من أجل رؤية عربية موحدة؟

سعيد يقطين

Mar 18, 2017

حين وقفت على واقع عمل الفرس والترك على إثبات الحضور في الصراع العربي، وخاصة في سوريا، وغياب وتغيب وتغييب العرب، كان هدفي التساؤل ليس فقط عن أسباب خروج العرب من العصر، ولكن أيضا عن ضرورة التفكير في كيفية انخراطهم في الواقع والتأثير فيه من منظور يخدم الإنسان العربي، من جهة، والتطلعات الإنسانية العامة، من جهة أخرى.
بالنسبة لتغييب العرب من المفاوضات حول الهدنة في سوريا، أرى أن الجواب المناسب له يكمن في ما قاله ساطع الحصري منذ نصف قرن عندما سئل عن أسباب هزيمة العرب في 1967 رغم أنهم كانوا يحاربون بجيوش ست دول، ضد جيش واحد؟ لم يزد على أن قال: إن هذا هو بالضبط سبب الهزيمة. إنهم كانوا يحاربون بستة جيوش تنتمى إلى ست دول، وليس بجيش واحد لدولة واحدة. الفرس والترك لهم دولة واحدة وجيش واحد ورؤية واحدة وموحدة لمصالحهم ولمستقبلهم. أما العرب فتراهم جميعا وقلوبهم شتى. تفرقهم «الجامعة العربية»، ولا تلم شؤونهم المشاكل المشتركة، ولا يجمع بينهم الاستهداف الواحد لهم جميعا. تراهم منذ أحداث الربيع العربي، لا يزدادون إلا اختلافا في التصور والرؤية لما يجري من حولهم. كل يتصرف بما يراه مناسبا وفق حسابات ضيقة ومحدودة. يتساوى في هذا الحكام والمؤسسات الرسمية والشعبية.
اعتبرت الربيع العربي حدثا كبيرا في التاريخ العربي المعاصر. لقد طرح فيه الشعب العربي سؤالا كبيرا: لماذا نُحرَم من الحرية التي تتمتع بها شعوب العالم؟ وما شعارات: نريد الحرية، وكفى، وارحل… سوى تعبير عن هذا السؤال الكبير. ولذلك اعتبرت، أيضا، هذا الحدث نظير سؤال النهضة كما صاغته النخبة العربية: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ أو السؤال الذي عبرت عنه الحركة الوطنية: لماذا استعمرنا؟
كان سؤال الربيع العربي على لسان الشباب، وهم يعبرون عن هموم الشعب. لكن الجواب لم يفكر فيه الحكام بالجدية المطلوبة. لقد انخرط بعضهم في تشجيع الحدث، وتغذيته، والبعض الآخر استنكره واستهجنه. اعتبره البعض تعبيرا عن الفوضى، ورآه آخرون إرهابا، واستنتج منه آخر أنه بات يفهم، فقط النظام المغربي تجاوب مع السؤال بكيفية مختلفة ومناسبة. ولم يجد بعض المثقفين على محاولة الجواب عنه إلا بطرح أسئلة عقيمة: هل هو ثورة شعبية؟ أم انتفاضة؟ أم حركة عوام؟ وخاضت كل دولة عربية تحقق فيه الربيع العربي بصورة مباشرة تجربتها الخاصة؛ وها تجارب سوريا واليمن وليبيا ما تزال حية تنبض بالدم. وها الأفق السياسي المغربي ينتظر الحسم في تشكيل حكومة أبطأت موعدها. وقبلها لبنان ظل يبحث عن رئيسه عدة سنوات. أما تونس ومصر فتلملم كل منهما جراحها وتبحث لها عن منفذ. بعض الدول العربية مشاركة في التحالف الدولي، وبعضها الآخر منخرطة في التحالف الآخر. وحتى بين دول الجوار العربي نجد التناقضات التي تصل حد «القطيعة»، بل حد التسلح، والتربص على الحدود، والعمل على إشعال نار الحرب بين شعوب تبحث عن كسرة خبز، ونسمة كرامة، وما يجري بين المغرب والجزائر، باسم الصحراء، عنا ببعيد.
كيف يمكن لعرب كهؤلاء أن يكون لهم موقع في العصر، وأن ينخرطوا كقوة تفاوضية حول مصير يهمهم بالدرجة الأولى والأخيرة، فرادى وأشتاتا؟ كيف يمكن للعالم أن يضعهم في الاعتبار، أو يستمع إلى مُعلّقاتهم؟ ويدعوهم إلى طاولة المفاوضات، أو المشاركة في رسم «خرائط» الطرق، أو التخطيط لمصير العالم؟ على بعد شهرين من الآن سيكون قد مر نصف قرن على هزيمة العرب الكبرى في فلسطين، وقد كانوا ست دول مشاركة في الحرب، وانهزموا جميعا في ستة أيام. فما هو واقع فلسطين بعد كل هذا الزمان؟ فلا إسرائيل قذف بها إلى البحر، ولا صلاة للحجاج في المسجد الأقصى، ولا الفلسطينيون، فيما بينهم موحدون.
في منتصف القرن الماضي طرحت شعارات «القومية العربية»، و»الوحدة العربية»، وفي أوائل القرن الماضي نفسه، طرح شعار «الخلافة الإسلامية». فماذا تحقق من المشروع القومي؟ وكم من الأقطار العربية توحدت؟ بشعارات «الوحدة» مورست الحروب الإعلامية والانقلابية من أجل تكريس المزيد من «التفرقة» العربية. فاعتبرت الجمهوريات ثورية، والملكيات رجعية. فأقيمت الحواجز، وصارت الشعوب رهائن أنظمة متباينة. وأمام سقوط رهانات الجمهوريات القومية والوحدوية والاشتراكية، وعجزها عن استقطاب المزيد من الحماس للتغيير، تعود إلينا شعارات «الخلافة الإسلامية» (مع القاعدة وداعش)، باعتبارها بديلا، لتكون أكثر دموية من الأنظمة العسكرية. وبدل أن تفكر في الإسلام بالطريقة السمحة، والمبنية على «الجدال بالتي هي أحسن»، صارت تكفر، وتفجر، وتدمر ليس فقط المسلمين، بل وتقدم صورة سلبية عن الإسلام، ومسيئة له في الوقت ذاته، حتى صار «الإسلام» لا يعني سوى الإرهاب.
وإذا كان شعار الأمس القومي «وحدويا» ولو على مستوى «الكلام»، صارت الشعارات القومية المتعددة اليوم أكثر تعبيرا عن «التفرقة»، والدعوة إلى الانقسام والانفصال. انفصل جنوب السودان، وترفع بين الفينة والأخرى في اليمن مطالب «فك الارتباط»، وما النزعات الكردية والأمازيغية وسواها سوى دعوات إلى ذلك، وإن كانت الشعارات ذات حمولة ثقافية ولغوية وحقوقية. ويمكن قول الشيء نفسه عن النزعات الدينية. فرغم كون الإسلام دين الجميع، نرى كل فرقة من الفرق ترى نفسها هي الناجية، وتكفر غيرها، وتدعو إلى محاربتها. لم نكن نسمع عن الشيعة والسنة إلا بعد سقوط بغداد. وها بعض اليمنيين صاروا يفخرون بأنهم يقيمون الحسينيات، فهل يخوض الحوثيون اليوم حربا من أجل يمن ديمقراطي وموحد؟ أم يعدون مكانا لخروج المنقذ؟
لقد انتقلنا من «القومية» إلى «القوميات» وندعي مع ذلك أننا ضد القومية. وفي حربنا ضد قومية «عربية»، بتنا نطالب بقومية أمازيغية وكردية وصحراوية… وانتقلنا من «الإسلام» إلى «الإسلامات». وباسم الإسلام نمارس الإرهاب، ونحن نحارب الإرهاب. وفي كل هذه الصيرورة وما واكبها من تطورات، ماذا كان يجني المواطن العربي والكردي والأمازيغي والسني والشيعي والعقلاني والعلماني في البلاد العربية؟ ما موقعه من العالم؟ وما دوره في الحياة؟
حين أرى شابة سورية في الرباط قرب مركز تجاري أو علامة المرور، وقد قطعت مع أسرتها آلاف الكيلومترات لتسألني «صدقة»، وتقول لي حين أسألها عن موطنها، بأنها من إدلب أو حلب… لا أرى فيها عربية أو كردية أو مسلمة أو مسيحية، لكني أراها «إنسانا» شردته سياسة جائرة، ولا يمكنني سوى التعاطف معها، وفي الوقت نفسه أستنكر الشعار الذي حملها على الهجرة. ما نزال نفكر بالشعارات، ونتوهم أننا بها يمكننا حل مشاكلنا التاريخية والحديثة والمعاصرة.
إن رؤيتنا «سلفية» إلى الكون والعالم والإنسان. والسلفية هنا تتعدى البعد الديني الذي أطلق عليها في التاريخ العربي. لا فرق في سلفيتنا بين المتدين والملحد، وبين هذا القومي، وذاك العرقي، بين هذا السني وذاك الشيعي، أو هذا الذي يعبد الشيطان. رؤيتنا السلفية تقضي بأن مستقبلنا في ماضينا. ولكي نبني مستقبلا ما، علينا أن نستجلبه من الماضي، سواء كان حقيقيا أو متخيلا، وكل الشعارات القومية والعرقية والدينية وحتى السياسية التي أخذناها عن الغرب والتي نطرح لمواجهة حاضرنا أيقونات ماضوية.
إن الرؤية التي يمكن أن توحد الوطن العربي باعتباره وطنا لا قومية هي المستقبل، وبدونها نعيش فرقة الرؤية السلفية.
كاتب مغربي

من أجل رؤية عربية موحدة؟

سعيد يقطين

- -

6 تعليقات

  1. لنقل إن طعم الغياب قد تجرعه بعض العرب مرارة وهم كارهون
    -
    و البعض الآخر قد شربه وهو غائب الوعي و يقينه في حضوره
    -
    لا يقنع سوى ذاته المشلولة ، ولنأمل في ألا تكون غيبة العربي
    -
    غيبة كبرى تفضي به نحو الإنسحاب التام من التاريخ
    -
    اتمنى من السيد سعيد ان يخص القدس العربي بمقال عن واقعة حل ” البلوكاج ”
    “-
    الحكومي فالمثقف المغربي قد صام عن تناول استثناءاتنا المغربية القياسية و ترك الساحة لأشباه المثقفين
    -
    وتحياتي

  2. تحليل واقعي وصائب استاذ يقطين وجعنا واحد نحن الجمع الأكبر، والقلة منا تعيث فينا فسادا وتفرقة وظلما ومهانة وفقرا وتشريدا وتقتيلا, واغلب ظني ان مستقبلنا أشد سوادا، لأن ساساتنا ومنذ قرن ادخلونا في نفق مظلم مظلم مظلم

  3. بودي فقط يا دكتور أن أضيف لك أن الوحدة التي عاشتها هذه الشعوب كانت بعد كسرها بالإستعمار العربي الذي تسلح بالدين الإسلامي و جاء تحت عباءة الفتوحات. ما يحدث اليوم تراكمات مئات السنين، فهذه الشعوب التي اعتنقت الإسلام و العروبة معا تحت تهديد السيف فقدت حريتها آنذاك، و ظل وهم الوحدة يظلل أفكارها.
    تاريخ سوريا العظيم كسرته الإستعمارات و منها الإستعمار العربي. و هذا مجرد نموذج لبلد سلخ من هويته و قصت جذوره ليصبح إنتماءه معلق في الهواء بقومية عربية لا تعنيه
    لا أدري ما رؤيتك للموضوع لكن من يقرأ مقالك و حكاية البنت السورية يجب أن تتضح له هذه الصورة.

  4. مقال رائع وتحليل دقيق لماضي لازلنا نعاني أخطاءه وحاضر نعيش كوارثه كل يوم. اما المستقبل فكل ينظر اليه من منظاره الخاص لتتكون لدينا 22 رؤية بدل 6 جيوش.

  5. أصبت في القول والتحليل يا كاتبنا. فشكرا جزيلا لك.
    فعلا، نصف الحل هو ان نعرف مشكلتنا بدقة. مشكلتنا هي أننا سلفيون بالمعنى الذي ذكرت، أي خارج عصرنا.
    لذلك، أصاب زعيم عربي، تناول الكلمة في قمة رسمية، وقال: ” مشكلتنا نحن العرب ليست هي اسراييل، مشكلتنا أننا متخلفون عن عصرنا ومشتتون فيما بيننا”.
    لهذا، لا يسمع لنا صوتي المحافل ولا يعطانا أي اعتبار بين الامم.

  6. ملخص القول هو ان تقول ان هناك امة عربية فانت تخلق مشكلة لانه علينا اثبات اننا كنا امة عربية ولو قلنا اننا امة اسلامية سنخلق مشكلة اكبروسنبقى نلف وندور عقود من اجل الوصول الى هدف القومية او الدين وتتمزق دولنا وبالنتيجة معاناة للشعب وتبديد خيراته وتهديم ما بناه سابقا كما حدث في العراق والان سوريا على سبيل المثال.الخلاص يكون بدولة مدنية عصرية عابرة للقومية والدين يكون المواطن هو هدف الحكومة.فهل يهتم الالماني او النمساوي بالوحدة بين بلديهم ام يهتم ببرامج حكومته ويقوم بانتخاب نواب له يخدمونه ولا يخدمون قضايا اخرى

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left