ما بعد معركة استعادة الموصل: التطلعات الكردية في ظل غياب الاتفاق السياسي وتصاعد التدخل الإقليمي

سامان نوح

Mar 18, 2017

فيما تدخل معركة استعادة الموصل مرحلتها الأخيرة، من خلال اقتحام الجيش العراقي للمدينة القديمة واستكمال سيطرته على الساحل الأيمن، تنتظر القوى الرئيسية في الميدان معركة أكثر تعقيدا، تتمثل في استعادة تلعفر والبلدات القريبة منها، والاتفاق على سبل فرض الأمن فيها إلى جانب آلية إدارة مناطق سهل نينوى المتنازع عليها وكيفية حسم مصيرها.
تلك المعركة تفرض حسابات سياسية وأمنية معقدة، ما يتطلب تفاهمات «شيعية- سنية- كردية وحتى تركمانية، بعضها يمتد إلى خارج الحدود، وهي تتداخل مع معركة أخرى في سنجار تنتظر الحسم، حيث تتصارع عدة قوى كردية فيها، فيما يقف الحشد الشعبي والجيش العراقي على حدودها.
حساسية المعركة تتمثل في جانبين، الأول طبيعة التشكيلات العسكرية التي ستدخل تلعفر، وتلك التي ستحميها لاحقا، بما يحمله ذلك من أبعاد سياسية، والجانب الثاني حقيقة ان تلك المناطق التي تمتد جنوبا إلى البادية الغربية ومن ثم الأنبار، وتمتد غربا داخل الأراضي السورية، شكلت طوال سنوات معاقل مثالية للتنظيمات الإسلامية المتشددة، بدءا بالجماعات الجهادية الأولى، ومن ثم القاعدة وانتهاء بتنظيم الدولة الإسلامية «داعش».

حلقة صراع ساخنة

عدة قوى عراقية وإقليمية، تنتظر معركة تلعفر، فالكرد يعتبرونها مهمة لأنها ترسم خط حدودهم المستقبلية وتمثل خاصرة رخوة يجب تأمينها، فانطلاقا منها تمكن تنظيم «الدولة» خلال يومين في آب/اغسطس 2014 من السيطرة على سنجار بكامل مجمعاتها وقراها.
والإيزيديون، يريدون ان يكون لهم دور في قتال «داعش» فيها، كونها تمثل «بوابة القتل والسبي والخطف» الذي طال أكثر من خمسة آلاف من أبنائهم وبناتهم. هم يتطلعون ان تكشف استعادة المدينة مصير أكثر من 2500 فتاة وامرأة مختطفة، بعد ان كادت عملية استعادة الموصل تكتمل دون العثور عليهن ودون ظهور ما يكشف مصيرهن.
أفراد العديد من القوى الإيزيدية المسلحة، كقوات ايزيدخان ووحدات مقاومة سنجار، تحمل قوائم طويلة بأسماء متهمين من أهالي تلعفر والبلدات المحيطة بها كالبعاج والبليج، بتنفيذ عمليات القتل والاختطاف بحق الإيزيديين، وهم يبحثون عن الانتقام، ويرون ان الجيش غير مؤهل لتلك المهمة، ويقول أحد المقاتلين «نريد ان يشارك الحشد الشيعي في العملية، الجيش خذلنا في السابق وسهل هروب الكثير من قادة تنظيم داعش».
كما ان الحشد الشعبي (بما فيه فصائل تركمانية شيعية) الذي يطوق تلعفر من جانبين منذ أشهر، يصر ان يكون له دور بارز في استعادتها، ما ينذر بعمليات تصفية محتملة، فنحو 150 ألف تركماني شيعي فروا من المدينة ومحيطها أثناء اقتحامها من قبل «داعش» في حزيران/يونيو 2014 وقتل مئات الرجال والفتيان وخطف نحو 800 فتاة وامرأة شيعية حسب منظمات ومسؤولين تركمان.
من جانبهم يحذر العرب والتركمان السنة، من تمكين الحشد الشيعي والإيزيديين من دخول المدينة، ومن فرض وجودهم فيها، منبهين إلى ان ذلك سيؤدي إلى حدوث عمليات إبادة ممنهجة، وسيعني رحيل التركمان السنة عنها بشكل نهائي والمقدر عددهم بنحو 125 ألف شخص، مطالبين بقيام الجيش بتلك المهمة وتحت رقابة قوية من التحالف والمجتمع الدولي.

صراع كردي كردي

إلى الغرب من تلعفر، هناك معركة أخرى تنتظر الحسم، فعدة قوى كردية تتصارع في سنجار وتأمل السيطرة على مجمعاتها الجنوبية التي ما زالت بيد تنظيم «الدولة» بعد ان فرض مقاتلو البيشمركه الذين يتبع غالبيتهم الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، سيطرتهم على أجزاء من مركز المدينة وعلى مناطقها الشرقية والشمالية، فيما فرض العمال الكردستاني من خلال قوات إيزيدية عراقية تطلق عل نفسها (وحدات مقاومة سنجار) سيطرته على أجزاء من المدينة وعلى المناطق الغربية التي توصله بالأراضي السورية، فضلا عن مناطق واسعة في جبل سنجار.
وتشهد المنطقة صراعا سياسيا عسكريا بين الطرفين، أوقع عدة قتلى وجرحى في الأيام الأخيرة. ويرجح ان يزداد الصراع تعقيدا مع تقدم الجيش العراقي وتوغل الحشد الشعبي في المنطقة التي تعد متنازعا عليها بين حكومتي اربيل وبغداد، وسط تأكيدات أمريكية بأهمية ان تخضع سنجار لسيطرة قوات البيشمركه والجيش العراقي حصرا، في اشارة إلى استبعاد قوات حزب العمال الكردستاني والحشد الشعبي الشيعي.

الدور الإقليمي ومناطق النفوذ

للمعركة العسكرية والسياسية في تلعفر وسنجار جانب إقليمي يتعلق بمناطق النفوذ، فالجيش التركي يأمل ان يكون له حضور فيها ليس لطرد مقاتلي حزب العمال الكردستاني الذي يخوض منذ عقود حربا شرسة ضد تركيا ويصنف كمنظمة إرهابية، بل أيضا ليكون له دور في رسم مصير تلعفر التركمانية، خاصة ان أوساطا تركية لا تتردد في التذكير بتبعية ولاية الموصل للدولة العثمانية، وبانها لن تتخلى عن دعم التركمان وراء حدودها، وتأكيدها المتكرر بان ذلك يرتبط بأمنها القومي، وكانت قد استبقت انطلاق معركة الموصل بنشر قوات في بعشيقة، لكنها فشلت في اقناع حكومة بغداد بلعب أي دور، وهو ما يدفعها ومن أجل تحقيق أهدافها إلى دعم قوات البيشمركه التابعة للديمقراطي الكردستاني، بل وحتى قوات بيشمركه «روز» المشكلة من المقاتلين الكرد السوريين التابعين للمجلس الوطني الكردي السوري وهو فصيل ضمن المعارضة السورية المدعومة من تركيا، تم نشرهم في المنطقة.
في الجانب الآخر، تسعى إيران من خلال اقحام الحشد الشيعي في المعركة ودعم فصائل التركمان الشيعة في تلعفر، إلى بسط نفوذها على المدينة ومحيطها، وهو ما قد يعني اضطرار 125 ألف تركماني سني إلى الرحيل عن المدينة خوفا من الانتقام بعد اتهام مئات من أبنائهم بدعم تنظيم «الدولة». ويقول سياسيون سنة ان إيران تريد استكمال الهلال الشيعي الذي يمتد من إيران إلى ديالى مرورا ببغداد وكركوك وتلعفر وانتهاء بالعمق السوري الذي تلعب دورا بارزا فيه.

غياب الاتفاق السياسي

طوال أشهر قبل انطلاق معركة استعادة الموصل ومناطق سهل نينوى، طالب رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني مرارا، باتفاق سياسي مع الحكومة العراقية كشرط للمشاركة في المعركة، معتبرا ان الاتفاق السياسي أمر أساسي لتحديد مستقبل سهل نينوى وسنجار المتنازع عليها، وللاتفاق على شكل إدارتها وحسم الخلافات بشأنها، خاصة ان الإقليم يعتبر تلك المناطق جزءا من كردستان ويطالب بضمها.
لكن الاتفاق السياسي لم يحدث، وضغطت الولايات المتحدة على قيادة الإقليم للموافقة على الترتيبات المتعلقة بمعركة تحرير الموصل وتأجيل المسائل السياسية الخلافية، وهو ما حدث فعلا، فقد جرى الاتفاق على أادوار كل طرف في معركة استعادة نينوى، وكان الدور الكردي محدودا واقتصر على التقدم نحو مناطق معينة في سهل نينوى كبعشيقة وبحزاني، فيما اوكلت عمليات استعادة بقية المناطق في سهل نينوى، كما تحرير الموصل بالجيش العراقي حصرا.
ووفق الاتفاق بين اربيل وبغداد والذي جرى بدعم أمريكي، فان على القوات الكردية لاحقا، الانسحاب إلى المناطق التي كانت تسيطر عليها قبل بدء معركة استعادة نينوى. فيما ظلت آلية التعامل مع المناطق التي كانت قد استعادتها القوات الكردية من «داعش» قبل انطلاق عمليات نينوى، مجهولة ورهينة بالمفاوضات بين الحكومتين، مع تأكيد الكرد انهم لن ينسحبوا من تلك المناطق وان مصيرها حسم.

العودة لنقطة الصفر

عدم وجود اتفاق سياسي بشأن الموصل وطريقة إدارة مناطق سهل نينوى وسنجار، ومصير تلك المناطق، وعدم خوض الاتفاق الأمني في تفاصيل آلية حماية تلك المناطق والجهة التي ستقوم بها، تكشف أن خلافات عميقة تنتظر الحل بين حكومتي بغداد واربيل، وإذا لم يحصل ذلك فقد تتطور إلى صراعات، خاصة إذا استعادت حكومة بغداد قوتها، وتمكن الجيش العراقي من فرض وجوده، وهو ما يخشاه الكثير من القادة الكرد، منبهين إلى ان ذلك يعيد أمر تلك المناطق إلى المادة 140 من الدستور التي لم تطبق بعد مرور 12 سنة على اقرارها.
وينتقد العديد من الكتاب الكرد فشل قيادة الإقليم في فرض اتفاق سياسي شامل برعاية أمريكية بشأن المناطق المتنازع عليها حينما كانت بغداد في أضعف حالاتها، مشيرين إلى ان القادة الكرد بدل البحث عن ذلك الاتفاق ظلوا يطلقون تصريحات إعلامية بانهم لن ينسحبوا من تلك المناطق وان الحدود رسمت وحسم الأمر بتضحيات البيشمركه، منبهين إلى ان ذلك قد يعني خسارة كل تلك التضحيات على طاولة التسويات المحلية والإقليمية والدولية لاحقا.
تلك التسويات، قد تدفع باتجاه انشاء مناطق إدارة ذاتية أو محافظات للمكونات القومية والدينية (مسيحيون، إيزيديون، تركمان، شبك) في سهل نينوى وسنجار، وهو ما قد يعطل خطط ضمها إلى إقليم كردستان، ليتكرر الوضع القائم في كركوك، المعلق مصيرها منذ سنوات دون حسم، في ظل خلافات الأحزاب الكردية على طريقة إدارة المدينة وإدارة الإقليم.

ما بعد معركة استعادة الموصل: التطلعات الكردية في ظل غياب الاتفاق السياسي وتصاعد التدخل الإقليمي

سامان نوح

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left