خبراء يدقون ناقوس الخطر حول وضعية التعليم في المغرب

فاطمة الزهراء كريم الله

Mar 18, 2017

الرباط ـ «القدس العربي»: بالرغم من الجهود التي يبذلها المغرب لإصلاح قطاع التعليم وإنقاذ المدرسة المغربية على مدى عقود، وبالرغم من الميزانية التي تخصصها الدولة لدعم القطاع والتي وصلت إلى 25.4 في المئة من الميزانية العامة، فإن خبراء يدقون اليوم ناقوس الخطر الذي يحدق بالمنظومة التربوية، بعد دراسة المجلس الأعلى للتعليم للتربية والتكوين والبحث العلمي، التي كشفت عن معطيات صادمة لواقع التعليم في المغرب.
وقد كشفت الدراسة التقييمية، والتي خصت التلاميذ الذين يتابعون دراستهم في مستوى سنة أولى ثانوي، أن 98 في المئة من التلاميذ ينحدرون من أسر فقيرة ومتوسطة، مقابل 2 في المئة فقط ينحدرون من أسر ميسورة.
وأن 9 في المئة من التلاميذ آباؤهم متقاعدون، و5 في المئة منهم آباؤهم لا يتوفرون على عمل قار، في حين أن ثلث التلاميذ آباؤهم غير متعلمين، أما نسبة الأمهات المتعلمات فتجاوزت النصف بنسبة 52 في المئة.
وقالت الدراسة، التي شارك فيها ما يقارب 34 ألف تلميذ من مدارس حكومية وخاصة، وما يزيد عن 4.500 مدرس بالإضافة إلى 543 مديرا ومديرة، إن ثلاثة أرباع التلاميذ يتجاوز سنهم القانوني 15 سنة، أي يتجاوز السن القانوني لهذا المستوى، وأن 38 في المئة من التلاميذ كرروا (أي رسبوا) على الأقل مرة واحدة في مسارهم الدراسي. وأكدت الدراسة نفسها، أن تلاميذ الآداب والعلوم الإنسانية في التعليم العمومي لم يكتسبوا الكفاءات اللغوية، خاصة في اللغتين العربية والفرنسية المطلوبة في مناهج التعليم الرسمي، كما أكدت أن أدنى مستوى مسجل هو الذي يهم اللغة الفرنسية، الذي لم يتجاوز 23 في المئة في التعليم العمومي.

ضرورة وقف النزيف

رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، عمر عزيمان، دعا إلى مضاعفة الجهود من أجل وقف نزيف التدهور وتأهيل المدرسة المغربية، مؤكدا أن إصلاح منظومة التعليم «أصبح اليوم أكثر حتمية وإلحاحا لتفادي وضع كارثي على الصعيدين الاجتماعي والسياسي».
وقال، خلال ملتقى وكالة المغرب العربي للأنباء لمناقشة موضوع «أي استراتيجية من أجل مدرسة الجودة والتفوق البيداغوجي» إن «استمرار منظومة التعليم في وضعها الحالي، سيؤدي إلى تفاقم ظاهرة الهدر المدرسي والأمية والجهل، ومن ثم تفاقم جميع المشاكل السياسية والاجتماعية الخطيرة التي تنجم عن ذلك مع ما ينتج عنها من تراجعات حتمية عن المكتسبات الوطنية».
وجاءت هذه الدراسة في وقت أثارت فيه مصادقة الجمعية العامة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين، على مشروع الرأي بشأن القانون الإطار للمنظومة التربوية المتعلق بإلغاء مجانية التعليم العالي والثانوي، وهو المشروع الذي اعتبرته العديد من الأصوات الرافضة له، بأنه مشروع معزول وعبثي لا يلائم المعايير السوسيولوجية والتحولات الاقتصادية التي يعرفها المجتمع المغربي.

مسؤولية جماعية

ويرى مراقبون أن التعليم في المغرب في ظل غياب بديل إصلاحي شامل، أصبح يعيش أزمة بنيوية تجعل وضعه متجاوزا ومنحصرا في تعليم القدرات على الكتابة والتهجي والحساب وتفريخ أفواج العاطلين. وفي هذا الصدد، قال عبد العالي مستور رئيس «منتدى المواطنة» في تصريح لـ«القدس العربي» إن «هناك إجماعا على مستوى جميع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، على أن التعليم المغربي يعيش مجموعة من الإكراهات والصعوبات على مستوى المناهج والبرامج التربوية، وعلى مستوى المؤسسات والفضاءات التعليمية».
وأضاف أن «الجميع اليوم يتحمل مسؤوليته لما وصل إليه التعليم في المغرب، انطلاقا من الدولة المغربية والحكومة وجميع مكونات قطاع التربية والتكوين على مستوى الوزارة والأكاديميات والمؤسسات التعليمية، والأسر، والمجتمع المدني، والفاعلين الاجتماعيين والثقافيين والمبدعين والفنانين، الجميع اليوم مطالب بتحمل مسؤولياته ومضاعفة جهوده لإنقاذ المدرسة المغربية».
ليست هذه هي المرة الأولى التي تشير فيها تقارير سواء من داخل المغرب أو من خارجه، إلى ما يعانيه قطاع التعليم في المغرب من تراجع، خصوصا في مجال التحصيل والاستيعاب. حيث صدر سنة 2014، تقرير عن منظمة «يونيسكو» صنف فيه المغرب ضمن أسوأ دول العالم في مجال التعليم، بسبب ضعف المهارات التعليمية الأساسية التي يتلقاها التلاميذ في مدارسهم، ولا يتعلمون ما يلزمهم من مهارات أساسية في القراءة والرياضيات.
كما صدر في 2008 تقرير عن البنك الدولي، صنف نظام التعليم المغربي في الرتبة الثالثة ما قبل الأخيرة بين الدول العربية، لأنه لا يلقن التلاميذ ما يحتاجونه من مهارات مطلوبة، وهو ما يترتب عنه مستقبلا ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الخريجين الذين لا يجدون لهم مكانا في سوق العمل، بسبب ضعف مهاراتهم المهنية والعملية. وظل المغرب، طوال العشرية الماضية، يحتل المرتبة ما بين 126 و133 من أصل 187 بلدا في مجال التعليم.
وظل موضوع إصلاح المنظومة التربوية، منذ الاستقلال، يشكل التحدي الأكبر والرهان الأساسي لبلوغ التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة، كما أن تاريخ المنظومة التعليمية في المغرب، كان تاريخ الإصلاحات بامتياز. وكان قد تم وضع مخطط استعجالي لعامي 2009 و2012، والذي هدف إلى وضع خريطة طريق جديدة لإعطاء نفس جديد لإصلاح منظومة التربية والتكوين، من أجل ضمان تكافؤ فرص دخول التعليم الإلزامي، ومحاربة ظاهرتي التكرار والانقطاع عن الدراسة، وشمل تعزيز كفاءات الكوادر التربوية، وتطوير آليات تتبع وتقويم الأطر التربوية، وترشيد تدبير الموارد البشرية للمنظومة، واستكمال ورش تطبيق اللامركزية، واسترجاع الثقة في المدرسة، وضمان مشاركة الجميع في هذا الورش الحيوي.
وكان خطاب العاهل المغربي لعام 2013 بمناسبة عيد الجلوس، الذي تحدث بلغة صريحة، قد أعاد موضوع إصلاح التعليم إلى الواجهة، بوصفه الدقيق لما آل إليه قطاع التعليم في المغرب وتشخيصه لمكامن الضعف والخلل التي تعتري المنظومة التربوية عامة. وحث على أن يظل هذا القطاع بعيدا عن الأنانية، وعن أي حسابات سياسية ترهن مستقبل الأجيال الصاعدة، بدعوى الحفاظ على الهوية.
وقد نص الفصل 13 من الدستور الجديد، على ضرورة «التربية والشغل حق للمواطنين على السواء، والحق في الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة والتنشئة على التشبث بالهوية المغربية والثوابت الوطنية الراسخة والتكوين المهني والاستفادة من التربية البدنية والفنية».
لكن، رغم كل المخططات والبرامج الإصلاحية التي تعاقبت على المنظومة التربوية في المغرب، وكل الإمكانيات والموارد التي تمت تعبئتها، وكذا المجهود المالي والاعتمادات الضخمة المرصودة من طرف الدولة، تكشف المعطيات على أنها باءت بالفشل. وتبين أن نحو 1.7 مليون شابة وشاب مغربي، تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 سنة، لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين، بسبب ضعف التأهيل الذي يتلقونه في المدارس. إضافة إلى ذلك، ما زالت نسبة الأمية مرتفعة داخل المجتمع المغربي، وارتفاع نسبة «الهدر المدرسي»، لعدم تمكن عدد كبير من التلميذات والتلاميذ من متابعة دراستهم لأسباب مختلفة أهمها الفقر.
وللخروج من الأزمة التي يعيشها التعليم في المغرب، يرى رئيس «منتدى المواطنة» أنه لابد من وجود خطاب عقلاني وواقعي، يقف عند اختلالات وايجابيات المدرسة المغربية بكل جرأة وموضوعية، تشخيصا ومعالجة وتحديد مسؤولية كل جهة، بعيدا عن خطاب فك الارتباط. هذا من جهة، من جهة ثانية حسب المتحدث ذاته، أنه لابد من تعبئة الدولة بجميع مؤسساتها وإشراك مكونات المنظومة التربية والتكوين من خلال تحفيز وتعبئة الأسر والمدرسين والمدرسات وكوادر الإدارة وطنيا وجهويا وإقليميا، ولابد أن يتمركز هذا الإصلاح حول التلميذ، لأن التلميذ هو محور الإصلاح، ودعم اللامركزية، بحيث يجب على وزارة التربية الوطنية أن تقوي صلاحيات الأكاديميات الجهوية واختصاصاتها وإمكانياتها ومواردها، من خلال تأهيل الفضاءات التربوية. وأخيرا، لابد من إعادة الحياة للمدرسة، حيث لا يجب أن نحصر المدرسة فقط من اجل تحصيل العلامات، بل جعل المدرسة لتفريخ المواهب الرياضية والمواهب الفنية والمواهب الإعلامية والتواصلية.

هشاشة البنيات التحتية

فبالرغم من الجهود التي بنيت على أساسها كل مخططات الإصلاح إلى المخطط الاستعجالي إلى الرؤية الاستراتيجية، ما زال التعليم في العديد من المناطق النائية وفي العالم القروي المغربي بصفة عامة يتخبط في أوضاع مزرية من التهميش والتشتت والعزلة وهشاشة البنية التحتية للمدرسة المتمثلة في أن غالب المدارس في بعض المدن والقرى توجد قاعات التدريس دون مقاعد مع جدران متهالكة ونوافذ منكسرة، وافتقارها للمرافق الصحية والإنارة، بالإضافة إلى ضعف التمويل ونقص الكفاءات العاملة وتواضع مؤهلاتها التدبيرية، وغيرها من المشاجب التي تعلق عليها أسباب الأوضاع المتردية.
ولعل هذه المشاكل تعكس عمق الاختلالات التي تعاني منها المنظومة التعليمية في المغرب منذ سنوات طويلة، والتي لم تنقذها أي مخططات تنموية للنهوض والارتقاء بالنظام التعليمي.
وفي هذا السياق، اعتبر علال بلعربي، الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل»، في اتصال مع «القدس العربي»، أن أزمة التعليم في المغرب هي أزمة مركبة بنيوية، جاءت نتيجة لتراكمات تعود إلى عقود وناتجة عن انعدام الإرادة السياسية من قبل الدولة التي أهملت قطاع التعليم والبحث العلمي، واليوم نحن نسير إلى الهاوية بدليل ان هناك تخصيصا مهولا فيما يتعلق بهيئة التدريس، وسيزيد في أفق 2020 و2021 ما يناهز 100 ألف في الموارد البشرية في قطاع التعليم بسبب التقاعد.
وأرجع العربي، أسباب هذه الأزمة، إلى اعتماد الحكومة سياسة التوظيف المباشر بالعقدة، وهي سياسة تتنافى مع شعار جودة التعليم، إضافة إلى الاكتظاظ الكبير داخل الفصل، حيث وصل عدد التلاميذ إلى 55 في الفصل، ثم إن الدولة تسير إلى خصخصة قطاع التعليم، حيث نجد أن الشركات والمقاولات تستثمر في المدرسة العمومية، وهذا يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية وحق ولوج جميع أبناء الشعب المغربي للمدرسة العمومية. ونبه، إلى أن الوضع مقلق يحتاج إلى مراجعة شاملة للمقاربة السياسية بالنسبة للدولة.
من جانبه، قال الخبير التربوي عبد اللطيف كدائي لـ«القدس العربي»: «أمام الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة في مجال التعليم، تبقى المؤشرات سلبية تضع التعليم في المغرب في مراتب متأخرة، بحيث لم نتمكن من الحد من ظاهرة «الهدر المدرسي» المرتفعة، ولم يصل بعد تعميم التمدرس للأطفال في السن القانوني إلى المئة بالمئة، بالإضافة إلى ضعف ولوج إلى الجامعة لم يتجاوز بعد 12 في المئة، هذه مؤشرات تضعنا أمام المأساة الحقيقية التي يعيشها قطاع التعليم بالمغرب».
ويبقى النقاش قائما حول قضية التعليم في المغرب قائما ومفتوحا، ومحط اهتمام الفاعل السياسي والنقابي والمجتمعي والإداري، وجميع تيارات المجتمع المغربي اليمينية واليسارية.

خبراء يدقون ناقوس الخطر حول وضعية التعليم في المغرب

فاطمة الزهراء كريم الله

- -

1 COMMENT

  1. فصل الحالة المزرية للتعليم عن الحالة الإجتماعية للطبقات الفقيرة لن يجدي نفعا ولو أن التعليم مجاني لكن شراء الكتب والأدوات المدرسية في بدايات السنة الدراسية وأداء الواجب المادي للمؤسسة التعليمية ( التأمين ) تخلق ثقبا كبيرا في جيوب الأسر الفقيرة التي تعاني أساسا. اجتماعيا, هناك شباب من هذه الفئات ( بحكم شهادة أقارب من الميدان ) لايذهبون للمدرسة من أجل التعليم, بل يدخلون الصف وهم مخدرون يصيحون ويشوشون والأساتذة يخافون منهم ـ بكل بساطة ـ ولايمكن فعل شيء, الأساتذة يرغمون من طرف الإدارة بالتعامل معهم وهم على ذاك الحال عوض طردهم للشارع وخلق مشاكل, أمر مستحيل.
    أما ماديا فالميزانية المخصصة للتعليم التي ذكرت غير كافية مقارنة بدول عربية أخرى مثلا في دراسة نشرت قبل بضع سنوات أن 90٪ من ميزانية التعليم في المغرب تصرف لأداء الأجور والدولة تنفق فقط حوالي 600 دولار على كل مواطن إلى حدود 21 سنة , في تونس 1000 دولار وفي الأردن 900 دولار .
    ثم الفساد والإختلاس, قبل سنوات حددت الدولة مبلغا مهما ضخته في ماسيمي ” المخطط الإستعجالي لإصلاح التعليم في المغرب” ملايير من الدراهم دفعت دفعة واحدة اختلست ربما عن آخرها, لأن لانتيجة ملموسة ظهرت بعدها. بشهادة رجال في الميدان, مشاريع إصلاح وترميم أقسام دراسية واقنتء معدات مدرسية يؤخد عليها عليها من ضعفين إلى ثلاثة أضعاف المبلغ الذي يتطلبه المشروع.
    الخلل جذري, عمليات الترقيع هنا وهناك لن تأتي بنتائج, إعادة النظر في الحالة الإجتماعية للفقراء, مساعدات مادية لهم , إعفاءهم من واجب التأمين السنوي ومن شراء الكتب المدرسية. معالجة المدمنين منهم , فصلهم عن قاعات الدراسة العادية وتخصيص فصول خاصة لهم بأساتذة متخصصين, الفصل مع نفي الأساتذة والمعلمين إلى الفيافي والققار بدون أسر وعليهم أنفسهم إيجاد السكن والمواصلات والطبخ إلخ, فكيف تكون نفسية هذا المعلم كي يقدم مالديه للطالب الشغوف؟
    إصلاح التعليم يهم وزارات أخرى يجب إقحامها لإيجاد حل للمشكل , وزارة الأسرة للمساعدة , العدل للضرب على أيدي السارقين , الداخلية, للتعامل مع من يرهبون الأساتذة والمعلمين, وطبعا المالية بميزانية مهمة, دون ذلك فستبقى الحالة كارثية ليس في الهدر ومعه التخلف بل في تفشي االجريمة والإرهاب .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left