الحرب الرقمية: والعرب لا محل لهم من الإعراب 

د. حسين مجدوبي

Mar 21, 2017

نتابع باهتمام وأحيانا بدونه الحروب التي تجري في مختلف بقاع العالم ومنها في العالم العربي، الذي تحول خلال 150 سنة الأخيرة الى ساحة حرب حقيقية بين الدول العربية في ما بينها، وبين الدول الكبرى التي احتلت هذه المنطقة وتستمر في احتلالها بشكل غير مباشر.
ولعل ما يجري في العراق وسوريا واليمن من أبرز العناوين لهذه الحروب، لكن في الوقت نفسه، هناك حروب نقرأ عنها دون شعورنا أحيانا بثقلها حاليا ومستقبلا، إنها الحروب الرقمية أو السبرنيتية المرتبطة بالإنترنت، التي لم يعد للولايات المتحدة التفوق فيها.
دائما، انبهر المواطن العربي بحرب المخابرات الدائرة بين القوى الكبرى، خاصة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وروسيا لاحقا، وكيف جسدت السينما أفلاما مرعبة حول هذه الحرب، التي كانت ساخنة عكس الحرب الباردة، وكيف تصارع البلدان من أجل النفوذ والمصالح. وكان العالم العربي يتفرج على هذه الحرب، فأجهزته المخابراتية لا تتوفر على أجندة المصالح العميقة للوطن والشعوب، بل مصلحة الوطن تعوضها مصلحة الحاكم، وهي القضاء على المعارضة وتعذيب أفرادها والعمل على تشويه سمعتهم. ولهذا، عندما نطالع تاريخ مخابرات غربية بعد رفع السرية عن وثائق حساسة، نجد تحاليل سياسية وجيوسياسية وعمليات تمويه خدمة لمصالح البلد. وفي العالم العربي، لا توجد سياسة رفع السرية، بل الشارع يجسد «وثائق المخابرات» في معتقلات رهيبة ممتدة على طول الخريطة من المحيط الأطلسي الى الخليج العربي، عذب فيها هذا المعارض أو استشهد تحت التعذيب ذلك المعارض أو استبيح شرف تلك المناضلة الحرة.
وتجري الآن حرب مخابراتية جديدة مرتبطة بعالم الإنترنت وتسمى بالحرب الرقمية أو الحروب السبرنيتية بين القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والهند والبرازيل وكندا، ضمن دول أخرى، بينما دول العالم العربي تقف موقف المتفرج.
وخلال العشرين سنة الأخيرة، كنا نقف مبهورين أمام ما كنا نعتقد سيطرة الولايات المتحدة على العالم، من خلال وكالات أسطورية، مثل وكالة الأمن القومي التي تراقب اتصالات العالم وسيطرتها على شبكة الإنترنت أو وكالة الأمن القومي للتجسس الفضائي، وتبقى وكالة الاستخبارات «سي آي إيه» الأخت الصغرى أمام وكالات مثل هذا النوع وأخرى سرية. لكن هذه الهالة الأسطورية سقطت خلال السنوات الأخيرة، وتجد منعطفها في الوثائق التي سربتها جمعية ويكيليكس التي يديرها الأسترالي جوليان أسانج، ثم البرامج التي كشف عنها إدوارد سنودن من داخل المطبخ الاستخباراتي الأمريكي. وتوالت التسريبات من هذا النوع، وآخرها ما كشفته ويكيليكس منذ شهر من برامج المخابرات «سي آي إيه» بالتجسس على الناس في العالم، بما في ذلك توظيف شاشات تلفزيون سامسونغ.
كل هذه الأحداث والتطورات والوقائع تدخل ضمن «الحرب الرقمية» أو الحرب «السبرنيتية» التي أصبحت من أخطر الحروب في وقتنا الراهن، تجري ولكن على مستوى منخفض، لأنها بدأت تعادل في قوتها حربا نووية، وكما يتجنب العالم حربا نووية، يتجنب حربا رقمية حقيقية، ويقتصر على المناوشات لأن بعض الدول قادرة على شل الحياة في دول أخرى إذا ضربت لها شبكة الإنترنت، ستتوقف المستشفيات وشبكة الكهرباء ووسائل النقل ضمن قطاعات أخرى. ولعل العنوان الأبرز بعد حرب التسريبات ومنها ويكيليكس هو تخوف دول غربية من تحكم روسيا في نتائج الانتخابات. وتعيش الولايات المتحدة نقاشا حادا للغاية حول: هل ساعدت روسيا ترامب على الفوز في الانتخابات الرئاسية التي جرت خلال نوفمبر الماضي؟ ولا نعني هنا تمويل الحملة ماليا، بل عملية التغليط الإعلامي وتسريب البريد الالكتروني لشخصيات من الحزب الديمقراطي، وعلى رأسها المرشحة هيلاري كلينتون. ونرى في الوقت الراهن، كيف بدأت دول عريقة صناعيا ورقميا مثل فرنسا وألمانيا تحذر من احتمال تلاعب روسيا بنتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
والمظهر الآخر لهذه الحرب هو التجسس الرقمي من خلال محاول كل دولة كبرى معرفة المخططات الصناعية والاقتصادية للدولة المنافسة، وهنا تنحصر المنافسة أساسا بين بلدين، الصين والولايات المتحدة. وهذه هي الحرب الحقيقية، من يطلع على الأسرار الاقتصادية والصناعة العسكرية للآخر، كما تكمن هنا الحرب الحقيقية، من امتلك مفاتيح الاقتصاد حكم العالم. ونظرا لخطورة الحرب الرقمية أو السبرنيتية، فقد قررت روسيا والصين والهند بدعم من البرازيل وجنوب إفريقيا إنشاء إنترنت جديدة لا تسيطر على مفاتيحها الولايات المتحدة، بهدف ضمان الاستقلالية مستقبلا.
ومن المفارقات في زمن الرقمي والإنترنت والتطور التكنولوجي، وتجنبا لسقوط تقارير ذات حساسية مرتفعة في يد الآخر عبر القرصنة الرقمية، هناك بعض المخابرات العالمية التي تفضل رقن التقارير ذات الحساسية القصوى بالآلة الكاتبة الميكانيكية وليس الحاسوب، وإمعانا في الحذر يتم تحرير بعض المعطيات الخطيرة باليد تفاديا لتسرب المعلومات الى شبكة الإنترنت.
ويبقى السؤال: أين العرب من كل ما يجري؟
الجواب: لا محل لهم من الإعراب. لا تنتظروا من نظام أي دولة عربية شن حرب رقمية للدفاع عن مصالح بلاده أو الأمة العربية ضد الدول الأخرى. فالتخلف في العالم الرقمي في العالم العربي لا يحتاج الى تعليق. لكن في المقابل، تستورد الأنظمة العربية برامج المراقبة والتجسس لأنها تشن حربا ضد من تعتبره عدوها الحقيقي، لا يتعلق الأمر بإسرائيل ولا بالولايات المتحدة ولا بالصين، بل ضد شعوبها المطالبة بالكرامة والحرية والديمقراطية. هل سمعتم بأن دولة عربية اخترقت دولة منافسة غربية، لا ثم لا. ولكن سمعتم تصدر الدول العربية شراء برامج التجسس على مواطنيها.
ومن سخريات القدر الرقمي أن الحكام العرب الذين يتجسسون على مواطنيهم يجدون فجأة أسرارهم من ممتلكات وعشيقات وحسابات سرية منشورة في مواقع دولية بعد نجاح قراصنة القرن 21 في تسريبها.
 كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

الحرب الرقمية: والعرب لا محل لهم من الإعراب 

د. حسين مجدوبي

- -

5 تعليقات

  1. مشكور على هذا المقال، يرينا مدى تخلفنا على ضوء تقدم أمم أخرى، ويفضح حكامنا الأقوياء علينا والضعفاء أمام الآخرين

  2. نحن العرب منذ قرون ونحن نلعب دور الكومبارس في مسرح التحولات العالمية، ثورة البخار، وثورة الكهرباء وثورة الصناعة وثورة الإنترنت، مجرور ومفعول بالعرب.
    أنوه بالسيد المجدوبي لدقة مواضيعه وتنوعها وغنى معطياتها وتناوله العلمي الهادئ. تحية لك ولالتزامك بقضايا عادلة

  3. التخلف الرقمي بالعالم العربي هو شرط لإستمرار حكامنا بالحكم
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  4. التخلف الرقمي العربي مفهوم و منظقي، في ظل تخلف حضاري و ثقافي شامل من المحيط الي الخليج، فالانظمه العربيه تدفع الملايين لشراء برامج لتتبع المعارضين و اصحاب الرأي، او حتي من يمارسون جريمه الحب!!!!

  5. قبل هذا السؤال ، وهل هناك فعلا دول وسياسات؟؟؟؟وان كان هناك شبه دول ،فهل هي وطنيه؟؟؟على امتداد مايسمى الوطن العربي ، هناك أزمات متفاقمة متداخلة ، الفقر المتوقع، الاميه ،التخلف الاجتماعي والصحي والثقافي، أزمات المياه والكهرباءو المواصلات ، عدا من أزمات الاحتلالات لعدد من هذه الدول وكذلك الحرب الأهليه ، لذلك علينا ان لا ننبهر بكثافة الاَلات الالكترونية التي بين أيدينا ،هذه فقط تدل اننا مجتماعات ماديه استهلاكيه بنهم وكسوله.

Leave a Reply to أحمد-الولايات المتحدة Cancel reply

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left