الذئاب الغبراء على سفينة الهولندي التائه

سامح المحاريق

Mar 17, 2017

هولندا ليست الدولة الناعمة التي تسود صورتها بوصفها جنة للحريات السياسية والشخصية، والهولنديون شعب يتسم بكثير من العناد والعزيمة، لدرجة أنه اختلق أرضه على مسرح التاريخ من خلال صراع طويل ومرير مع البحر، الذي قدّم هولندا أيضاً بوصفها واحدة من القوى الاستعمارية المبكرة والطموحة.
وعلاوة على ذلك فالهولنديون يقفون على أرضية صراع آخر لتحقيق هويتهم الخاصة، وانتزاع وجودهم من البرتغاليين مرة ومن الألمان مرة أخرى، وأخيراً فهم وقفوا بكثير من التربص أمام دخول رومانيا للاتحاد الأوروبي، ووضعوا العصي في دواليب بوخارست بمكر، لتجنب منافسة ميناء كونستانتا، الذي كان أحد مظاهر هوس تشاوشيسكو بالضخامة والمبالغة، فالهولنديون كانوا يخشون من منافسة الميناء المطل على البحر الأسود قريباً من الشرق وقناة السويس لجوهرتهم البحرية في روتردام، ولم يمكن الهولنديون رومانيا من الدخول إلى البستان الأوروبي، إلا بعد أن تحولوا إلى أكبر مستثمر في البلد الشرق أوروبي، واقتنعوا بأن الرومانيين يمكن أن يشكلوا رافداً بشرياً مهماً في اقتصادهم المحلي، الذي يعاني كغيره من اقتصادات غرب أوروبا من الميل للشيخوخة وجسامة فاتورة التقاعد لمواطنيه.
الرئيس التركي أردوغان تخير معركة خاطئة، وحتى لو كان يحتاجها في هذا التوقيت من أجل أن يحرض شارعه التركي ويحشده ويفرزه، فهولندا تختلف عن ألمانيا أو فرنسا، اللتين بدتا مرنتين في التراشقات السابقة مع الجار اللدود على مدخل آسيا، وشكلتا معا مظهراً لميوعة الاتحاد الأوروبي، الذي أخذ يعاني من أسئلة وجودية صعبة، بعد الانسحاب البريطاني. كما أن هولندا لا تحمل على أكتافها تلك الأثقال المثالية المدعاة لبرلين وباريس، ولا تعاني ولا تزعم أي عقد أبوية/ بطريركية تجاه أوروبا ومحيطها الحيوي، ولذلك وجدت أنقرة نفسها في مواجهة دولة مستعدة للتصعيد، ويمكنها أن تمضي في الخصومة إلى شوط متقدم، وربما لا يحتاج الهولنديون لصعود اليمين من أجل أن يظهروا شخصيتهم صعبة المراس في مواجهة أنقرة.
بوعي أو بدون وعي، بحنكة أو برعونة، مهما يكن من أمر، فإن الرئيس التركي ألقى كلمة السر، التي يمكن أن تستفز الهولنديين وتحرجهم وتجعلهم يمضون في الخصومة إلى مراحل جديدة، فوصف الهولنديين بأنهم بقايا النازية والفاشية يعتبر إهانة بالغة، فالأوروبيون يتفهمون السلوكيات الشرقية والإفريقية في التصعيد الخطابي، ويمكنهم التسامح مع إغلاق السفارات أو طرد الدبلوماسيين، ولكن أوصافاً تستدعي التاريخ الذي استثمرت أوروبا لنسيانه تضحيات مادية ومعنوية هائلة، كما يحاول الفرد على مستواه الشخصي أن يغرق نفسه بالتسوق أو المخدرات، تبقى غير مقبولة للهولنديين، لدرجة تدفعهم للخروج عن المواصفات القياسية لخطاب غرب أوروبا السياسي، فيصف نائب رئيس الحكومة الهولندية التصريحات التركية بالمقرفة.
يشعر الأوروبيون بتوتر جيرانهم في تركيا، ويتعاملون بواقعية مع ما يصدره الأتراك من ضغوطات داخلية تجاه القارة الأوروبية، فالواقع أن تركيا أصبحت اليوم ومن جديد شبحاً يخيم على أوروبا، بجالياتها الكبيرة فيها، واستطاع الأتراك أن يفرضوا إيقاعهم على الثقافة اليومية في أوروبا الغربية، من خلال غزوات الشاورما ولبن العيران التي أصبحت واقعاً يومياً في حياة الطبقة العاملة الجديدة في أوروبا، ومن ناحية أخرى، فالأوروبيون الذين تعايشوا في العقود الأخيرة مع نموذج تركي يجتهد من أجل تطبيق مظهر الدولة المنفتحة، يخافون تحولات تدفع بتركيا إلى ديكتاتورية شرقية كلاسيكية على حدودهم، وربما يدفعهم ذلك لبناء كتلة جديدة في شرق أوروبا تقوم بمواجهة تركيا بالوكالة، وهو ما يحمل أيضاً فرصة صعود يمين شرق أوروبي، بدأت ملامحه تظهر في المجر، يهدد بتفجير صراع جديد بين دول لم تبرأ تماماً من سطوة الديكتاتورية والبروباغاندا.
أسطورة أردوغان بدأت من التقدم الذي حققه في علاقاته مع أوروبا، ووضعه الحلم التركي بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي على الطاولة بجدية، لتستقبله تركيا وكأنه محمد الفاتح الجديد، ويدشن أردوغان أيضاً غزواً ثقافياً مؤثراً على جواره العربي، ويطرح نفسه بوصفه الحل لمشكلة الأصالة والمعاصرة، التي علقت الدول العربية في تفاصيلها لعقود من الزمن دون طائل، وبعد أن بدت تركيا بوصفها القنطرة التي يمكن بالفعل، وكما يفترض لها، أن تصل الشرق بالغرب، سقطت أنقرة في التفاصيل الصغيرة، وأخذت بقلق هويتها وتعريفها تدمر المشروع الذي بدت في مرحلة معينة الأمل الوحيد لتطبيقه على الأرض، وأمام القلق التركي أخذ التوتر الألماني والفرنسي يتصاعد، لتصبح إشكالية تركيا الأوروبية بنداً مزعجاً للاتحاد في بروكسل، ولكن تتابع الأزمات الصغيرة جعلها تشبه أعراض مرض مزمن يمكن التعايش معه، وهو ما لا يتوفر في الحالة الهولندية، لأن أمستردام تشكل في حد ذاتها نواة صلبة، والأمر ذاته ينطبق على جيرانهم في بلجيكا، الذين يبدون على كل هدوئهم مستعدين دائماً لاتخاذ القرارات الصعبة وإجراء العمليات شديدة الحساسية، كما تصرفوا مع جموح أسرة كابيلا في الكونغو متمسكين بتقاليدهم الاستعمارية القديمة.
ستجتاز أنقرة وأمستردام الأزمة الجارية بصورة أو بأخرى، ولكن الهولنديين سيتحركون ويستثمرون الموقف لمصلحتهم من أجل خندقة شرق أوروبا ضد الأتراك بطريقة يمكن ألا تروق للفرنسيين والألمان، الذين ينظرون للأمر بطريقة مختلفة تتعلق بوزنهما العالمي، وضرورة تعاملهم مع الأتراك بوصفهم جزءاً من طموحات أوروبا في لعب دور مؤثر على الساحة العالمية في أحد أكثر مناطقها سخونة وتوتراً في الشرق الأوسط وحوض المتوسط.
أما الهولنديون ومعهم دول أخرى صغيرة في حجمها السكاني، فإنهم ينظرون لأوروبا أخرى ويتعاطون مع فكرة الاتحاد الأوروبي بوصفه شكلاً آخر لدعم طموحاتهم الاقتصادية في ما وراء البحار، وبين الرؤيتين فإن الأتراك أيقظوا أوروبا على مجموعة من الأسئلة التي تحتاج لإجابات عاجلة، وكالعادة وجدت القارة نفسها بين قوسين تقليديين، عبّر الأول عن نفسه في ما وراء بحر المانش، بانسحاب بريطانيا ويطرح الثاني نفسه من خلال تركيا.
الموظف الإنكليزي بحياديته وبروده وانتهازيته من جهة، والانكشاري التركي بعصبيته وعاطفيته وجنونه من جهة أخرى، يضغطان معاٌ على أوروبا فولتير ويدفعان لإنتاج أوروبا نيتشة المشتهاة، التي بحثت عن هويتها مرة مع النازية وأخرى الفاشية وثالثة مع المعسكر الشرقي، والهولندي الطائر يمكن بالفعل في ظل الغياب الفكري والفلسفي أمام التغول البيروقراطي في القارة، يمكنه أن يقود أوروبا مبادرة وجديدة أو غاضبة ومشوشة، والأمر كله يعتمد على تبعات الأزمة وما ستستبقيه من انطباعات ودروس، والأخطر ما ستخلفه وراءها من ضغائن ونوايا مبطنة.
أردوغان لم يدرك أن أوروبا معنية ببلاده فعلاً، ولكنها غير مستعدة لاستيراد مشكلة حزبه وصراعاته إلى أراضيها، ومرة أخرى تتغلب نرجسية الرئيس التركي على ذكائه الفطري فيتناسى أن أفضل طريقة للتعامل مع المترددين وهواة التأجيل والترحيل في أوروبا هو منحهم المزيد من الأسباب للبقاء في خانة (سوف) و(ربما) و(من المحتمل).
كاتب أردني

الذئاب الغبراء على سفينة الهولندي التائه

سامح المحاريق

- -

1 COMMENT

  1. ليت الكاتب الكريم يشرح لنا سر انحياز هولندا للكيان الاسرائيلي المغتصب لفلسطين و العداء للحق الفلسطيني اكثر من غيرها في اوروبا.
    فعلى الرغم من الشكل الليبرالي و صغر الحجم و التنوع القومي فان هولندا تشكل حجر زاوية هام في الصراع التاريخي بين الشرق و الغرب و تنحاز بشكل يبدو اعمى في العداء للشرق.
    هل هو المذهب البروتستاني الذي يجعل امريكا و المانيا و بريطانيا اكبر داعمي الكيان الرئيسي على اساس تحقيق نبوءة هرمجدون؟؟

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left