إحذروا وسائل الإعلام المنومة

وائل عصام

Mar 18, 2017

تعود الجمهور العربي على تقييم مصداقية المعلومة، استنادا لثقته في قائلها دون اخضاعها للمحاكمة والتدقيق، كمن يسأل عن الشيخ صاحب الفتوى قبل أن يفهم مضمون الفتوى نفسها.
ويبدو هذا الامر راجعا لمحدودية معرفة عامة الناس بقضايا بعيدة عن تخصصهم وبيئتهم المحلية، وصعوبة آلية تقصي الحقائق وتتبع صحة الاخبار والتحقق منها، وتأثرهم بنمط محدد وقوالب ذهنية جاهزة، تشكلت على مدى سنين طويلة، بفعل السلطة المهيمنة على المال والإعلام ووسائل تشكيل وقولبة الرأي العام.
ومع ثورة وسائل التواصل التي كسرت احتكار السلطات ونخبها للمعلومة والرأي، بات أمام المتلقي العربي خيارات اكثر لفهم ما يحيط به من أحداث مغايرة لوجهة النظر الرسمية المتمثلة بالإعلام الرسمي، لكن ما حدث أن السلطات واللوبيات المرتبطة بها تأقلمت مع الواقع الجديد ايضا، فكان ان صنعت ومولت منصات إعلامية وابرزت نخبا منتقاة  تبدو وكأنها مستقلة وقريبة من الجماهير، لكنها ليست سوى واجهات جديدة لدكاكين يملكها المقاول  نفسه.
ولكي تستطيع هذه المنصات اقناع الجماهير وتمرير المعلومات بقوالب معلبة انيقة، كان لابد من نسبها لاسماء ذات «طنة ورنة» ترعرعت في حمى السلطة ولا تخرج عن طوعها، وبالطبع لا يستطيع عقل الجمهور، الذي يتابع عشرات المواقع الالكترونية والقنوات والصحف ومراكز الدراسات، أن يشك بأن نمطا ما من المعلومات المتداولة بكثافة هو خطأ ومزيف وموهوم، وهو يصل تباعا من كل هذه الاسماء والعناوين الشهيرة ذات الايقاع الذي يوحي بالثقة، لأنه لا يدرك، ربما، ان كل هذه المؤسسات والمنصات الكثيرة  كما وعددا، هي تابعة بالنهاية لحساب بنكي واحد، او ربما اثنين وسلطة واحدة او ربما اثنتين. والإطار العام لطريقة تناول الملفات الحساسة المتعلقة بتشكيل الرأي بخصوص المسائل السياسية الأساسية، يهدف للحفاظ على حد أدنى من الرضى على سياسات السلطة والتيارات الوسيطة المرتبطة بها، بهدف حماية استقرارها ووأد أي بذور لافكار تدعو للتمرد على سلطة المنظومة القائمة، من خلال خدمة توصيل وجبات مخدرة تحافظ على وعيه تحت السيطرة، وابقائه بحالة اطمئنان كاذبة، بينما هو غارق في طوفان من الطمى.
في مرحلة لاحقة بدأ الناس يكتشفون ويلاحظون هذه العلاقة بين السلطة والاعلام ومنصاته ونخبه الذي توقعت بداية انه مستقل عن منظومة السلطة (ونقصد هنا بالسلطة، ليس فقط الحكومات، أو رجال ظلها ومؤسساتها المدعومة منها، بل حتى تلك المرتبطة بالدول الغربية ومنظماتها الداعمة التي تشكل أحد اضلاع منظومة الامر الواقع، التي تسعى للهيمنة على صناعة الرأي العام وتشكيل الوعي والهوية العربية). وبعد ملاحظة قدر ما من الجمهور العربي لهذه الدعاية التي يمارسها هذا الاعلام شبه الحكومي، وإن بطريقة غير مباشرة، وبعد انكشاف ضحالة الكثير من النخب المزيفة وكساد بضاعتها المخصصة لتخدير وعي الناس، لجأت الدعاية الجديدة لأساليب جديدة، ففي الملف السوري الايراني أصبح الترويج لنجاعة سياسيات الحكومات العربية في إدارة هذا النزاع، يتم من خلال مؤسسات ليست عربية هذه المرة، أو تنتمي للنخبة المقربة من السلطة، بل مؤسسات أجنبية لا يعرف المواطن العربي عنها شيئا سوى اسمها البراق، وقد لاحظت على سبيل المثال لا الحصر، أنه تم الترويج لتحليلات سياسية تبرز وتؤيد السياسات المتبعة من الحكومة التركية، وبعض الحكومات العربية الضالعة بالملف السوري، من خلال مركز دراسات إيراني، وهو مركز دراسات الدبلوماسية الايراني، وتم التعريف بهذا المركز دائما على انه مقرب من الخارجية الايرانية، وتم الاعتماد على تقارير المركز في الترويج لافكار اقرب للدعاية، تصل بالقارئ العربي لتصور تراجع أو حتى انتهاء الخطر والتهديد الايراني في سوريا، بسبب نجاح سياسة الحكومات العربية وتركيا الحكيمة، وهو أيضا احد المصادر التي تم الاعتماد عليها في التمهيد لقبول الجمهور بمفاوضات استانة مع النظام السوري، من خلال تقارير للمركز تتحدث عن اسطوانة الاستقواء بالروس ضد الايرانيين في سوريا، كمبرر للخوض بالمفاوضات، وتقارير اخرى عن غضب الحكومة الايرانية من التقارب الروسي التركي، وتقارير تحدثت عن انتقاد لخطاب وزير الخارجية الايراني، ودور الحرس الثوري في سوريا،  كل هذه الرؤى والتحليلات كانت تقدم منسوبة لمركز مقرب من الخارجية الايرانية، بهدف اقناع الجمهور أن هذه الشهادة بنجاح السياسيات المتبعة في سوريا تأتي من المقربين للخارجية الايرانية، وبالتالي الحكومة الايرانية، اي من افواههم ندينهم، ولا اعرف كيف يمكن أن يصدق أحد أن هناك مركزا ايرانيا ينتقد السياسية الايرانية، ويشيد بالدول المنافسة بالاقليم وهو مقرب من الحكومة الايرانية؟ وكيف يمكن استغفال الجمهور لدرجة ان يقال له ان مركزا مقربا من الخارجية الايرانية ينتقد خطاب وزير الخارجية الايرانية، الا اذا كانت ايران ومراكزها البحثية هي إحدى دول الاتحاد الاوروبي الوارفة الديمقراطية شديدة الاستقلال. طبعا المتلقي والقارئ العربي لن يجد وقتا لتتبع ومعرفة دقة هذه التحليلات، ولن يتقصى امر هذا المركز، لانه بعيد عن الملف الايراني، ولانه يثق غالبا بمن نسق له هذه الوجبة المخدرة، كما غيرها من التحليلات المعلبة لطمأنة الجمهور، فما هو هذا المركز الدبلوماسي الايراني الذي ينتقد السياسية الايرانية ويستخدمه الاعلام للاشادة بشكل غير مباشر بسياسات حكوماتنا الرشيدة في سوريا؟ إنه مركز يديره أحد المعارضين للنظام الايراني هو صادق خرازي، كان مسؤولا سابقا في الخارجية الايرانية، ثم انضم لمعسكر الزعيم المعارض موسوي، الذي تعرض هو وانصاره لقمع شديد من النظام الايراني، وليس للمركز أي موقع في ايران،  بل ان نجاح محمد علي الخبير العراقي بالشأن الايراني، الذي نختلف معه بالكثير من القناعات السياسية، ونتفق معه بتخصصه واطلاعه الغزير على الملف الايراني بعد تجربته العميقة هناك، يقول إن هذا المركز يدار من البيت وليس له حتى أي موقع في اوروبا او الولايات المتحدة، حيث يقيم صادق خرازي .
وهكذا فان مركزا معارضا للنظام الايراني، يديره احد انصار المعارض الابرز موسوي تحول بقدرة قادر لمركز مقرب من الحكومة والخارجية الايرانية، بحيث تؤخذ تحليلاته بجدية كونه مقربا من دوائر صنع القرار، وتنتشر هذه الدراسات المسيسة في الفضاء الشعبي العربي كونها تلامس رغبته في تجنب النظر للواقع المتراجع عربيا لصالح ايران في سوريا، والهدف الاعمق، ان هذه المعلومات الوهمية تجلب القبول والطمأنينة بسياسات الحكومات العربية العاجزة عن حماية العرب السنة والمسؤولة بشكل مباشر عن تزايد الهيمنة الايرانية في الاقليم، دعاية انتقائية باجندات مسيسة تقتل اي محاولة للفهم الموضوعي لحقائق النزاع، بحيث لا يتم تسليط الضوء بكثافة موازية مثلا، على ما قاله معهد دراسات الحرب الامريكي في تقريره الأخير، من ان محاربة المتشددين السنة في سوريا سيكون لصالح ايران، أو ما خلص اليه تقرير المعهد من ان محاولات دق الاسفين بين روسيا وايران في سوريا ستفشل نظرا لدور ايران ونفوذها العميق في سوريا، الذي أسهب التقرير بشرحه من خلال حجم القوى والميليشيات العسكرية الهائلة التي تشرف عليها ايران مع النظام في سوريا، وهذا ما تفاجأ به كثير من العرب المتابعين للشأن السوري عندما تلقوا اعلان اجتماع استانة الاخير عن تثبيت ايران كدولة ضامنة رسمية في المفاوضات، بعد ان كانت روسيا توشك ان تطردها من سوريا، حسب مركز الدراسات الايراني السالف الذكر.
وهكذا فان ما كنا نسمعه عن سياسات الدعاية والاعلام  سابقا بعبارة «الجمهور عايز كده» طورت نفسها نحو مرحلة جديدة «عايزين الجمهور يفكر كده» إنها تقنية صناعة الوهم.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

إحذروا وسائل الإعلام المنومة

وائل عصام

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left