيمنة واشنطن، وما قضمته موسكو في حلب وحميمم وطرطوس أكبر من أن تستطيع هضمه وهي لا تملك إلا التفوق في الطيران. وأخشى ما تخشاه موسكو ألا تصبرأنقرة على ابتزازها، وأن يحدث بينهما الطلاق في وقت هي بحاجة تركيا ربما أكثر من حاجة تركيا لروسيا، لأن هيمنة روسيا على المناطق التي بسطت سيطرتها بحاجة من يقنع فصائل الجيش الحر في حين أنها لا تأمن إلى طهران فقد استولت موسكو على كثير مما كانت طهران أن تحوذ عليه.
كان لافتا أن تركيا أعلنت في يوم 12 آذار/مارس الجاري أنها استولت على عدة قرى قريبة من منبج ، وربما كان ذلك جس نبض لترى تركيا كيف تتصرف واشنطن وموسكو؟
لم يستطع تنظيم الدولة أن يجد في عرب السنة من عشائر الرقة ومن حولها من يأسف على هزيمته. لكن هؤلاء العرب السنة وهم أكثرية في حوض الفرات لن يقبلوا أن يكون الأكراد البديل لتنظيم الدولة، وهذه نقطة قد تستفيد منها تركيا والجيش الحر المشارك في «درع الفرات». وبالتأكيد فإن واشنطن لا تستطيع أن تفقه ذلك، لأن الشرذمة القليلة من العرب الذين انضموا للكرد تحت إغراء المال الأمريكي لا يمثلون العشائر العربية.

كاتب سوري

ثرثرة على ضفتي نهر الفرات

الطاهر إبراهيم

- -

1 COMMENT

  1. تقرير مبسط يستحق أن يقرؤه القارئ مرتين
    ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left