العراق والصراع على فتات الفدرالية السنية

أمير المفرجي

Mar 18, 2017

يبدو أن حالة الصراع الطائفي السني باتت، مثلها مثل الكثير من حالات الصراع السياسي في بلاد الرافدين الجديد، رهينة التجاذبات السياسية الفئوية والإقليمية، وهو العامل الرئيسي الذي أسهم بشكل لافت في تخريب الدولة ومؤسساتها وتفريق العراقيين.
حيث أثبتت العديد من الظواهر والأحداث الاجتماعية والإدارية الماضية، أن ظاهرة الصراع بين التيارات العشائرية السنية وأحزاب الإسلام السياسي المتمثل في الحزب الإسلامي لقيادة المشروع الطائفي السني لا يمكن فصلهما عن إطار الصراعات الفئوية بين أقطاب المكونات العراقية بصورة عامة، إذا أخذنا بعين الإعتبار الأسلوب المتعمد في إهمال المشروع الوطني واستغلاله كوسيلة للوصول إلى مراكز متقدمة في نظام المحاصصة بدلا من الثبات في حماية المكون السني من الكارثة التي ألمت به، تارة على أيدي الميليشيات الإيرانية وأخرى على يد تنظيم «الدولة».
ففي الوقت الذي لم تتوقف الحرب الشرسة في الموصل بقتل وتشريد ما تبقى من السنة العرب، يتلاعب أمراء العشائر السنية وأحزاب الإسلام السياسي بمقدراتهم، بحجة الحرص على تمثيلهم والدفاع عن أرواحهم وممتلكاتهم، مُدعين امتلاك شرعية التمثيل والتحدث باسم القاعدة الشعبية السنّية، حيث أثارت مشاركة بعض الشخصيات العشائرية وزعماء من الحزب الإسلامي العراقي، وهو فرع من جماعة الإخوان المسلمين في المؤتمرات الخارجية الهادفة لإقامة نظام فدرالي في العراق، التساؤل عن أسباب ظهور الكثير من الجماعات المختلفة التي تدّعي تمثيل المكون السني نفسه في هذه الفترة بالذات.
وإذا كان السماح في المشاركة في المؤتمرات يعتمد على القبول في دخول لعبة سياسة الهوّية الطائفية على الرغم من تماسك الخطوط الوطنية للقاعدة السنية ورفضها لدولة المكوّنات الجديدة منذ 2003، لانعدام تعبئة قومية انفصالية كالحركة الكردية، أو مرجعية دينية يحركها الشعور الإقليمي القومي من خلال أحزاب إيران في العراق، يبدو ان العديد من الذين اعتقدوا سابقا ان نظام الفدرالية ليس سوى مشروع للتقسيم، راحوا يتبنّون الآن هذا المفهوم الطائفي منذ سقوط الموصل. حيث لم تعد الأهمية للتفكير في جدية استمرار الجهود على إعادة التعبئة السياسية وفق الخطوط الوطنية التي فرضها الواقع العقائدي والمذهبي بعد احتلال العراق، وإنما حول إذا كان سيتم إقامة هذه الأقاليم على أساس الجغرافيا أو الهوية، ومن هي الطبقة السياسية والزعيم العشائري الأجدر في تشكيله وتمثيله؟
من هنا يبدو ان الطبقة السياسية والعشائرية المحسوبة على المكون السني فتحت صفحة جديدة من خلال تبني مشروع الفدرالية كبديل عن مشروع إعادة بناء الدولة وتوحيد المجتمع، باعتباره الطريق الأكثر سهولة للوصول إلى كرسي السلطة، بعد أن أيقن زعماؤها من المشهد السياسي العراقي المقبل الذي من المؤمل العمل به بعد الانتهاء من تحرير مدينة الموصل مع الإرادات القبلية والدينية لهذه المناطق المنكوبة وبضوء أخضر من الإدارة الأمريكية الجديدة. من هنا باتت الأولوية في التركيز على زعامة الإقليم أهم بكثير من الاستمرار في إعادة بناء مشروع وطني حقيقي، يحقق تطلعات العرب السنة ويمحي من الذاكرة مسلسل البطش والقتل على الهوية الذي عانى ويعاني منه العراقيون سنة وشيعة نتيجة للغزو الأمريكي، الذي أسقط الدولة وفتح الباب على مصراعيه لدخول الإرهاب وتطرف الميليشيات وتنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية. وبوجود نظام المحاصصة الطائفي الذي تلاعب بمقدرات البلاد، ليعطي للأحزاب الطائفية الحاكمة التي جاءت بها إيران حق التسلط على مقدرات العراقيين ومن ثم تقسيمهم إلى مكونات متناحرة منذ 2003 ولحد الآن.

المؤتمرات والصراع العشائري

وإذا كان النظام الطائفي الحاكم يدفع من عروبة العراق كل يوم ثمن الغطاء الطائفي الذي منحته إياه إيران في حكم شيعة العراق، انطلاقا من منطق حماية «الجمهورية الإسلامية» لأحزابها التي نشأت وتوسعت برعايتها، لم ينجح الملايين من المشردين في المحافظات الست المنكوبة بعد بالحصول على قيادة رشيدة تعيدهم إلى أحضان الشعب، وتطوي سنوات العذاب والتمزق والضياع التي عانى منها الكثير. حيث لم تفلح الأحزاب السنية في الخروج بحلول تضمن للمكون السني الذي يدعون تمثيله، ضمان أمنه وحقه في معارضة ومقاطعة الانتخابات الاثنية، التي قطف ثمارها متربصو الفرص من السياسيين السنة المشاركين في نظام المحاصصة، وتحمل أوزارها أبناء المحافظات والمعتصمون، قتلا وتهجيرا، بعد اتهامهم بالتمرد على حكومة نوري المالكي ومعاداة «الديمقراطية».
وهنا لابد من التأكيد على ان استمرار هيكلة نظام الحكم في العراق من قبل الإدارات الأمريكية المتتابعة التي صنّفت السكان وفق خطوط طائفية تعتمد على تمثيل الطائفة أو العرق ومن ثم الذهاب إلى نظام الفدرالية، بعد فشل حكومة حيدر العبادي في إعادة التوازن الاجتماعي بين المكونات العراقية، واستمرار ارتباط نوري المالكي بملف إدامة الميليشيات بعد تحرير مدينة الموصل، هو ما دفع بزعماء الأحزاب السنية إلى الترويج للمشاريع الفئوية التي تخدم مصالحهم وتؤمن لهم الكرسي للفترة المقبلة.
وهكذا، منذ احتلال الموصل، بذلت عدّة أطراف سياسية وشيوخ عشائر ورجال دين وبوجود دعم غربي وإقليمي، جهوداً عديدة لعقد مؤتمرات، تهدف إلى إيجاد أرضية مشتركة وتشكيل جبهة موحّدة، غير أن اشكالية وجود الصراع العشائري الداخلي، الذي يحول دون ظهور تحالف موحّد يمكنه أن يتحدث بصوت واحد، عرقل إنشاء جبهة موحّدة في الوقت الحاضر. من هذا المنطق، مثلت مؤتمرات فندق جورج الخامس الباريسي وجنيف وإسطنبول وعواصم أخرى في المنطقة، محاولة لشراء شرعية تمثيل النظام السياسي المقبل من خلال مشروع فدرالي بعد أن خسر أغلب الزعماء السنة الشارع الوطني العراقي.
علاوة على ذلك، ونتيجة لتعدد الجهات الداعمة، وارتباطها بالمصالح الإقليمية، أظهرت وقائع المؤتمرات الداعمة للسنة بروز العديد من الخلافات، ومحاولات نزع شرعية التمثيل بين زعماء السنة بعضهم البعض. ففي الوقت الذي يحظى البعض بالدعم التركي ومتانة العلاقات مع الحكومة التركية، يسعى البعض الآخر لطلب الدعم من العواصم الأجنبية للحصول على الشرعية في تمثيل الإقليم. وهنا لابد من الإشارة إلى أننا لسنا هنا بصدد تقييم درجة إيمان الطبقة السياسية بالوطن. فالوطنية في ظل معايير الحلال والحرام في عرف السياسة العراقية الحالية لا تعني «احلال التبعية والارتماء بحضن إيران، ولا تحريم طلب الدعم من تركيا».
لا شك ان فقدان الثقة في الحكومة المركزية التي تهيمن عليها إيران، واستمرارية نفوذ طهران في العراق وتمويل الميليشيات، قد تُضفي على مشاريع الفدرالية نوعا من الأخلاقية الشرعية، طالما لم يتغير المناخ الطائفي وغياب عقلية الغالب والمغلوب بعد تحرير الموصل من «تنظيم الدولة». وكما لا يمكن وضع اللوم في مأساة العرب السنّة فقط على عاتق الحكومة المركزية في مرحلة وتبرئة الأحزاب السنية التي ارتضت بالمحاصصة الطائفية وعلى حساب التمثيل الوطني العابر للطوائف، طمعا في المال والسلطة، ضاربين بعرض الحائط رفض العرب السنة للهوية الطائفية ودولة المكوّنات الجديدة، التي أعلنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها من خلال هيكلة نظام الحكم، التي صنّفت السكان وفق معايير طائفية عدائية أكل الزمان عليها وشرب.
وانطلاقا من مبدأ الاستمرار في تكملة تقسيم العراق الذي جاءت به دولة المكونات، وترسيخا للفصل الطائفي الذي لن ينتج خيرا للعرب السنة ولا لغيرهم، وبحجة التحضير للدخول في الانتخابات المحلية والتشريعية المقبلة بكل قوة لتأمين الحضور السني، تتعدد المؤتمرات وتتسع قائمة السياسيين العراقيين السنة المشاركين في العملية السياسية والمعارضين لها على حد سواء في جدول أعمالها بهدف خلق تجمع سياسي لإقامة الإقليم السني.
وهنا لا بد من التذكير من خلال العودة قليلا إلى الماضي في موضوع رفض غالبية العرب السنة لمعادلة سياسة الهوية التي عمل بها في الانتخابات التشريعية السابقة. حيث وبغض النظر عن التقييم السياسي للشخصية السياسية لزعيم كتلة ائتلاف العراقية، وتحفظ البعض من التيار الوطني من مسيرة أياد علاوي السياسية، استطاع ائتلاف العراقية الحصول على أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات عن طريق جمع السني والشيعي في كتلة واحدة، من خلال المشاركة بمشروع وطني، يضمن للعراق وحدته وأمن شعبه.
من هنا أصبح واضحا لكل من له بصيرة وطنية، إن المؤتمرات القائمة على أسس ومقاييس وثقافة طائفية، ليست إلا ترسيخا وتعميقا للفصل العنصري والطائفي، الذي لن ينتج خيرا لسنة العراق ولا لشيعته. وهذا ما يؤكد ان العرب في العراق لم يُرزقوا، بعد، بقيادة رشيدة عابرة للطوائف تعيدهم إلى أحضان الشعب، وتطوي سنوات تمزقها وضياع مستقبل الأجيال الآتية.

العراق والصراع على فتات الفدرالية السنية

أمير المفرجي

- -

3 تعليقات

  1. ما ينقص العراقيين شيئ واحد فقط وهو الوطنية
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. ملالي ايران هم السبب الاول والاخير في تفتيت مكونات الشعب العراقي والسوري واللبناني وهم يحاولون في البحرين واليمن ايضا، يجب ضرب الأفعى على رأسها التي بثت سمها في النسيج العربي واوجدت هذه التفرقة الطائفية البغيضة على اساس حدث تاريخي مضى عليه الف واربعمائة عام، كما تبنت الصهيونية لاحتلالها لاراضينا فرضية مضى عليها الفي عام
    يجب ان يعي الشيعي والسني ان مستقبلهما متحدين افضل لهما ولاولادهما واحفادهما من الانتماء للخارج

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left