استباحة الخصوصية ورفاهية (البلاش)

د. مصعب قاسم عزاوي

Mar 18, 2017

يستخدم عشرات الملايين من أبناء العرب برنامج فايبر للتواصل في ما بينهم، فرحين بما أتت عليهم به ثورة الاتصالات من خدمات «ببلاش».
من دون أن يتفكر أي منهم في الكيفية التي تقدم بها شركة خدماتها لأولئك الملايين بشكل مجاني، ومن دون إعلانات تظهر لهم، فقط لأن مؤسس الشركة كبير ضباط المعلومات في الجيش الصهيوني، تلمون ماركو، قرر في عام 2010 إنشاء شركة خيرية ينفق عليها من راتبه التقاعدي، الذي لا ينضب، ويغطي بها نفقات تشغيل ألوف المخدمات الإلكترونية، التي تتم الاتصالات من خلالها، والتي يكلف الواحد منها ما لا يقل عن 500 دولار شهرياً، ليعمّ الخير وتغمر الرفاهية كل أبناء المعمورة.
وهي شركة فايبر الإسرائيلية نفسها، التي تمّ شراء أسهمها مؤخراً من قبل شركة يابانية متخصصة بالتجارة الإلكترونية تدعى «راكوتين» بصفقة قيمتها 900 مليون دولار أمريكي، من دون تغيير في البنية التحتية، وفرق تشغيل خدمات الشركة، وصيانة مخدماتها الإلكترونية في تل أبيب، بقيادة الضابط الصهيوني الكبير الآنف الذكر وشركائه، جلعاد وعوفر شاباتي، الذين حصلوا بالتكافل في ما بينهم على ما يعادل 500 مليون دولار من قيمة تلك الصفقة التي تعكس القيمة السوقية الهائلة لخدماتها المجانية «الخيرية».
ولكي لا ينتفض العقل العربي المقاوم من سباته السرمدي، ويومي لجسد حامله بضرورة حذف برنامج فايبر من جهازه المحمول، إذ أنّ الخيرين في عالم التكنولوجيا كثر، وهم بعطفهم الأبوي أغنوا ذلك الجسد الفاني عن الارتهان إلى «فايبر وشركاه» من المغضوب عليهم بعد انكشاف حقيقتهم؛ فالحقيقة المرة بحسب الباحثة جوليا آنجوين في كتابها «أمة شبكة الصياد» هو أنّ كل تلك الخدمات المجانية، سواء كانت من شركة فايبر أو أقانيمها الميسرة من قبيل «واتس آب، إيمو، تانجو، فيسبوك، غوغل ماسنجر.. إلخ، تعمل كلها في حدها الأدنى، على جمع كم هائل من البيانات الشخصية عن مستخدميها، بدءاً من بصماتهم العينية، والوجهية، والصوتية، التي تمكن من التعرف على شخصية أي إنسان بالنظر إلى بعض العناصر في وجهه، أو شكل قزحية عينيه، أو طبقة صوته، مروراً بتحديد كل من يتعامل معهم على المستوى الشخصي، أو المهني، وطبيعة ومحتوى تواصله معهم، وصولاً إلى رسم خريطة تفصيلية لاهتماماته وأفكاره وما يطمح إليه، وتأطير ذلك في دوائر من الأكثر قرباً أو حميمية إلى الأبعد عن ذلك، وصولاً إلى تحويل كل مستخدم إلى ملف مرتبط برمز تعريفي كان في السابق رقم هاتفه الجوال، أو عنوانه الإلكتروني، وأصبح مؤخراً بحسب العالم بروس شنايدر البصمة الصوتية للمستخدم، بحيث أصبح من الممكن دمج البيانات الخاصة بكل مستخدم، سواء تم جمعها من قبل (فايبر وشركاه) أو غيره من الشركات في ملف واحد لاحقاً، يتم عرضه للبيع لكل قادر على الدفع و راغب بالحصول عليه؛ وهو ما تقوم به شركات خاصة عملاقة تدعى شركات مقاولي البيانات الخاصة، مثل الشركة التي قامت بشراء أسهم (فايبر وشركاه) التي تعرض شراء البيانات التي لديها لمن يعرض سعراً مقبولاً من البائع، من دون أي اعتبارات أخرى، بحيث يكون البيع سواء (بالجملة) لأمة من المستخدمين، أو (بالمفرق) لشخص معين، كما كانت تفعل ذلك شركة الاتصالات الدولية «أي تي آند تي» العابرة للقارات، بحسب صحيفة «الغارديان» في عددها الصادر في 25 أكتوبر 2016، للجهات الاستخباراتية بفواتير تصل قيمتها إلى مليون دولار لكل طلبية من المعلومات الخاصة بمستخدم واحد أو مجموعة محدودة من المستخدمين، مع اتفاق خطي موقع مع تلك الجهات الاستخباراتية بعدم التصريح عن مصدر المعلومات الخاصة التي حصلت عليها لكي لا ينكشف الوجه الحقيقي للشركة أمام مستخدميها.
وليست أجهزة الاستخبارات هي العميلة الوحيدة لتلك الشركات، فهناك أكداس هائلة من الشركات الخاصة التي تحتاج للحصول على البيانات الخاصة بعملائها، من قبيل اهتماماتهم وصحتهم وسقمهم، ومستوى ثرائهم، وأنواع البضائع الأكثر تفضيلاً لديهم، فتوجه لهم إعلانات مبرمجة، وتسويقاً ثاقباً يستند إلى فهم دقيق للبنية النفسية والاجتماعية والاقتصادية لذلك المستهلك المحتمل لمنتجاتها، فلا يجد مهرباً من عملية اختزاله إلى مستهلك لا حول له ولا قوة، فهي ضريبة الحد الأدنى الواجب دفعها في سياق رفاهية ثورة الاتصالات.
وفي السياق نفسه لا بد من التطرق إلى القنبلة الإعلامية التي فجرها مؤخراً جوليان أسانج مؤسس شبكة ويكيليكس بكشفه، الذي لم تنكره وكالة الاستخبارات الأمريكية، عن امتلاك تلك الأخيرة لمفاتيح التحكم والسيطرة بكل برمجيات الهواتف المحمولة من نتاج شركة آبل، وتلك التي تعمل بنظام آندرويد، بما يشي وفق منطق استقرائي بديهي، بأن تلك الشركات الأمريكية تقوم بتصميم برمجياتها، بحيث تترك «باباً خلفياً مخاتلاً» بحسب العالم بروس شنايدر في كتابه الأخير «جالوت البيانات» لوكالات الاستخبارات والتجسس الأمريكية لتلج منه، وتأخذ ما تريد من البيانات الخاصة لمستخدمي تلك البرمجيات هي ومن لف لفها في رابطة العيون الخمسة، التي تضم بالإضافة إلى الولايات المتحدة: كندا وأستراليا، ونيوزيلندا وبريطانيا. والأهم من ذلك كله هو إمكانية سيطرة أجهزة استخبارات السيد الأبيض وشركاه بحسب تسريبات ويكيليكس نفسها على إمكانيات التحكم والسيطرة بكل من يستخدم تلك البرمجيات من قبيل السيارات وحوافل النقل الذكية، بما يفتح الباب «لاغتيالات صامتة» مجهولة السبب، بحسب الصحافيتين الطليعيتين نيرمين الشيخ وآمي غودمان، كما كان في حادثة مقتل الأميرة ديانا ومحمد الفايد. كما لو أن تلك الشركات والوكالات الاستخبارية لم يعد يكفيها استباحة خصوصية كل البشر المبهورين برفاهية «البلاش»، ولم تعد راضية بأقل من لعب دور «القضاء والقدر» والتحكم بمواقيت انقضاء صلاحية حيوات البشر.
منذ ربع قرن من الزمن، قدم شيخ العقلاء السوريين المفكر طيب تيزيني أطروحة عن أسس عمل الدولة الأمنية في «إفساد من لم يفسد، وتحويل الكل إلى مدان تحت الطلب»، وهو ما يبدو أنه أصبح مبدأً كونياً لا يخفي وجهه القبيح إلا الرغاء الدعائي والتزويقي في العالم الغربي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان الذي لم يعد ينطلي إلا على كل من أدمن نشوة العقل المستقيل. وقد يشكو قائل – وهو على حق نسبي- بأنه لا مهرب من حبائل الصياد، ولا حياة ممكنة راهناً من دون الوقوع في شباكه. والحق وفق ديوان العقل العربي بأنه « لكل داء دواء يستطب به»، وأن هناك ترياق يمكن اللجوء إليه للوقاية من تلك الأدواء والحد من فوعتها، ولكنها تحتاج البحث والتمحيص، والحيطة والاجتهاد للوصول إليها بحيث يستطيع ذلك الشاكي أن يبقى في موضع وسط، غير منعزل عنه بالمطلق عن نتاج الحداثة الاستهلاكية، ولا مشرعاً كل خصوصياته للتمتع برفاهية «البلاش»، إن كان غير راغب بالعودة بضع سنين إلى الوراء حينما كان قادراً على الحياة والعطاء قبل طوفان استسهال «البلاش».
كاتب سوري

استباحة الخصوصية ورفاهية (البلاش)

د. مصعب قاسم عزاوي

- -

1 COMMENT

  1. مقال أكثر من رائع

    لا بد من التوعية .. على الأقل حتى يعلم الجميع لم هذه الخدمات ((ببلاش))

    شكرا لك

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left