حلم الشعوب بالتغيير

د. الشفيع خضر سعيد

Mar 20, 2017

لا تزال الشعوب العربية تحلم بالتغيير، سواء على صعيد حل القضية القومية «فلسطين»، أو على صعيد تنفيذ التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في بلدانها. وإذا أخذنا في الاعتبار فشل النخب التي ظلت تحكم هذه الشعوب، منذ فجر استقلالها، في تنفيذ هذا التغيير وهذه التحولات، وانتبهنا إلى المتغيرات الراهنة في التركيبة الطبقية للبلدان العربية، إضافة إلى الدور الذي ظلت تلعبه مجموعات المثقفين والمهنيين والضباط والحركات الإثنية والقومية…الخ، فمن الواضح أن تحقيق التغيير المنشود، يتطلب أولا: مشاركة واسعة من مختلف طبقات وفئات الشعب وشرائحه السياسية والإجتماعية والثقافية والدينية، بما في ذلك المجموعات الإثنية والقومية…الخ على الرغم من وجود فوارق في المصالح، وعلى الرغم من وجود نزاعات قائمة. ويتطلب ثانيا: إقامة نظام ديمقراطي تعددي تسود فيه مضامين ومفاهيم المجتمع المدني الديمقراطي، وما يستتبع ذلك من ترسيخ لمبدأ التداول الديمقراطي الدستوري للسلطة والاحترام المتبادل بين الأحزاب و التنظيمات المختلفة، وإرساء دعائم حكم القانون، واحترام حقوق الإنسان وحق الشعب وحريته في اختيار الطريق الذي يرتضيه. ويتطلب ثالثا، تجسيد قوى التغيير هذه في قوام وبرنامج عمل ملموسين، وهي المهمة الرئيسية التي، في إعتقادي، يجب أن يتصدى لها اليسار، وفق مفهوم اليسار الذي تناولناه في المقال السابق، وهي في ذات الوقت تمثل خطوة لإيقاظ اليسار في المنطقة العربية من سباته العميق. وبالطبع، فإن مفهوم قوى التغيير سيكون أوسع بكثير من مفهوم اليسار التقليدي، والذي ظل مرتبطا بالتيارات الماركسية والاشتراكية والقومية والتقدمية عموما.
قد يتساءل البعض منزعجا: ولكن أي مشروع فكري تستند عليه قوى التغيير هذه؟ فأنت تتحدث عن قوى متعددة المدارس والمشارب الفكرية، بل أن أقساما منها متباعدة المسافات الفكرية؟! أعتقد، أن الإنزعاج مشروع! ولكن من الممكن تبديده إذا نظرنا بتمعن، وبحثنا بعمق، في الحقائق التالية:
لابد من الأخذ في الإعتبار أن تلك الأقسام المتباعدة فكريا، أولا: قد إنتبهت إلى ذات القضايا السياسية والاجتماعية المطروحة في أجندة التغيير، وثانيا: إرتضت التحالف والعمل المشترك في إطار برنامج إشتركت هي في صياغته، وثالثا: المعالجة المشتركة لذات القضايا، وفي خضم معركة نضالية، طويلة نسبيا، ستولد، بفعل تأثير ديناميكية الإنعكاس الديالكتيكي، عند هذه الأقسام أفكارا ومفاهيم جديدة، متقاربة المسافات مقارنة بالمسافة بين المنطلقات الفكرية عند كل قسم قبل الخوض في معركة المعالجة المشتركة.
لا أعتقد أن تعدد المدارس والمنطلقات الفكرية لقوى التغيير سيفضي، بالضرورة، إلى وحدة فكرية بين هذه القوى. ولكن، ما أعتقده جازما، كما بينت التجربة الملموسة، أن ذلك لن يقف عائقا أما صياغة وتنفيذ البرامج المشتركة بين هذه القوى. بل، إن البرنامج الواحد الذى سيتغذى من مدارس فكرية متعددة ومتنوعة أكثر ثراء وجدوى من وحدة فكرية لا تتحقق على أرض الواقع. ثم أن الدروس المستخلصة من تجربة المعسكر الاشتراكي، في وجوده وفي انهياره، وكذلك ما أفرزه واقع المستجدات والمتغيرات المعاصرة والمعايشة، تقول بأن تطور الثورة الاجتماعية نحو العدالة الإجتماعية، مرتبط بترسيخ مضامين الديمقراطية السياسية التعددية. وأن هذا التطور لا يرتبط بحزب واحد ولا بطبقة واحدة، بل يرتبط بالمشاركة الواسعة، بتداول السلطة، بعدم إلغاء الآخر أو إعلان أن التغيير يمكن أن ينجز بواسطة حزب واحد أو طبقة واحدة.
لمنطقتنا العربية نصيب وافر من ظاهرة النزاعات العرقية والطائفية الدموية. وهي ظاهرة سائدة عالميا، وأدت إلى موت ملايين البشر واندثار دول ونشوء أخرى جديدة. كما تجلت فيها ظاهرة تراجع الأحزاب والتنظيمات السياسية في بلداننا إلى تنظيمات مرتبطة، بهذا القدر أو ذاك، بالإثنية والدفاع عن المجموعات العرقية. هذه الظاهرة تحتاج إلى دراسة متأنية دون إختزال المسألة كلها في إطار التحليل الطبقي ودون إهماله في نفس الوقت. صحيح أن الإثنية تعكس حالة الاضطهاد القومي في حين تعبر الطبقية عن الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي لهذه المجموعات، لكن تظل العلاقة بين الإثنين هي علاقة ارتباط جدلي. نقول ذلك دون أن نغفل أنه في كثير من الحالات، وتحديدا في بلدان التوتر العرقي، وفي سياق تاريخي محدد، يحتل العامل الإثني بالنسبة للقوميات المقهورة والمضطهدة موقع الأولوية بالنسبة لسياسات التعبئة والتحالفات.
عالميا، طرحت المستجدات والتطورات الجديدة والمعاصرة قضايا جديدة، واسعة ومتشعبة تشمل: الموقف ضد الحرب ومن أجل السلام العالمي، الحركة المناهضة للعولمة الرأسمالية وضد السيطرة المتحكمة للاحتكارات المتعددة الجنسيات، النضال ضد أسلحة الدمار الشامل ومن أجل لجم المجمعات الصناعية العسكرية، مقاومة سياسات الشعبوية اليمينية الصاعدة وتوجهاتها الفاشية، إتساع نشاط المنظمات غير الحكومية وتعاظم دورها داخل المجتمع الرأسمالي وفي مناطق العالم الأخرى، حركة الحفاظ على البيئة، الحركة العالمية من أجل حقوق الإنسان، الحركات والمدارس العديدة المرتبطة بقضايا المرأة والنوع (الجندر) والشباب…الخ. هذه القضايا وحدت قوى جماهيرية واسعة وعريضة من مختلف الطبقات والفئات والقوميات في العالم، غض النظر عن منطلقاتها الفكرية والايديولوجية، مما ينبئ بتشكل كتلة عالمية جديدة تضم المناضلين من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام والعدالة الإجتماعية، وضد العولمة المتوحشة، بما في ذلك الحركات والتنظيمات والأحزاب المتواجدة في قلب النظام الرأسمالي ومعادية له أو لأحد أوجهه، وحركة الشعوب المناضلة من أجل استكمال مهام استقلالها الوطني والإجتماعي، وكذلك الحركات والمجموعات الدينية التي تتبنى ذات الأهداف.
أخيرا، إن البرنامج والخطاب والقيادة، وكل ما كانت تقتنع به الجماهير في الماضي، ليس بالضرورة أن يظل مقنعا اليوم، وما كان فعالا وناجحا في الماضي من مناهج وأساليب عمل، ليس بالضرورة أن يستمر فعالا وناجحا اليوم. وعلى عكس مصانع الأدوية الطبية التي تحدد مدى صلاحية دوائها الذي سيستخدمه الجمهور، فإن الذي يحدد صلاحية برنامج التغيير وقيادته ومنهج عمله هي الجماهير نفسها.

٭ كاتب سوداني

حلم الشعوب بالتغيير

د. الشفيع خضر سعيد

- -

1 COMMENT

  1. إنتهت صلاحية الجامعة ، وما تمثل، وما زالت تمثل، ما الحل ؟!.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left