ما الذي تخسره الإنكليزية وسليم بركات خارجها؟

محمود حسني

Mar 18, 2017

منذ نشر الأديب الكردي السوري سليم بركات (1951) مجموعته الشعرية الأولى «كل داخل سيهتف لأجلي، وكل خارج أيضًا» (1973) في بيروت، أحدثت لغة ذلك الفتى الكردي ـ الذي كان لا يزال في الثانية والعشرين من عمره، الدهشة الطفولية تملأ عينيه، والبراءة لم تستطع إخفاء بريق ذكائه وعلو موهبته ـ  أثراً عنيفاً في الوجه الراكد للمشهد الشعري العربي عموماً، والسوري على وجه الأخص، حتى أن أدونيس رئيس تحرير مجلة «مواقف» وقتها، قال عنه: «هذا الفتى الكردي يحمل مفاتيح اللغة العربية في جيبه».
أتى سليم وهو لا يزال في أوائل العشرينات مِن العمر، حاملاً معه لغة شِعرية شديدة الخصوصية، طاغية وآسرة وصارخة، متمرِّدة، مُهندسة ومركَّبة على نحو غير معهود حتى في بيروت التي كانت حينها، في سبعينات القرن الماضي، عاصمة الحداثة العربية.
أظهرت قصائد سليم الأولى موضوعات كردية غير مألوفة للقارئ العربي قبل الغربي. تناول فيها بغرائبية وخياله موضوعات يشتبك فيها التاريخ والجغرافيا، الحكاية والأسطورة. ثم أخذت تتأثر بكل الأمكنة التي حلّ فيها، في نيقوسيا بقبرص، وغابة سكوغوس ـ ستوكهولم بالسويد، ينثر من تراث المكان، حكاياته الشعبية وأساطيره، الإغريقية والإسكندنافية، مازجاً إياها بتلك السمات الأولى من التراث العربي والحكي الشعبي الكردي.
 
أعماله تتنفّس ككائنات حيّة

قصائده ليستْ غير مألوفة في موضوعاتها وفقط، ولكنها كذلك في بنيتها ورؤيتها للغة العربية؛ قصائد تتشكّل وتُخلق مِن جُمَل عصبية مشدودة متوترة مُتشّظية على نحو غير معتاد. وبالإيغال في دفق الشعري منذ بداياته وحتى آخر دواوينه «الأبواب كلّها»، يصبح الأمر وكأنك أمام نهر لا يتوقف عن الجريان. وبدلا من أن يحمل كل ديوان عدة قصائد، أخذ ينحو نحو المزج بين الشعر والنثر حدّ اختفاء أثر لطغيان نوع على آخر، كما في «الكراكي». وحين نصل إلى أعماله الشعرية المتأخرة سنجد الحضور القوي للقصيدة/الديوان «شمال القلوب أو غربها»، «سوريا»، «الغزلية الكبرى»، وصولاً إلى «الأبواب كلها». ثمّة دفق يأخذك في تياره القوي، العنيف، المهندس على نحو يجعلك ذاهلاً أمام كل هذا الخيال المستنبت من كل شيء، من كل كلمة، جملة، وفقرة، حتى أن طريقة استخدامه لعلامات الترقيم تؤثر بوضوح في هندسة النص.
ليست فقط قصائده هي التي تظهر على هذا النحو، بل رواياته أيضاً تتمسّك بالكثير من هذه السمات نفسها وتتجاوزها، لضرورات خلق العالم والحوارات والتنقل بين السرد والمحادثة ومعمار الرواية الذي يحتاج إلى رؤية للنص أكثر شمولاً واتساعاً من العمل الشعري الأكثر ذاتية بطبيعة انشغاله. أعمال سليم الروائية تبدو كنصوص ملحمية من حرارتها واحتكاكات مساراتها؛ وإن لم تنطبق عليها المواصفات التقليدية للملحمة. نجد أنفسنا أمام لغة تتدفق كالطوفان، لكنها في الوقت نفسه تتجنب الاستسهال والميل إلى العادي والمألوف. لغة يظهر عليها كمّ وفير مِن البلاغة والاشتغال الاستثنائي على المفردات والصياغات التي تبدو وكأن سليم ينفخ فيها مِن روحه، فيُحييها من قلب المعاجم المهجورة، ويعيد استخدامها على نحو آسر.
يفرض بركات على النقد الذي يتناول أعماله خروجاً عن المألوف. فنصوصه تقف وحدها في مكان خاص مغاير عن النصوص الحداثية العربية الأخرى. حتى أن الشاعر الفلسطيني وصديقه المقرب محمود درويش كان يسأله بحيرة: «ما مصادر لغتك؟ ما مصادر خيالك؟». كما كتب درويش قصيدته الشهيرة «ليس للكردي إلا الريح»، في «ديوان لا تعتذر عمّا فعلت»، متحدثًا فيها عن بركات؛ وكم يبدو فيها درويش مأخوذاً بكل تفاصيل عيش سليم ونصّه في الوقت نفسه.
 
اللغة العربية ـ وطنه الحقيقي

لا يبدو بركات مُقيماً في اللغة فحسب، بل يبدو وكأنه كائن لغوي. فاللغة عنده هي أرض ودم وشهوات، وهواجس. هي كل هذا الفوران الساخن الذي يجتاح ما يكتب على اختلاف أشكاله. وهكذا ظل الرجل منذ أوائل عشرينات عمره وحتى تخطيه الخامسة والستين يُسطِّر على صفحات أعماله ملحمة الوجود الأرضي، بكل ما تحمله معها من صراعات ومعارك ونباتات وأحجار وحيوانات وشهوات جموحة وأفلاك دوارة.
46 عملاً تتقسّم في واحد وعشرين مجموعة شعرية، وسيرة طفولة، وأخرى عن الصبا، وكتاب مقالات، وكتاب نصوص، و22 رواية، في تراجيديا أدبية ذات خصوصية فريدة ليست في الأدب العربي فقط، بل في الأدب العالمي المعاصر على اختلاف لغاته، في الخمسين عاماً الماضية. ومنذ كان في القامشلي، شمال سوريا، مروراً بدمشق، وبيروت، ونيقوسيا، وصولًا إلى ستوكولهم، ظلّت اللغة العربية هي وطن سليم الدائم. وطنه الذي حمله معه إلى كل الأمكنة التي أقام فيها. ظلّت هي وطنه الوحيد الذي لم يتخل عنه في كل مرة تخلّت عنه الأمكنة.

غويتيسولو: «الريش» وليمة أصيلة

أتذكر حين تُرجمت رواية «الريش» إلى الإسبانية، كتب مقدمة الترجمة الأديب الإسباني الكبير خوان غويتيسولو، الذي قال في نصّ ترحيبي عميق عن سليم بركات كتجربة أدبية، وعن رواية الريش على نحو خاص: «نثر سليم بركات، مثل نثر ليزاما ليما، هو هدية ابتكارات دائمة، وصور مستوحاة، واستعارات أخّاذة، وانعطافات غير متوقعة، وشرارات شعرية، وتحليقات مجنحة. إنه مزيج فريد من الواقع والحلم، الأسطورة والحدث المرير، لا يطيع قوانين الزمان، ولا قوانين المكان».
ويردف غويتيسولو: «يتجول سليم بركات حراً طليقاً في الجغرافيا والتاريخ، حيث المعالم خاطفة ومتبدلة: كردستان، التي راودها الحلم ألف مرّة، تتقاطع مع قبرص الإقامة؛ الطفولة مع الرشد، والواقعي مع الغرائبي. ‘مم’، الشخصية الرئيسية، يتحوّل على مدار الرواية، فهو مرة يصبح عصفوراً، ومرة أخرى ابن آوى، يُحادث البشر والحيوان. وإبداع بركات الأكثر حرّية يعبر كلّ حدود الممكن والمعقول».
ويكمل: «رواية الريش عمل فريد. ونسيجها الغنيّ والجميل لا يدين بفضل لوليام فوكنر أو لغابريال غارسيا ماركيز مثلما اعتدنا أن نقول في محاولة لفهم خصوصية أدب سليم بركات. فكثافتها الأدبية تتغذى من الأساطير، والخرافات، والاستذكارات الصوفية، واستعادة كوارث الحاضر والماضي، التي تعيد نسج التاريخ المُحزن للقرية». ويُنهي غويتيسولو حديثه: ‘الريش’ وليمة أصيلة لنا، نحن النوع الموشك على الانقراض، عشّاق قراءة وإعادة قراءة كلّ إبداع روائي عظيم».

غياب عن الإنكليزية

نتذكّر هذا الحديث، وهذا الإنتاج الأدبي المهول، مع تخطّي سليم الخامسة والستين من العمر، وهو منذ ما يزيد عن الـ 17 عاماً في عزلته بغابة سكوغوس، ضاحية ستوكهولم بالسويد. ورغم تلك العزلة، وجدت أعماله طريقها إلى الترجمة إلى السويدية، الإسبانية، القطلونية، الفرنسية، الكردية ، والتركية أيضًا.
نتذكر هذا كلّه ونشعر بإحباط لأن أحد أكثر الأدباء خصوصية وفرادة ممن هم على قيد الحياة، ليس في الأدب العربي فقط بل في الأدب العالمي، لا يتوفر له عمل كامل متاح باللغة الإنكليزية حتى هذه اللحظة، سواء من أعماله الشعرية أو الروائية. نتذكر هذا كلّه ونتذكر معه الصعوبات التي واجهها جيمس جويس، ومارسيل بروست، وماركيز، وفوكنر في ترجمة أعمالهم.
نتذكر هذا ونفكر في أن الإنكليزية، أكثر اللغات انتشاراً في العالم، لا يزال قرّاؤها لا يستطيعون الوصول إلى أدب سليم بركات؛ وكم يحمل هذا من إحباط لهؤلاء القرّاء، الذين لا ينحصرون في المهتمين بالأدب العربي وفقط، بل يمكن ان يشملوا كل قارئ مهتم بالتجارب الأدبية الاستثنائية المكتوبة في لغات غير الإنكليزية، وفي والثقافات الأخرى خارج الأنكلوفونية.
هل يجب أن ينتظر هؤلاء أن يحصل سليم بركات على نوبل، كي يبدأ وقتها ناشرو اللغة الإنكليزية في ترجمة أي من أعماله؟

ما الذي تخسره الإنكليزية وسليم بركات خارجها؟

محمود حسني

- -

3 تعليقات

  1. ان سليم بركات هذا السوري الكردي هو أفضل من كتب باللغة العربية اليوم التي هي موطنه وموطننا جميعا، هي حاضنتنا وماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، لم يبق لنا سواها في هذا الزمن الرديء، ان سليم بركات المبدع وان كان ينحو نحو انفصالية كردية فهو ملتحم مع العربية كما كان امير الشعراء احمد شوقي، وعباس محمود العقاد، ومحمود تيمور، وجميعهم اكراد وسواهم ممن ساهموا في رفعة الادب العربي، ونحن نفتخر بهم جميعا فهذه اللغة المقدسة لغة الضاد هذه اللغة المحيط التي كلما غصت فيها اكتشفت عوالم كثيرة ولم يتجرأ احد ان يقول بأنه يلم بها سوى المتنبي الذي قال انام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم، وحتى سيبوية صاحب الكتاب قال اموت وفي قلبي شيء من حتى، واعتقد شخصيا ان الشخص الثاني بعد المتنبي من يحق له ان يقول ذلك هو سليم بركات

  2. “الشخص الثاني بعد المتنبي”… !!؟؟
    “امبراطور اللغة العربية بلا منازع″… !!؟؟
    هذا هو التقييم الأدبي العربي النموذجي…
    إما صعود إلى قمة القمم… وإما هبوط إلى أسفل السافلين…
    ليس هناك حلول وسطى على الإطلاق…
    كما يقال في اللهجة السورية الحلبية الشيّقة…
    “لك إشُّو هاد… إي تخَّنتوها كتير يحرئ حريشكن”… !!؟؟

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left