استمرار النهج الطائفي عزز قوة تنظيم «الدولة» ويتكفل باستمرار تهديداته بعد معركة الموصل

رائد الحامد

Mar 18, 2017

يشير الواقع العراقي إلى ان غزوه واحتلاله في 2003، أدى إلى ظهور حركة مقاومة مسلحة في محافظات يغلب عليها الانتماء العربي السُنّي ساهمت في خلق شبكة متداخلة بين شطري العمل السياسي والمسلح في وسط المجتمع السُنّي، أدى إلى مقاطعة معظم العرب السُنّة العملية السياسية في منعطف تاريخي تمثّل في تشكيل الحكومة الانتقالية في 2005 التي امتدت لعام كامل تم خلاله كتابة دستور دائم للعراق وانتخابات برلمانية فاز بها الائتلاف الوطني الشيعي الذي رشح رئيس الوزراء السابق نوري المالكي لرئاسة الحكومة نهاية كانون الثاني/يناير 2006.
تميزت فترة حكم نوري المالكي بارتهان العراق سياسة وموارد لكل من الولايات المتحدة وإيران قبل ان تُرتهن بشكل كامل لإيران التي دعمته في التلاعب بنتائج انتخابات آذار/مارس 2010 وتوليته السلطة واستغلاله هذا الدعم في التأسيس لسلطة استبدادية واستحوذ على السلطة القضائية بتقريب القضاة الموالين له بشكل شخصي، وكذلك في المؤسسة الأمنية والعسكرية، كان من بين انعكاساتها فقدان الدولة العراقية السيطرة على محافظة نينوى في يونيو/حزيران 2014، ومدن أخرى في أربع محافظات ذات غالبية سُنّية.
بين عامي 2009 و2011 شهدت الأوضاع السياسية والأمنية نوعا من الاستقرار النسبي وكان مقدرا للحكومة العراقية ان تدعم تسويات سياسية مع المجتمع السُنّي على أسس التوافق والتفاهم المشترك بعيدا عن سياسة الاقصاء والتهميش والمحاصصة السياسية، لكن السياسات التي انتهجها نوري المالكي أسهمت في تزايد حدة الانقسام المجتمعي، ما دعا القوى السُنّية طيلة عام 2012 ومن خلال حركة احتجاجية تمثلت في الاعتصام بالساحات في كبرى المدن السنية، إلى المطالبة بإدارة لا مركزية على شكل نظام حكم فدرالي يتيح للعرب السُنّة إدارة مناطقهم وتشكيل قوات خاصة بهم مرتبطة بالحكومة المركزية باشراف الحكومات المحلية في المحافظات السُنّية، وهي القوات التي كان مقررا لها ان تتشكل تحت مسمى قوات الحرس الوطني.
استطاع نوري المالكي في ولايته الثانية (2010 إلى 2014) تعميق الشعور السُنّي بالإقصاء والتهميش الذي عزز حالة فقدان الثقة المفترضة بالحكومة المركزية الأمر الذي سهل على تنظيم «الدولة» كسب تأييد وتعاطف قطاعات أوسع من المجتمع السُنّي بدت واضحة في اعلان مجموعات عشائرية بيعتها للتنظيم في الأنبار ووقوفهم وتضامنهم مع تنظيم «الدولة» ومبايعتهم أبو بكر البغدادي، وفي نينوى المعقل الأهم له في العراق.
وساعد تفاقم الوضع الأمني على ظهور تنظيم «الدولة» في العراق وانتقاله من معسكراته الصحراوية إلى مراكز المدن بعد قمع رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي للحركة الاحتجاجية في المدن السُنّية باستخدام القوة العسكرية ضد المعتصمين واقتحام ساحات الاعتصام وحرق خيم المعتصمين.
منذ 10 حزيران/يونيو 2014 سيطر تنظيم «الدولة» على مدينة الموصل ومدن ومساحات واسعة في محافظات كركوك وديالى وصلاح الدين والأنبار. ومر بمرحلة ضعف أعقبت زيادة عديد القوات الأمريكية وانخراط العشائر السُنّية وبعض فصائل المعارضة المسلحة في قتاله بدعم من الولايات المتحدة لإخراجه من مدن ومناطق كان يفرض نوعا من أنواع السيطرة عليها في الأنبار، وازاحته إلى معسكرات صحراوية امتدت فترة بقائه فيها إلى بدايات العام 2014 التي مثلت الظهور الأقوى له بعد انحساره الأول في أعقاب خسارته معركة الفلوجة الثانية خريف العام 2004 عندما كان يحمل اسم جماعة التوحيد والجهاد، وانحساره الثاني بعد ظهور مجالس الصحوات في العام 2006 وتمكنها من هزيمته بحلول العام 2008.
لكن متابعة تاريخ التنظيم تفيد بان سيطرته على الفلوجة مطلع العام 2014 والموصل منتصف العام يمثل موجة الظهور الثالث بشكل أكثر قوة، وقد يعود بعد خسارته مدنه في العراق إلى الظهور بشكل آخر يتفوق على ظهوره السابق في قدراته العسكرية مع تواصل غياب الثقة بين المكون السُنّي والحكومة الشيعية واستمرار الاقصاء من المواقع السيادية وغياب التوازن والتنكيل الذي يتعرض له السُنّة، وهو الأمر الراجح نتيجة الضعف في الأداء لرئيس الوزراء حيدر العبادي في التصدي لنفوذ الحشد الشعبي وسيطرته على القرار الأمني والسياسي، إضافة إلى فشله في اجراء أي إصلاحات جذرية تعيد للعرب السنة بعض ما «يرونها حقوقهم المشروعة».

بيئة حاضنة لتنظيم «الدولة»

وعلى ما يبدو، فان الاحتمال الأكثر ترجيحا بعد انتهاء معركة الموصل، سيكون تراجع تنظيم «الدولة» من المدن إلى معسكرات صحراوية في غرب وشمال غربي العراق على مقربة من الحدود العراقية السورية المفتوحة على مناطق شرق سوريا في محافظة دير الزور وبعض مناطق ريف الحسكة الجنوبي الخاضعة لسيطرة التنظيم، وستظل الأسباب التي تغذي نمو تنظيم «الدولة» أو تنظيمات بديلة يمكن ان تظهر قائمة طالما ظلّ العرب السُنّة يشعرون بالإقصاء والتهميش وانتهاك الحقوق على خلفية استمرار السياسات الطائفية للحكومات العراقية.

ومع مجيء رئيس الوزراء حيدر العبادي في 2014 لا تبدو ثمة تحولات جذرية عن سياسات سلفه نوري المالكي باستثناء تغير لهجة الخطاب من طائفي صريح تبناه المالكي إلى خطوات عملية جسدتها شرعنة انتهاكات الحشد الشعبي التي وثقتها منظمات حقوقية ودولية طيلة عامين ونصف دون إجراءات لمحاسبة المسؤولين عنها يفترض اتخاذها من قبل القائد العام للقوات المسلحة، وهو المسؤول الأول عن الحشد الشعبي بعد قرار اعتباره قوة رسمية بموازاة قوة مكافحة الإرهاب ترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، حيدر العبادي.
سيظل المجتمع السُنّي بيئة مؤاتية لنمو واستمرار وجود تنظيم «الدولة» طالما ظلت السياسات العريضة للحكومة المركزية على ذات الأسس التي انتهجتها منذ تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة إبراهيم الجعفري في 2005 ولا تعني خسارته كل المدن الخاضعة لسيطرته الكثير فيما يتعلق باستمرار وجوده وتهديداته للأمن والاستقرار ومسار التنمية الممكنة مع فساد طاغ ينخر كل مفاصل الدولة العراقية.

استمرار النهج الطائفي عزز قوة تنظيم «الدولة» ويتكفل باستمرار تهديداته بعد معركة الموصل

رائد الحامد

- -

1 COMMENT

  1. في ظل الأمل والرغبة عند مكونات السنة قبل الشيعة من الانتهاء من داعش وأخواتها .ما زال البعض (للأسف ) مصرا أن هذه الفصائل المتطرفة باقية وربما ستقوى…..ولماذا لا تنتهي اذا كانت(الفصاءل ) أساسا هي مصيبة للوطن وللسنة خاصة .أن لم نقل لعموم المسلمين والإنسانية جمعاء .اما اذا كان طرفا أو شريحة في المجتمعات العربية تشعر نفسها مهمشة ( وما أكثر هذه الشرائح المهمشة ) لا يكون نيل الحقوق بالتطرف والتدمير الذاتي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left