تحرير الموصل: مفترق طرق أمام العراقيين

مصطفى العبيدي

Mar 18, 2017

بغداد ـ «القدس العربي»: مع تحرير القوات العراقية لمزيد من أحياء الجانب الأيمن من الموصل من قبضة تنظيم «الدولة»، تتصاعد مأساة السكان المحاصرين داخل المدينة القديمة، بين نيران المقاتلين، ومخاطر الفرار نحو المناطق الآمنة ومواجهة معاناة النزوح، وسط مؤشرات ومخاوف وتوتر سياسي لمرحلة ما بعد التنظيم.
وتميز الاسبوع الماضي بتقدم بطيء بسبب المقاومة العنيفة لبقايا التنظيم المحاصرين كليا، مع تواصل ملحوظ للقوات العراقية في انتزاع المزيد من أحياء الجانب الأيمن واقترابها من الأحياء القديمة. ويؤكد القادة العسكريون العراقيون ان القتال ينتقل من حي إلى حي ومن شارع إلى شارع ومن بيت إلى بيت، مع تزايد خبرة المقاتلين واستخدام أساليب جديدة في القتال ما أسهم في اسقاط خطوط دفاعات التنظيم الواحدة تلو الأخرى، وعكس انهيارا واضحا في القدرات القتالية ومعنويات مقاتلي التنظيم، وخاصة بعد قطع جميع طرق الامدادات بين الموصل وتلعفر التي تعتبر العمق الاستراتيجي للتنظيم في نقل الامدادات والمقاتلين بين الموصل وسوريا.
وتسعى القيادة العسكرية العراقية حاليا، إلى تحقيق الالتقاء بين القوات المتقدمة على محور جنوب أيمن الموصل مع القوات المتحركة على محور غرب المدينة، وذلك بعد النجاح في تحرير نصف الساحل الغربي الذي لم يبق منه سوى 18 حيا، وتمكنها من الوصول إلى الجسر الثالث من الجانبين، واقتراب القوات إلى بضع مئات من مئذنة الموصل الشهيرة والجامع الكبير الذي أعلن منه ابو بكر البغدادي عن ولادة دولته المزعومة، كما نجحت في السيطرة على شارع الكورنيش المطل على دجلة لتأمين ضفة النهر وعدم السماح بهجمات مفاجئة لمحاولة الالتفاف على القوات المتقدمة.
ورغم الظروف التي أخرت تقدم القوات العراقية في الأحياء جراء عوامل قاهرة منها سوء الأحوال الجوية وسقوط الأمطار الذي أعاق استخدام الطيران، مع اشتداد مقاومة عناصر التنظيم وزيادة استخدامه العربات المفخخة والقنابل من الطائرات المسيرة والهاون والقناصين، بالإضافة إلى تفاقم مشكلة اخلاء السكان المحاصرين الساعين للفرار من جحيم القتال والقصف المتبادل، إلا ان القوات العراقية تمكنت من قضم المزيد من الأحياء، مع استغلال فترات التوقف القصير لتمشيط الأحياء المحررة من الخلايا النائمة والمقرات والمستودعات التي تركها التنظيم عند انسحابه.
أما في محور بادوش الذي يتحكم بمنطقة واسعة غرب الموصل ضمنها الطريق بين الموصل وتلعفر، فقد تمكنت القوات العراقية، من احكام السيطرة عليه وقطع آخر طرق امداد تنظيم «الدولة» مع سوريا، ولم يتبق له سوى طرق وعرة قليلة بين الجبال والديان قد يلجأ إليها من تبقى من عناصر التنظيم للفرار من الموصل نحو تلعفر.

حرب العصابات

ويعتقد المتابعون لتطورات المعارك ان تنظيم «الدولة» بدأ في فقدان القيادة والسيطرة على مقاتليه وسير المعارك وتأكد عجزه عن الوقوف بوجه القوات العراقية المدعومة من التحالف الدولي، حيث خسر معظم المناطق والمواقع التي كانت تحت سيطرته قبل عامين في العراق، مما دفع التنظيم حسب المراقبين إلى تغيير استراتيجيته وفراره إلى الصحاري والوديان والجبال، واتباع اسلوب حرب العصابات وشن هجمات متفرقة هنا وهناك.
أما الأوضاع في الساحل الأيسر المحرر، فيبدو ان الحياة فيه تعود تدريجيا إلى سابق عهدها قبل احتلالها من تنظيم «الدولة» وفق مخطط شيطاني شاركت فيه قيادات سياسية عراقية وقوى إقليمية، وعاد أكثر من 70 ألف من سكانه النازحين إلى بيوتهم حتى الآن حسب تقارير رسمية، كما بدأت الدوائر الحكومية والمدارس في ممارسة نشاطها الاعتيادي ولو بشكل محدود ، تنتظرهم مهمة صعبة في إعادة اعمار ما دمرته الحرب من البنية التحتية وما تركه التنظيم من آثار نفسية معقدة ومخلفات سلبية في أوضاع أهل المدينة التي تتطلب جهدا وطنيا ودوليا جديا للتعامل معه.
ومن ناحية أخرى، برزت مأساة النازحين الفارين من القتال هذه الأيام لتؤكد المخاوف والتحذيرات من عدم قدرة السلطات العراقية ومنظمات الإغاثة الدولية على التعامل مع حجم المشكلة رغم الادعاء مسبقا بتهيئة كل المستلزمات لحركة النزوح المتوقعة من مخيمات وما تتطلبه من توفير الاحتياجات الأساسية.
وأكدت المصادر المطلعة ووسائل الإعلام وتصريحات نواب المحافظة والمنظمات الدولية، على معاناة حقيقية يواجهها سكان الساحل الأيمن من الموصل سواء في أعداد الضحايا الكبيرة الذين يسقطون نتيجة القصف العشوائي والمعارك الدائرة في أحياء المدينة وشوارعها، أو جراء مخاطر فرار المدنيين الذين يواجهون الموت على يد التنظيم في رحلة الهروب، أو في البقاء لعدة أيام في العراء دون مأوى أو طعام قد يتحملها الرجال ولكن ضغطها شديد على كبار السن والمرضى والأطفال وسط أجواء مناخية سيئة. وحتى بعد الوصول إلى المناطق الآمنة، فهناك مرحلة التدقيق الأمني للنازحين من قبل القوات الأمنية لفرز المطلوبين والمتهمين بالتعاون مع تنظيم «الدولة»، الذي قد يستغرق أياما يتم خلالها فصل الرجال عن عائلاتهم، وهي فترة تكون صعبة على النساء والأطفال وسط نقص كبير في التجهيزات الغذائية والماء والخيام في مناطق غير متكاملة الخدمات تكون مرحلة قبل نقلهم إلى المخيمات المكتظة بالنازحين بأكثر من طاقتها الاستيعابية بعد ان تجاوزت اعداد الفارين من الجانب الأيمن 152 ألفا حتى الآن، مع تواتر أخبار عن انتشار الأمراض في بعض المخيمات نتيجة تكدس النازحين في الخيام ونقص الخدمات.

العون والإغاثة

وازاء اعتراف الحكومة العراقية بإن مشكلة النازحين أكبر من قدراتها، ومع القصور الملموس في التعامل مع مشكلة النازحين من الجانب الأيمن والتي تتجاوز اعدادهم، النازحين من الجانب الأيسر حسب تأكيد الأمم المتحدة، لذا بادرت الكثير من الجهات المحلية والدولية لتقديم المساعدة العاجلة الممكنة ومنها نداء المرجعيات الدينية للسنة والشيعة، لحملات تبرعات وجمع مساعدات ساهمت بها الفعاليات الشعبية ومنظمات المجتمع المدني، حيث تم اعداد العشرات من القوافل المحملة بالمواد الغذائية والطبية والأفرشة والمعدات الضرورية وتوافدت نحو مخيمات النازحين من الموصل لتقديم العون والإغاثة، استجابة لدعوات مرجعية النجف العليا ونداء زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، كما نظم المجمع الفقهي لكبار العلماء «السنة» حملة واسعة لجمع التبرعات لهذا الغرض. وكانت حملات جمع التبرعات وارسالها إلى النازحين من الموصل، تظاهرة وطنية تستحق الاهتمام في التكافل الاجتماعي بين العراقيين ورسالة واضحة بعدم وجود خلافات بين أبناء الشعب بكافة طوائفه وشرائحه وان الخلافات تتركز بين السياسيين فقط.
ورغم حجم معاناة السكان والنازحين من الموصل، والدمار الواسع للبنى التحتية في مدينتهم، ولكنه بالنسبة لأهل الموصل ولكل العراقيين، ثمن لا بد منه لدفع شرور التنظيم الإرهابي الذي أذاق المناطق التي خضعت لسيطرته كل أشكال الاذلال والانتهاكات والجرائم التي لن ينساها العراقيون لأمد بعيد، والذي أوجدته السياسيات الطائفية والفساد والفشل لسياسيين فرضوا أنفسهم في غفلة من الزمن على العراقيين وتحكموا بمصير بلدهم.
وبعيدا عن قرقعة السلاح ونواح النازحين وأنينهم، في الموصل وغيرها من المناطق المنكوبة في العراق، فان أوضاع الموصل في مرحلة ما بعد الانتهاء من تنظيم «الدولة» والاستحقاقات المطلوبة لترتيب أوضاع المحافظة، كانت مثار نقاشات واجتهادات بين القوى السياسية السنية، وعقدت مؤتمرات وندوات سياسية محلية وإقليمية، للبحث في السبل الكفيلة بالتعامل مع حجم الكارثة وضمان عدم تكرار بروز الظواهر المتطرفة من أمثال «القاعدة « أو «داعش» وغيرها. وضمن هذا المسار جاء عقد مؤتمر تركيا لسنة العراق الذي ناقش مستقبل العراق ودور مكوناته وضرورة الغاء الاقصاء والتهميش وإعادة اعمار المناطق المدمرة. ورغم توجيه الانتقادات لعقد مثل هذه المؤتمرات من قبل التحالف الشيعي والمتضررين من السياسيين السنة، فانها تندرج ضمن محاولات أخذ الدروس من تدهور أوضاع البلد وتجاوز مسبباتها وآثارها.
ويتفق المراقبون على ان معركة تحرير الموصل ستكون فاصلا لمرحلة مقبلة يكون العراقيون فيها أمام خيارين لا ثالث لهما، اما اختيار قيادات جديدة تنقذ البلد من الانهيار الشامل الذي وصل إليه جراء سياسات التطرف المذهبي والعنصري وتفشي الفساد والفشل منذ 2003 أو البقاء على العقلية الحاكمة نفسها التي ستجر البلد حتما نحو مزيد من التدهور والانقسام والأزمات وحروب لا أول لها ولا آخر في صراع حول المناطق والمصالح ولخدمة مشاريع الدول الأخرى، التي جاءت لنا بسيناريوهات الفتنة الطائفية و«القاعدة» و«داعش» وغيرها مما يخفيه من يخططون سياسات المنطقة.

تحرير الموصل: مفترق طرق أمام العراقيين

مصطفى العبيدي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left