على هامش متاهة الشرق: فهم الواقع وإدانته

عبير ياسين

Mar 21, 2017

أطالب دوما بعدم النسيان الجمعي، أن يكون الماضي جزءا من فهم الحاضر والمحاسبة من أجل المستقبل. بدوره يؤكد غسان كنفاني أننا «نستطيع أن نخدع كل شيء ما عدا أقدامنا، إننا لا نستطيع أن نقنعها بالوقوف على رقائق جليد هشة معلقة بالهواء». 
ولكن الخداع والزيف يتحول لجزء من واقع نتجاوز حقائقه عندما نقبل أن نعيش وسط حالة الخداع، بوصفها جزءا من طبيعة الأشياء وطبيعة الحكم والنظم التي تتعاقب علينا في هذا الجزء من العالم. ويصبح الخداع وإنكار الحقيقة، أو ما يسمى تجميل القبح جزءا من مهمة بعض من يتم تعريفهم بوصفهم مثقفي المرحلة.
بالمقابل اعترف دوما أن جزءا كبيرا مما اكتبه هو جزء على الهامش، ربما لقراءة ذاتية ترى أن الوطن هو المتن وما حوله هوامش متنوعة، على الوطن أن يختار ما يضمه للمتن وما يهمشه، على عكس ما نواجهه في واقع يرسم لنا فيه البعض ما يفترض أنه مهم، وأجندة المرحلة، وخريطة الطريق لكل أزمة لا تنتهى إلا إلى أزمة جديدة، وربما أكبر من سابقتها من أجل تقديم خريطة أخرى لا تقل، سواء في نتائجها عما سبقها بالمخالفة لمصالح الوطن ومصالح مواطنيه. هنا ومع الاعتراف بأهميه الهامش يأتي كتاب «روائيون في متاهة الشرق» للكاتب والباحث المتميز جهاد الرنتيسى بلا هامش، وهو يؤكد أن المتاهة «أعمق وأكثر أهمية من أن يكون لها هامش». رؤية الرنتيسى أن الهامش يأخذ من أهمية الأصل، مقابل قناعة بأن الهامش تأكيد على مكانة الأصل، ولكن في النهاية قد يكون التقاطع في مساحة أن المتاهة ومحاولة قراءة أوضاع المنطقة عبر الرواية هو في جزء منه قراءة على هامش المنطقة وعلى هامش أوطان تختلف في أشياء عديدة وتتشابه في أشياء أخرى، ولكنها تشترك في الهم المشترك. يبدأ الكتاب، الذي صدر قبل عدة أشهر وتم الاحتفاء به في معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير 2017، ومن عنوانه بتأكيد أن الواقع حولنا هو متاهة، وان اقترابه لفهمها أو ربط الأجزاء المتناثرة يتم عبر الرواية. وهو مدخل قريب بشكل شخصي لأن التعامل مع الرواية ونطاقها الزماني واللحظة التي تصدر فيها وما تحمله من قضايا تظل معبرة عن الكثير في ما يخص الواقع وتطوراته. مدخل يبرره بفشل المثقفين في قراءة ما تتعرض له المنطقة من كوارث وأزمات، وإعاده استهلاك المفاهيم الجاهزة التي تُصدّر لنا من الغرب لفهم الذات. ويؤكد في لقاء له على الكوارث التي مرت بالمنطقة، ولم يستطع المثقف التعامل معها ولم يستطع الواقع فهمها والاستفادة منها. ورغم تعدد الحالات التي ظهر فيها الفشل واضحا فإن المؤلف يبدأ من تفاعلات الحدث الأقرب والممثل في حدث الربيع العربي وتحوله إلى خريف كما يكرر الكتاب في عدة مواضع.
وبهذا يمكن القول إن الواقع أصبح لغزا كما كان الماضي، وما دمنا غير قادرين على مواجهه الواقع وتفكيك تلك الألغاز والاعتراف بمسؤوليتنا عما يحدث فالدائرة مستمرة والكوارث متكررة والصدمات تفرز صدمات أخرى، تحمل جذورها في ما سبقها من صدمات لم نحسن قراءتها، أو التعامل معها ومع أسبابها وما تؤدي إليه من تطورات. وإن كانت النكبه تترجم في الذهن على أنها حديث عن نكبة فلسطين، والنكسة تترجم إلى نكسة 1967 فإن المنطقة شهدت وتشهد نكبات ونكسات متنوعة، تستمر في تقديم نفسها بصور مختلفة. المهم انه وبدون الاعتراف بهذا والاعتراف بالمسؤول عما حدث وتفكيك الصورة التي تحاول أن تغطي الحقيقه وتجمل القبح، سيظل واقعنا في دائرية التطورات وواقع المتاهة، ويظل مرشحا للمزيد من السقوط في مستنقع الأزمات والنكسات.
وان كان الكتاب تعامل مع فكره الصدمة، فإن جزءا من الإصلاح يفترض أن يتمثل في الإقرار بحقيقة أنها صدمة وأن فيها مفاجأة تستدعي تغيير آليات الفهم والتحليل القائمة. ولكن جزءا من مشكلتنا ألا أحد يعترف بالمسؤولية - إلا القليل- ومن أفسد الأمس يصر على أن يشارك في إفساد الحاضر والمستقبل لان من أدمن الكرسي والمنصب لا يقبل بالابتعاد عن دائره الضوء ولا يعترف بعدم القدرة على الفهم، ويؤكد أنه الوحيد القادر على تمرير آليات قمع جديدة، أو تجميل الآليات القديمة وإعادة طرحها في أثواب تبدو جديدة وتتناسب مع اللحظة شكلا، وتغيب عن المطلوب وحاجة الوطن موضوعا.
يتوجه الخطاب في عمق الكتاب إلى مثقف مهموم بفهم الواقع، من أجل مواجهة تحدياته والاستفادة من أزماته وتفكيك الأسباب من أجل المستقبل. وربما يكون من الطبيعي لهذا أن يوجه المؤلف كتابه الى أدوارد سعيد بوصفه «ومضة تستعصى على الظلام». اختيار لا يحدد الكاتب أسبابه ولكنه يتسق مع محور الفكرة، خاصة مع تناول سعيد لدور المثقف وتأكيده على أن «إحدى مهام المثقف هي بذل الجهد لتهشيم الآراء المقبولة والمقولات التصغيرية، التي تحد كثيرا من الفكر الانساني والاتصال الفكري»، وأن مشكلة العرب تتمثل في «أنهم لا يشاركون في صنع الحضارة وإنما يتفرجون عليها فقط»، وهي أمور تظل في متن القضايا التي يناقشها الكتاب أو الصدمات والمتاهة التي يعيشها العالم العربي وجواره القريب والمتشابك معه. 
رؤية تستند إلى أن من يحاول الفهم وتقديم تفسيرات ورؤى لتغيير الواقع، وليس إدامة السلطوية، هو مثقف منتم للواقع وراغب في تغييره وغير منسجم مع السلطة أو الأيديولوجية السائدة بالضرورة، ولا يحدد دوره في تمرير اللحظة وإعادة إنتاج الخطاب السائد أو المقبول من السلطة.
يرى المؤلف أن الرواية هي الأقرب لفهم الواقع، أو البوابه التي يمكن من خلالها أن نتعرف على قدرة الراوي على فهم الواقع وتشريحه من عدمه. فكرة يؤكد خلال تناوله لها على أن الشرق ممتد ليشمل أفغانستان وإيران وتركيا، وفي حين لا يعلن موافقته أو تبنيه لتعريف محدد للشرق الأوسط، الذي يتعامل معه، والذي يشمل دول الجوار وأفغانستان، الا أنه يؤكد على أن تلك الدول تأثرت وأثرت بالمنطقة العربية، سلبا وإيجابا بما يجعل من المهم قراءة ما كتب فيها وكيف تنظر الي العربي المجاور، المدخل نفسه الذي يستند إليه في تعامله مع الأقليات، فرغم وجودهم الجغرافي داخل الدول العربية، تظل لهم رؤيتهم وقرأتهم للواقع وعلاقتهم بالدول القومية أو المنطقة، وهي رؤية تعبر في جزء منها عن رؤيه المجموع أو الأغلبية وعن رؤية السلطة وإدارتها أو تسييسها لملف الأقليات ضمن ملفات أخرى على حساب الوطن في عمومه.
يرى الكاتب أن الرواية بحكم ما تجمعه من واقع وخيال قادرة على قراءة أعمق تتجاوز المثقف أو المحلل السياسي. ومن خلال مجموعة مختارة من الكتابات التي تغطي الدول العربية ودول الجوار إلى جانب الأكراد والمهمشين في الخليج العربي، يحاول أن يرى كيف تعاملت تلك الكتابات مع واقع دولها والمنطقة خلال العقود الأربعة السابقة، والى أي مدى استطاعت أن تقرأ واقع الصدمات التي مرت بالمنطقة، وكيف فسرت الواقع. وربما يكون السؤال الذي نصل إليه من خلال سؤال المثقف وفهمه لصدمات المنطقة من عدمه، خاصة لحظة الثورة من أجل التغيير، هل يحق لمن لم يفهم الواقع وتطوراته أن يستمر في التنظير؟ وهل يفترض أن يستمر من نظر للقمع والسلطوية في التنظير للحاضر والمستقبل؟
في الوقت نفسه فإن الكتاب يتجاوز سؤال الربيع العربي، الذي يرتبط في تناوله بصفات سلبية من نوعيه الخريف أو الفوضى. ورغم أنه لا يقف ليحاكم التحركات التي قادت الربيع، فإنه يشكك فيمن قام بتلك التحركات بشكل أو بآخر، وهو يراهم مجموعة غير محددة الانتماء أسقطت المنطقة في حالة من الفوضى. في حين لا يأتي نقد السلطة الا بشكل عابر خلال تناول الروايات المختلفة، وكيف أن السلطة قادرة على تحويل الأوضاع والتأثير فيها من أجل مصالحها. ولكن ما فعلته السلطة في مواجهه مطالب الإصلاح والتغيير لا يظهر واضحا، لأن صدمة الربيع العربي مجرد مدخل لجدل عن صدمات أكثر امتدادا في المنطقة، خاصة انهيار الدولة العثمانية وفي العمق أزمة الدولة القومية وظهور الإخوان، وتطور الإسلام السياسي، والثورة الايرانية وظهور السلفية، في الوقت نفسه يظهر انتقاده لليسار العربي لعدم استيعابه للفكر الذي دافع عنه عبر الحالات التي تناولها، خاصة حاله اليمن. وهي كلها أمور في عمق الأزمة التي قادت إلى مطالب الإصلاح بشكل أو بأخر، وإن كان تناوله لها مرتبط بالأساس بالكتابات التي تناولها والتي جاءت في معظمها بعيدة عن حالة الربيع العربي، ولم تظهر واضحة إلا في حالة سوريا بشكل أساسي بكل ما فيها من تشابكات، لا يمكن فيها تبرئة السلطة عن إنتاج الأزمات أو زيادة حدتها.
في النهاية ودون الوقوف أمام الكثير من التفاصيل التي تناولها الكتاب، خاصة في الجزء المرتبط بالروايات التي تعبر عن الدول والقضايا التي تناولها، ودون الوقوف حول أسباب اختيار تلك الروايات دون غيرها - وهو الأمر الذي تحدث عنه الرنتيسي خلال حوارات مختلفة بعد نشر الكتاب- فإن الكتاب حقق جزءا مهم من أهدافه وهو قدرته على طرح الاسئلة أو اثارة الجدل. ولكن تعقد المشاكل أو المتاهات وتشابكها في عالمنا العربي يرتب الحاجة لقراءات متنوعة بتنوع الأفراد وكيفية رؤيتهم لما جاء فيه في عمومه أو للحالات المباشرة التي تخص دولهم أو انتماءهم، مع الحاجة إلى إعادة طرح أفكار الكتاب للنقاش بشكل متجدد يعيد ترشيد الأسئله ويؤكد على أهمية دور المثقف في إزعاج السلطة كما قال سارتر.  

على هامش متاهة الشرق: فهم الواقع وإدانته

عبير ياسين

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left