أيام الحسم الطويلة في الموصل

صادق الطائي

Mar 18, 2017

مع انطلاق عمليات تحرير الجانب الغربي من مدينة الموصل التي تم الإعلان عنها من قبل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يوم الأحد 19 شباط/فبراير الماضي، بدأ العد التنازلي لتحرير الساحل الأيمن. المتفائلون يعتبرون ان الأيام المقبلة ستشهد القضاء النهائي على تنظيم «الدولة» في العراق، بينما المتشائمون يرون ان الضربات التي وجهت للتنظيم موجعة بالتأكيد ودمرت الكثير من بناه الهيكلية واللوجستية لكنهم يعتقدون ان التنظيم الإرهابي سيعود إلى العمل بالصيغة القديمة عبر ما يعرف بالخلايا النائمة أو انشاء بؤر للإعداد والتدريب في الشريط الصحراوي الممتد على طول الحدود العراقية السورية. في الوقت نفسه يرى مراقبون غربيون ان الحرب المشتعلة بضراوة في العراق وسوريا على التنظيم ربما ستتسبب في هجرة معاكسة لمقاتليه الأجانب الذين سيحاولون التسلل من أرض المعركة والعودة لأوطانهم، وهذا الأمر يدق ناقوس الخطر اليوم لدى أغلب الأجهزة الأمنية في العالم.

وضع العمليات على الأرض

أدلى قائد عمليات «قادمون يا نينوى» الفريق الركن عبد الأمير رشيد يار الله في أوقات مختلفة بتصريحاتٌ لوسائل إعلام متعددة، جاء فيها ان قوات الجيش ومكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية قد أنجزت تحرير أكثر من 50٪ من أحياء الساحل الأيمن للموصل، وأضاف ان أعداد مقاتلي تنظيم «الدولة» كان أكبر بكثير من التقديرات التي قدمتها تقارير الاستخبارات العسكرية التي أشارت إلى ان المتبقي من مقاتلي التنظيم في الساحل الأيمن لا يتجاوز عددهم 2000، بينما – وحسب تصريحات الفريق يار الله – ان من قتلوا من مقاتلي التنظيم حتى الآن قد تجاوز هذا العدد. كما أشار المحلل الاستراتيجي العراقي هاشم الهاشمي على صفحته على فيسبوك إلى ان ثقل المقاتلين الأجانب قد تمركز في الجانب الغربي من المدينة حيث زج بهم في بداية معركة الساحل الأيمن، وقد استهلك التنظيم أبرز كتائبه الخاصة التي تمثل قوات النخبة بالنسبة لهم مثل «كتيبة طارق بن زياد» ومعظم مقاتليها من الناطقين بالفرنسية من المغاربيين والأوروبيين و«كتيبة الفرقان» ومعظم مقاتليها من الناطقين بالروسية من جمهوريات القوقاز، و«كتيبة النهاوند» المشكلة من مقاتلين من قومية الايغور الصينية. وقد دمرت هذه الكتائب تقريبا في أطراف المدينة القديمة، كما رجحت تقارير غربية عديدة هروب قائد التنظيم ابو بكر البغدادي إلى الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم في سوريا لكن دون التأكد من الخبر، حيث يرى البعض صعوبة ذلك بسبب الحصار الذي أطبق على الساحل الأيمن من كل الجهات، كما أشار الهاشمي في مكان آخر إلى مقتل من تولوا منصب والي نينوى (عاصمة الخلافة) الذي يمثل الرجل الثاني في التنظيم، فقد قتل أكثر من ثلاثة قياديين شغلوه في الأيام الماضية وهم بالتسلسل الحمدوني ثم التركماني ثم العفري. وحسب أغلب المراقبين أن مقتل التركماني والعفري وكلاهما من تلعفر، وهما الوريثان المفترضان للبغدادي قد أصاب «مجلس شورى الدولة الإسلامية» باضطراب كبير.
كما صرح الفريق يار الله قائلا: لن يختبئ الدواعش في صفوف المدنيين، لأنهم لم يذهبوا بعيداً عن سيطرة القوات الأمنية والاستخباراتية التي تقوم بعمليات تدقيق أمني شديدة في أوساط النازحين استناداً إلى ما تملكه من قوائم وقواعد بيانات، ولن يفلت أحد من الإجراءات القانونية». وأضاف ان تنظيم «الدولة» أصبح الآن مشغولاً بالدفاع عن نفسه، ولم يعد يمتلك القدرة على توجيه ضربات للساحل الأيسر كما كان يحصل في الأيام الماضية عندما كان يقوم بقصف الأحياء المحررة بقذائف الهاون أو استهداف العديد من الأماكن بالسيارات المفخخة للحيلولة دون رجوع الحياة الطبيعية للجانب الشرقي المحرر من المدينة.
وصرح المسؤولون العراقيون ومنهم القائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي ان الجانب الأكثر أهمية فيما يجري على الأرض هو الحفاظ على أرواح المدنيين العالقين بين الأطراف المتحاربة، وتقليص وقوع خسائر بشرية بينهم إلى أقل ما يمكن، حتى ان أدى ذلك إلى تلكؤ في تسارع عمليات التحرير، والمسألة الثانية هي الحفاظ على البنية التحتية قدر الامكان ومنع تدميرها عبر استخدام تقنيات دقيقة من القصف الذكي على أماكن تواجد عناصر تنظيم «الدولة». ولكن بالتأكيد سوف تتعرض بعض مؤسسات الدولة ومكونات البنية التحتية بالإضافة إلى منازل المواطنين إلى التدمير، لان التنظيم الإرهابي يسعى لتنفيذ سياسة الأرض المحروقة مع أي حي ينسحب منه عبر تفخيخ البنايات ودور المواطنين.

مأساة النازحين المتفاقمة

ومع كل الجهود المبذولة من قبل الجانب الحكومي لاحتواء أزمة عشرات الآلاف من النازحين من مناطق القتال، إلا ان المنظمات الحكومية والمساعدات الإغاثية الدولية تقف عاجزة أمام حجم تدفق الهاربين من مناطق القتال، حيث يتوقع المراقبون وصول عددهم إلى 400 ألف نازح. كما أشار عدد من المراقبين إلى ان مشكلة تحرير الساحل الأيمن تمثلت بالقاء عبء المهمة على الشرطة الاتحادية التي لا تمتلك خبرة جهاز مكافحة الإرهاب الذي تولى تطهير الساحل الأيسر، وهذا الأمر تسبب في الكثير من المآسي المتمثلة في الاستخدام المفرط للقصف المدفعي والاستعجال في انجاز المهمات القتالية، كل ذلك مضاف إلى طبيعة الجانب الغربي من مدينة الموصل حيث المدينة القديمة ذات الأزقة الضيقة والمناطق المكتظة بالسكان. كما أشار عدد من المحللين السياسيين إلى ان عددا من الميليشيات الشيعية قد اخترقت الشرطة الاتحادية وانها تنفذ أجنداتها الانتقامية من السكان المدنيين السنة وهي تتخفى بملابس ومعدات الشرطة الاتحادية، لكن لم تصدر انتقادات بهذا الشأن من منظمات حقوقية وإنسانية دولية حتى الآن. كما تشير مراكز القرار المقربة من الحكومة إلى ان قوات الحشد الشعبي لم يسمح لها بدخول المدينة بتاتا، وان جهد هذه القوات انصب على حصار الساحل الأيمن وقطع طرق الامداد والانسحاب من وإلى سوريا، لذلك تحولت انتقادات بعض المغرضين إلى الشرطة الاتحادية وهي جهاز وطني مهني في اداء واجباته مثلها مثل جهاز مكافحة الإرهاب.
وبين يار الله لوسائل الإعلام «هناك تنسيق وتعاون بين السكان وقواتنا المسلحة، حيث يخبرنا المواطنون عبر الاتصالات أو الرسائل أو يرشدوننا عند تحرير أحيائهم عن الشخصيات التي كانت تتعاون مع داعش. أهل الموصل يعرفون أن داعش انتهى ويعملون معنا من أجل تحرير مدينتهم بأسرع وقت وبأقل تكلفة».

سيناريو الأيام المقبلة

ما الذي سيحدث للمقاتلين الذين تسلطوا على مدن مختلفة قرابة السنتين؟ هؤلاء طبقوا منهجيات قاسية استنبطوها من سرديات القرون الوسطى في إدارة هذه المدن. اناس كانوا يعيشون في القرن الحالي وجدوا أنفسهم فجأة يعيشون تحت ظل منظومات قانونية وحياتية تحاكي القرون الوسطى، كل ذلك طبقه متشددون مؤمنون بأن ما يفعلونه هو الشكل الأنقى لقيم السماء. لقد قتل الكثير من هؤلاء المتشددين سواء كانوا أجانب أو محليين انضموا للتنظيم الإرهابي، ولكن يبقى السؤال، ما هو مستقبل من تبقى من هؤلاء المقاتلين بعد تحرير المدن؟
يرى كل من كولن كلارك وهو أستاذ للعلوم السياسية في مؤسسة راند وزميل مشارك في المركز الدولي لمكافحة الإرهاب وأمارناث أمارسينغام وهو زميل باحث في معهد الحوار الاستراتيجي الأمريكي في مقال لهما نشرته مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية عدة احتمالات لمآلات مقاتلي التنظيم بعد سقوط دولته. المقاتلون الأجانب، ضمن الدائرة المقربة من زعيم التنظيم ابو بكر البغدادي وكبار قادته، من المرجح أن يبقوا في العراق وسوريا، للانضمام إلى المقاومة السرية، وفي جميع الاحتمالات، سيتحول التنظيم إلى منظمة إرهابية سرية تنتهج حرب العصابات. بالإضافة إلى تنفيذ هجمات متفرقة، أو بعض الكمائن، وربما هجمات مذهلة باستخدام تكتيكات الانتحار، كما إن هؤلاء المقاتلين سيمرون بفترات متتالية من الهدوء تعقبها إعادة التسليح واسترداد عافيتهم من جديد، حسب ما ذكره الكاتبان.
أما بروس هوفمان الخبير في شؤون الإرهاب فقد رجح أنه إذا استمرت حظوظ داعش في الانحدار، فقد تفضل مجموعة من المقاتلين التقارب مع تنظيم القاعدة، باعتباره الخيار الوحيد لمواصلة نضالهم وان تشكيلات جديدة ستظهر على الأرض نتيجة اندماج عدد من التنظيمات أو تفكك تنظيمات قديمة لتعاود الاندماج في جبهات أو ائتلافات تكتيكية على الأرض كما نشهده في سوريا.
ويرى عدد من الباحثين ان هناك مجموعة من المقاتلين الذين لم يتمكنوا من العودة إلى بلدانهم الأصلية أو لم يرغبوا في العودة سيشكلون فصيلًا من الجهاديين عديمي الجنسية، الذين سوف يسافرون إلى الخارج بحثًا عن مسرح الجهاد القادم في اليمن وليبيا وغرب افريقيا وأفغانستان لحماية وتوسيع حدود ما يسمى بالخلافة.

الجانب السياسي للمعادلة

مع تصاعد وتيرة القتال وتحرير الأحياء من سيطرة التنظيم الإرهابي تشهد الساحة السياسية العراقية حراكا محموما لرسم المستقبل السياسي لما بعد «داعش»، تحالفات وأوراق تسوية يلقيها كل طرف للأطراف الأخرى، وفيما يخص المدن السنية المحررة شهد «البيت السني» مؤخرا ظاهرة المؤتمرات التي تعقد خارج العراق مثل مؤتمر عمان وجنيف وأخيرا مؤتمر اسطنبول، وهذه المؤتمرات وحسب من حضرها من السياسيين السنة لقاءات تشاورية تحاول ان تحصل على الدعم الدولي لاعمار المدن التي دمرتها الحرب بالإضافة إلى لقاءات تشاورية لطيف مختلف من القوى السنية سواء كانت ضمن العملية السياسية أو خارجها.
ونحن على أبواب انتخابات برلمانية نشهد حراكا يحاول ان يستثمر حالة الخروج من الكبوة التي أصابت العراق في نهاية الولاية الثانية لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي وجرته إلى سلسلة من الكوارث استغرقت معالجتها قرابة الأربع سنوات، فهل سينجح سياسيو العراق السنة والشيعة والكرد في رسم خرائط مختلفة تقلل من حالة الاختناق التي أوصلت الوضع إلى ما هو عليه؟ هذا هو الرهان المقبل.

أيام الحسم الطويلة في الموصل

صادق الطائي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left