عن القسوة في السياسة

مالك التريكي

Mar 18, 2017

من غرائب ما كشف أخيرا عن علاقة رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي بالساسة أو الموظفين المعروفين باستقلالية الرأي أنها أقالت السياسي المخضرم مايكل هازلتاين من وظيفة مستشار لدى وزارة شؤون الحكم المحلي. هذا رغم أن هازلتاين عملاق من عمالقة السياسة البريطانية على مدى حوالي نصف قرن.
تقلب الرجل في كثير من المناصب الوزارية، وقاد السياسة الصناعية البريطانية باقتدار. وهو من المحافظين الكلاسيكيين الذين يؤمنون بعقيدة «الأمة الواحدة» المتجاوزة للفوارق الطبقية أو الفئوية. كما أنه السياسي الوحيد الذي كان لديه ما يلزم من الشجاعة لتحدي تاتشر بمنافستها على زعامة حزب المحافظين خريف عام 1990، الأمر الذي أدى إلى انهزامها وانسحابها من الحياة السياسية بعد أكثر من عقد كامل من الحكم، ولو أن الذي جنى ثمرة هذا المسعى لم يكن هازلتاين ذاته بل جون ميجور. وقد كان ميجور من الرصانة والوفاء بحيث عين هازلتيان نائبا له في رئاسة الوزراء.
أما سبب قرار تيريزا ماي إقالة شيخ ساسة حزب المحافظين رغم أن الوزارة كانت في مسيس الحاجة للاستفادة من خبرته ومشورته، فهو أنه مؤيد شجاع على الدوام لعضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، بل إنه يمضي إلى حد القول منذ زمن بأن من مصلحة بريطانيا الانضمام إلى العملة الأوروبية الموحدة، اليورو. وهذا في عرف كثير من الساسة البريطانيين كفر صراح! وقد كان من المدهش حقا أن يقول هازلتاين إنه لم يتح له أن يقابل تيريزا ماي ولو مرة واحدة. وهذا مؤشر على أن توقير كبار الساسة وتقدير الناس حق قدرهم ليسا من خصالها. وربما تتضح شخصيتها أكثر إذا عرفنا أنها أصرت على إقالة وزير المالية السابق جورج أوزبورن، رغم أن العرف جرى بأن يستقيل وزراء الحكومة المنصرفة. ولكن مساعديها والمتحدثين باسمها أصروا على إخبار الصحافيين بأنه أقيل قبل أن يستقيل. والسبب معروف. وهو أن هذه المرأة حاقدة على سلفها ديفيد كامرون إلى حد أنها لم ترض بأقل من «تطهير» الحكومة الجديدة من كل خلصائه، هذا رغم أن كامرون كان سخيا معها بمنحها وزارة الداخلية، ورغم أنها كانت، من الناحية الرسمية، مؤيدة لموقفه الداعي، أثناء حملة الاستفتاء، إلى الحفاظ على العضوية الأوروبية.
صحيح أن الحكم يستدعي قسوة. ولكن هذه قسوة لا داعي لها، كما نبهها معظم المراقبين البريطانيين. ومن الصعب تبيّن ما إذا كانت مثل هذه القسوة صادرة عن تقدير للمصلحة السياسية أم عن طبع متمكن في النفس. ذلك أن السياسي المتميز مايكل بورتيلو قال مرة إن تاتشر كانت قاسية، بل وفظة أحيانا، مع الساسة والوزراء والمساعدين. ولكنه روى أنه شاهد هذه «المرأة الحديدية» تنحني في قاعة مجلس الوزراء لتلتقط من على الأرض فنجانا وقع من يد إحدى الخادمات. وضعت تاتشر الفنجان على الطبق الذي في يد الخادمة وابتسمت لها وربتت على كتفها. والأكيد أن مثل هذه الالتفاتات والانتباهات لا يمكن أن تصدر إلا عن إنسان له إحساس بالناس وقدرة على وضع نفسه موضع الآخرين. وهذا لعمري من فضائل الشرط الإنساني عندما يتحرر من أنانية التمركز الذاتي.
وليس مايكل بورتيلو نفسه ببعيد عن هذا السمت الإنساني. فقد كان نجم حزب المحافظين في التسعينيات، وكانت له حظوة عند جمهور النساء، وتولى وزارات هامة مثل الدفاع وكان يتوقع له أن يصير يوما رئيس الحكومة. فقد كان من مجموعة الشباب الذين قربتهم تاتشر وقدرت مواهبهم. ولكنه سرعان ما ترك ذلك كله ليخصص وقته وجهده للصحافة التلفزيونية. ويكفي أن تسمع آراءه في السياسة الداخلية والدولية كل ليلة جمعة أثناء محادثاته ومناوشاته الودية مع الصحافي اللامع أندرو نيل على البي بي سي حتى تدرك مدى حصافة هذا الرجل ذي الأم الاسكتلندية والأب الإسباني. فقد كان أبوه معارضا لحكم فرانكو وأتى بريطانيا لاجئا سياسيا ثم عمل في القسم الاسباني بهيئة الإذاعة البريطانية في بوش هاوس، أي في نفس المبنى الذي كان الكاتب البريطاني جورج أورويل، صاحب رواية 1984، يبث منه أحاديثه أثناء الحرب العالمية الثانية، والذي عمل فيه الكاتب السوداني الطيب صالح رحمه الله رئيسا لدائرة الدراما في القسم العربي، أيام كان راديو «هنا لندن» مدرسة إذاعية تستقطب أعلى القامات وترسّخ جميل العادات، وتلقى لدى جماهير العرب آذانا صاغية للخبر الموثوق وأفهاما واعية للتعبير المحكم.

٭ كاتب تونسي

عن القسوة في السياسة

مالك التريكي

- -

1 COMMENT

  1. مايكل بورتيللو كان مرشح ان يصبح رئيس وزراء لكن ظهور ميوله المثيليه عنده حال دون ذلك
    كان هذا رسميا في الاعلام البريطاني قبل ٢٥ عاما وليس سرا

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left