حروب السرديات

خيري منصور

Mar 18, 2017

ما أعنيه بالسرديات في هذا المقام قد يبتعد عن السياقات الأدبية التقليدية، فهو أقرب إلى التاريخ في بعده السياسي، والسردية الوطنية هي الترجمة العربية المقترحة لما يسمى ناراتيف بالإنكليزية، وهي الحكاية الوطنية المتعلقة بأحداث فاصلة وفارقة كالاستقلال، وما ترسخ منه في الذاكرة القومية.
وحروب السرديات قائمة منذ زمن بعيد، وهي أشبه بحرب باردة، لكن من طراز آخر وبأسلحة وأدوات مختلفة. والسردية هي القماشة أو المادة الخام التي تنسج منها الهوية، ونحن في هذا العصر نشهد توترا غير مسبوق في نزاعات الهوية وسجالاتها، ما دفع العديد من المثقفين في مختلف اللغات إلى طرق هذا الباب، بدءا من داريوش الإيراني حتى أمين معلوف مرورا بإسحق دويتشر وبيل أشكروفت وبال أهلواليا، حيث تراوحت أوصاف الهوية بين الموتورة والقاتلة والخانقة والمضادة والقائمة على المفارقة.
وعلى سبيل المثال كانت مقاربة دويتشر للهوية اليهودية، التي حملت عنوان اليهودي اللايهودي، مثارا لاستنكار بن غوريون الذي رفض مصافحته عندما التقاه، بسبب مقاربته المضادة للهوية، إضافة لكونه لم يكتب باللغة اليديشية.
أما أمين معلوف فقد توصل إلى البوتقة الحضارية الصاهرة لعدة مكونات، جسّدها هو نفسه كعربي مسيحي ووريث للحضارة الإسلامية، إضافة إلى كونه يكتب بالفرنسية. وقد تكون مقاربة بيل أشكروفت حول مفارقة الهوية التي كان إدوارد سعيد موضوعها ونموذجها، هي الأقرب إلى التعبير عن الهويات في مرحلة ما بعد الكولونيالية، وحين تقول مجلة «النيوزويك» في وداع القرن العشرين عام 1999 إن إدوارد سعيد واحد من أهم النقاد في القرن العشرين، فذلك أمر له دلالة، بحيث تصبح إنسانوية سعيد وعالميته متجاوزة لأي تعريف يحتكم إلى الجغرفة أو التضاريس السياسية لهذا الكوكب. وكان إدوارد سعيد من أوائل من تنبهوا إلى حرب السرديات، وإن كانت مقاربته قد انحصرت في السرديتين الصهيونية والعربية لما جرى خلال ما يقارب القرن .
ولو أردنا استحضار أمثلة عن تناقض السرديات الوطنية فهي كثيرة، منها السردية التركية ذات الجذور العثمانية، حول الدراما الأرمنية الشهيرة. ومنها أيضا سردية الرجل الأبيض في أمريكا مقابل سردية الهندي الأحمر الذي لخص سرديته وجسّدها في متحف، وهناك أيضا السردية الفرنسية مقابل السردية الجزائرية، في حرب استقلال دامت أكثر من مئة وثلاثين عاما، وحروب السرديات قد تنتهي إلى حروب كلاسيكية إذا ما بلغت ذروة التناقض تماما. كما أن حروب الأيديولوجيات في القرن التاسع عشر انتهت إلى حروب كونية في النصف الأول من القرن العشرين، وكأن ما باضته الأيديولوجيا في ذلك القرن فقس بعد قرن عندما وجد الحاضنة الدافئة والملائمة.
وهناك سرديات وطنية لا تقبل التشكيك أو التأويل السياسي، كالسردية الجزائرية التي اقترنت بأكثر من مليون شهيد وشهيدة، وكذلك السردية الفلسطينية التي لم يتوقف نزيفها بعد، والتي مرت بإضرابات قد تكون الأطول في التاريخ، كإضراب عام 1936 وبانتفاضات يتعذر تحقيبها أو تقطيع أوصالها، بحيث تصبح أولى وثانية وثالثة، فهي انتفاضة مستمرة لكن بإيقاعات مختلفة.
إن أوثق الحراكات في التاريخ بالسردية الوطنية هي حروب الاستقلال، التي كانت باهظة التكلفة، بحيث فقدت بعض البلدان نصف سكانها في تلك الحروب، لكن المفارقة في سجال السرديات أو تحولها إلى نزاعات وحروب، هي أن سردية المحتل أو المستعمر غالبا ما تكون ملفقة من الميثولوجيا والتاريخ، بعكس سردية الضحية التي هي من لحم ودم ومن صميم التاريخ غير المشوب بأي خرافة.
ولو أخذنا السردية الصهيونية مثالا فهي تنبع من خارج التاريخ، ولها مصب متخيّل قد يكون خارج هذا العالم، لأن مرجعياتها غيبية وقائمة على وعدين، أحدهما أرضي تحقق وهو وعد بلفور قبل قرن، والآخر ملفق وله صلة بما يسمى أرض الميعاد، وهي أرض لا حدود لها لأنها مطاطة، تضيق أو تتسع تبعا لميزان القوى، فما كان أرض الميعاد حتى عام 1967 هو المحتل من فلسطين عام 1948، ولو استطاعت أن تتمدد إلى ما هو أبعد لاتسعت وتمددت معها أرض الميعاد.
إن سردية الضحية قد تكون بليغة ومشفوعة بقرائن ووعي مفارق لسردية الجلاد، وهي أيضا نبيلة لأن الضحية تعلن العصيان على ثقافة جلادها وتعاليمه الدموية، تماما كما فعل مانديلا حين حوّل الضحية إلى معلم ومثال في الصفح عند المقدرة، بعكس السردية الملفقة في الأطروحة الصهيونية، حيث أصبحت الضحية تلميذا نجيبا للجلاد، اقتفت خطاه وتجاوزته في بعض المواقف. لكن سردية الضحية حين تكون عزلاء وسلبية وقائمة على الأنين فقط، فإنها تبقى في نطاق المسكوت عنه تاريخيا، لهذا فالثقافة بكل إفرازاتها وتجلياتها هي سلاح السردية المفترى عليها والتي يجري طمسها أو تغييبها، هذا على الرغم من أن كل ما أنجزه الرجل الأبيض من تقدم علمي لم يحجب سردية ضحاياه من السكان الأصليين.
إن حرب السرديات تفضي بالضرورة إلى نزاع الهويات، فالغالب يسعى إلى تكريس ما حققه بالقوة وتحويله إلى أمر واقع، أما المغلوب، فهو إما أن يتفوق على شروطه أو يكون ضحيتها وفقا للأطروحة الخلدونية.

٭ كاتب أردني

حروب السرديات

خيري منصور

- -

1 COMMENT

  1. عادة ما ينجح الأكثر وعيا وقوة في الترويج لسرديته والضعيف والفاقد لعناصر الهوية نجده أقل اهتماما في الدفاع عن سرديته وهذا ما نلمسه اليوم في عالمنا العربي.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left