شهرزاد والمكتبة

عبد الرحيم جيران

Mar 17, 2017

لم تكن شهزاد لتكُون ما هي عليه لولا المكتبة، بل تُعَدُّ نتاجها. يصفها النصُّ المُدوَّن بكونها مُطَّلعة على عدد لا يُستهان به من الكتب؛ وهذا يجعل منها قارئة لا تتوفَّر على ذخيرة مُهمَّة من الأخبار والمعارف فحسب، بل أيضًا تُلمّ بأسرار الماضي، وتجارب الأفراد والأمم.
لكن ما يُهمُّ من هذا أمران يرتبطان بالسرد وتأويله في «ألف ليلة وليلة». وينبغي التركيز- في هذا الصدد ـ على كون التأويل لا يقتصر على كيفية فهم المحكي (الحكاية)، بل يتعدّاه إلى الفعل الذي يضطلع بالسرد. وهذان الأمران هما: الاستثنائي في إنتاج السرد، واستيحاء فعله.
أ ـ الاستثنائي: نقصد بالاستثنائي الخاصّية الأساسية التي تُخوِّل لكل فعل مُنتَج داخل الحكاية إمكان أن يُوصف بكونه من نمط حكائيّ تخييليّ. ولا تتحقَّق هذه الخاصّية إلّا باتّصاف هذا الفعل بطبيعة غير مألوفة مُغايرة للواقعي القائم على ما هو عاديّ مُتطابق مع الجاري في الحياة اليوميّة وفق الأوفاق المُتعارف عليها داخل المُجتمع. ولا يكُون الملفوظ سرديًّا، إلّا إذا قام على هذه الخاصّية التي تُعطي لكلّ ملفوظ سرديّ طبيعته الحكائيّة. وقد أقمنا فهم تكوُّن السرد في كتاب «علبة السرد» على هذه الخاصّية، وربطنا اشتغالها بالفعل الحكائيّ في علاقته بالنسق الثقافيّ وسننه الناظمة، لكنّنا سنعمل على ربطها- في هذا المقال- بفاعل السرد (من يحكي الحكاية)، لا بالفاعل داخل الحكاية. وينبغي الأخذ بعين المُراعاة- في هذا النطاق- كون شهرزاد ساردةً- داخليّةً، لا ساردة خارجيّة، لأنّ ما تسرده يتلقّى بوساطة سارد مجهول يُمثِّله من اضطَّلع بكتابة ما روته شفهيًّا. كما أنّها ساردة تنقل ما قرأتْ من حكايات في الكتب، وليست خالقة لها. فمن أين تتأتّى لها خاصّية الاستثناء التي تجعل فعل سردها غير مألوف؟
لا تكمن هذه الخاصّية في كون شهرزاد قد اضطّلعت بمَهمَّة محفوفة بالمخاطر (القتل)؛ فهذا الأمر هو مُجرَّد تبرير فنّيّ لفعل السرد؛ أي أنّه يُستخدم في هيئة آلية من قِبَل مُدوِّن حكاياتِها بغاية تبرير إسنادها إليها، بل تكمن في كونها امتلكتْ في مكتبتها ما لم يُقرأ من قَبْل، وما هو نادر تمتلك وحدها أسراره؛ ومن ثمّة فالذخيرة الحكائيّة التي تتوفَّر عليها غير معروفة، ولا تُمكِن مُضاهاتها، بما يُفيده هذا الأمر من قدرتها وحدها على حكيها، وإلّا كان شهريار قد طلب إحضار الكتب التي تُعَدُّ مصدر قراءتها، وكلّف غيرها بالحكي، ونفَّذ وعده (القتل). وبهذا تُمثِّل شهرزاد استثناء بالنسبة إلى الرجال والنساء معًا. وهذا الاستثناء آتٍ من طبيعة هذه القدرة، ومن ندرة فعل القراءة التي ارتبطت بمكتبة، لا شكّ أنّها مكوّنة من نفائس نادرة. وما ينبغي التنبُّه إليه – في هذا النطاق- أنَّ لا شيء يُفيد في النصّ أنّها تحكي من كتاب مُحدَّد؛ فالمُدوِّن لم يُورد مصادر لحكاياتها؛ الشيء الذي يترتَّب عليه أنّها كانت تسرد حكاياتها من مصادر مُختلفة. وهذا كافٍ لاستنتاج أنّها كانت تتصرّف في ما تحكيه. وهذا التصرّف يتّصف بخاصيتيْن:
أ- الانتقاء الذي كانت تختار بمُوجبه ما هو مُناسب لوضع التلقّي؛ حيث كانت تُحاول ألّا تحكي إلا الحكايات التي بإمكانها أن تشدّ تنبّه شهريار من طريق إدهاشه بغير المألوف، وأن تُغيِّر خبرته التي يُؤوِّل بوساطتها العالم. ب- التنظيم الذي تعمل بمُوجبه على ترتيب سرد الحكايات؛ أي تتابعها في أثناء فعل السرد وفق نظام الأفضلية. كما يتجلّى هذا التنظيم في مُراعاة التوالد الذي يجعل الحكاية تُولد من صلب حكاية أخرى بغاية ضمان الانسجام في تتالي السرد وتماسكه. غير أنَّ هذه الخبرة في التصرّف (الانتقاء- التنظيم)، لا تعني كونها نتاج ذكاء شخصيٍّ، بل هو ذكاء المكتبة؛ أي نتاج تعلُّم من الكتب. ويُفضي هذا الأمر إلى سؤال مهمّ: أتُعَدُّ خبرة شهرزاد السرديّة نتاج مُمارسة قبليّة تُحاول التأكّد من نجاعتها أمام شهريار؟ أم هي تجربة تحدث لأوّل مرّة؟ لا يُوجد شيء يحسم في هذا الإشكال، لكنّ ما يُمْكِن الركون إليه هو أنّها تختبر ما لا يُختبر من قَبْلُ بفعل اضطلاعها بمهامّ لا تتّصل بالإدهاش وحسب، بل أيضًا بتحويل خبرة التأويل لدى الآخر المُمثِّل الأسمى للسلطة. وهذا التحويل كامن في الشكل التوالديّ المُنظِّم للحكايات (خلود العالم لا يكمن في بقائه كما هو، وإنّما في توالد بعضه من بعض). وبهذا تُضاف الحكمة إلى مُحتوى الاستثناء الذي يُشكِّل فعل شهرزاد السرديّ؛ فتصير وريثة سلسلة الحكماء الذين تتشكَّل منهم مكتبتُها.
ب- استيحاء الفعل: نقصد بهذا أنّ شهرزاد هي نتاج مقروء سابق على فعلها الحكائيِّ. وتُذكِّرنا- في هذا الصدد- بإحدى خاصّيات الرواية التي صاحبت ظهورها، وظلّت مُلازمة لبعض من نماذجها إلى اليوم، وتتعلّق بكون الشخصية الروائيّة الرئيسة تستقي منظورها وفعلها من الكتب التي قرأتها. وينبغي ألّا يقود مثل هذا التوصيف إلى الظنّ بأنّ منتوج شهرزاد الحكائيّ يقبل الاندراج في جنس الرواية. ولنا في رواية «دون كيخوته» خير مثال؛ فشخصيتها الأساس هي نتاج رواية الفروسيّة. لكنّ الفرق بين شهرزاد والشخصية الروائيّة – في هذا الصدد- يكمن في أنّ استيحاء فعلها لا يتّصل بالتشبّع بنموذج كتابيّ في العيش، والحضور في الحياة، ومُحاولة تقليده أو اختباره، وإنّما بمُجاوزة حدّها الإنسانيّ من طريق مُشابهة المكتبة، ومُحاولة التحوّل إلى هيئة كتاب مسموع يُمثِّل ذاكرة الحياة، لا ذاكرتها هي، ومن طريق أن تكُون خارقة بفعل قدرتها على أن يكُون فعل حكيها مُشابهًا للتأثير الذي تُمارسه الكتب في القارئ: نقل ما لم يعرف بعد حول العالم؛ ومن ثمّة يكُون فعل حكيها هو الأساس، لا الفعل في الحياة. وأمر من هذا القبيل يُحوِّلها إلى كائن معرفيّ بالدرجة الأولى؛ ومن ثمّة تُجسِّد- وهي تسعى إلى أن تكُون هوية فعلها مُستوحاة من الكتب- لا تناهي هذا الفعل (خلود العالم بوساطة التوالد الذي يشي به توالد الحكايات)؛ فعلى الرغم من كون الحكايات هي مُتناهية بفعل تناهي الليالي (زمن فعل السرد) فإنّ لا شيء هناك يمنع من قبولها الاستمرار بفعل التوالد إلى ما لا نهاية (بورخيس)، وهذه هي حقيقة الحكي أصلًا. وهذا الاستمرار هو ما يجعل من شهرزاد مُستمرّة في الوجود الإنسانيّ، لا العربيّ وحده، بفعل كون هويتها مُنبثقة من المكتبة التي هي عنوان الخلود البشريّ.

٭ أديب وأكاديمي مغربي

شهرزاد والمكتبة

عبد الرحيم جيران

- -

2 تعليقات

  1. … شكرآ لرقي ما نقرأ من مقالات رائعة شيقة و غاية في التحليل الفني الجميل و المفيد .. أسمى التحايا

  2. شكرا صديقي العزيز خالد الحاج على متابعتك القيمة، لما أحاوله من مقاربات مقتضبة، ولك كل البهاء

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left