عمد واعتمد

هادي حسن حمودي

Mar 18, 2017

الإسراع إلى التخطئة عادة لدى بعض الكاتبين الناقرين والناقدين، فكأنهم يعتقدون أن تخطئة الآخرين تثبت لهم الفضل والعلم. ويا ليتهم علموا أن الفضل والعلم لا يتأتيان من تخطئة ما لا يقع في دائرة الخطأ.
الذي دعاني إلى كتابة الكلمات السابقة أن الذي نقد تحقيقي لمجمل اللغة، حكم بالخطأ على قولي: إن اعتماد المؤلف على سند الرواية.. إلخ. وطالبني بأن أقول: إن اعتماد المؤلف سندَ الرواية، مقررا أن الفعل يتعدى إلى المفعول بلا حرف جر. فهل الأمر كذلك؟
تعال معي:
هذا اللفظ من الجذر (عمد) وهو من أوسع الجذور اللغوية استعمالا، ومن أكثرها تشعبا وتفرعا. ولكن في إطار دلالي واحد هو: القصد، كما في: عمَدتُ فلانا، أي قصدت إليه. فالفعل هنا يتعدى بنفسه إلى مفعوله. فهل من الخطأ أن تقول: عمَدتُ إلى فلان بحاجتي، أو اعتمدت عليه لقضائها؟ كلا، ليس من الخطأ. وسترى.
وعمَدْتُ الشيءَ: أسندته. والشيء الذي أُسند إليه: عِماد وعمود، وذكروا الجمع عَمَدٌ وعُمُدٌ وأعمدة. ولكننا نرى فروقا بين معاني هذه الألفاظ، إفرادا وجمعا.
وانتقل مجازا إلى استعمالات أخرى، منها: عَمود الأمر: قوامه الذي لا يستقيم بغيره. وعميد القوم وعمودهم: سيدهم، ومُعتمدهم الذي يعتمدونه (أو يعتمدون عليه) إذا اشتدّت عليهم الظروف: بمعنى يفزعون إليه. ومثله: عُمدة قومه. وتقول: فعلت هذا الأمر عَمْدا، أي قصدا مستقيما مباشرا، وكأنك اتخذت من إرادتك سنادا وعمادا لك في ذلك الفعل. ومن استعمالاتهم له في المجاز، قولهم: اعتمد ليلته: إذا ركبها يسري فيها.
وتطور هذا الاستعمال بالدلالة ذاتها، فسمي المريض عميدا، وهو معمود، أي الذي لا يستطيع الجلوس إلا أن يُعَمَد من جوانبه بالوسائد وما إليها. هكذا ذكر المعجميون. والأوفق أن يكون العميد المريض الذي يسند نفسه بنفسه بوسائد وغيرها، فإذا أسندته أنت أو غيرك فهو معمود. وانتقل مرة أخرى إلى العاشق الذي أضناه العشق فصار كالمريض، ومنه بيت الأخطل:
بانت سعاد فنومُ العين تسهيدُ
والقلب مكتئبٌ حرّانُ معمودُ
والعميد: الشديد الحزن، يقال: ما عمَدَك؟ أي ما أحزنك؟ والعميد والمعمود: الذي يكاد العشق يهلكه. ويعمَدُك فلان: يُسقطك ويذمك ويشتدّ عليك. وهذا نتيجة من ذاك.
وذكر الخليل بن أحمد أن العَمْدَ أن تَعْمِدَ الشيءَ بعِماد يُمسكه، ويعتمد عليه. لاحظ قول الخليل: ويعتمد عليه. فلنضع هذا الاستعمال في ذاكرتنا ونواصل.
مثله ما ذكره ابن منظور في لسان العرب: اعتمد على الشيء: توكّأ. والعُمدة: ما يُعتمد عليه. واعتمدت على الشيء: اتكأتُ عليه. واعتمدت على صاحبي في كذا أي اتكلت عليه. ويقال: استقام القومُ على عمود رأيهم، أي على الوجه الذي يعتمدون عليه. واعتمد فلانٌ فلانا في حاجته واعتمد عليه في قضائها.
والذي أراه أنّ معنى الاعتماد في جملة: إن اعتماد المؤلف سند الرواية.. إلخ.، معنى يقترب من معنى أنه وثق بذلك السند، مكتفيا بتلك الثقة. أما اعتمد على سند الرواية فيتجاوز الثقة إلى البناء عليها والسير بها قدما إلى الهدف الذي يريده المؤلف. فالتركيب مع حرف الجر أكثر دلالة وأعمق معنى. ومن سديد الكلام أن تقول لصاحبك إذا كانت له حاجة يريد قضاءها: اعتمدْ على ربك في قضاء حاجتك. وليس من السديد أن تقول له: اعتمد ربك.
من جهة أخرى فإن قولك: عَمدتُ إلى فلان بحاجتي، أو اعتمدتُه، يعني أنك تستعين به، من أجل قضائها، ولكنك لست متأكدا من أنه سيقضيها. أما إذا قلت: اعتمدت على فلان، فيعني أنك ترجح أنها سوف تقضى. كما لو قلت: اعتمدت على العصا في نهوضي. ولا يصح أن تقول اعتمدت إلى العصا في نهوضي.
أبعد الله عنكم وعنا كل العصي وجنّبنا الاعتماد عليها نهوضا ومسيرا وتأديبا.

٭ باحث جامعي عراقي – لندن

عمد واعتمد

هادي حسن حمودي

- -

2 تعليقات

  1. مقال نافع وله منهج. يا سيدي الأستاذ انتشرت ثقافة الإساءة، والرد على كل واحد متعب. وأعرف أنك تعرضت للكثير من الأذى ولكنك مضيت في طريقك المستنير. فتنير لنا لغتنا وتقوم ثقافتنا. وإلا هل من المعقول أن يحكم الناقد على قولك (اعتمد على) أنه خطأ؟ وكيف يكون خطأوفقك الله.

  2. عزيزي الغالي الدكتور سالم عمار من الجزائر، أشكر مشاعرك الطيبة. ولا يسلم امرؤ من نقص. ولذلك نتحاور بهدوء وتعقل وتأنّ، ونضع في الاعتبار احتمال سهو الناقد، إلا إذا ثبت أن النقد عنده تحول إلى نقر. والله الموفق للخير.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left