ربيع عُمان الثقافي

محمد العباس

Mar 21, 2017

ما أن يضمك مجلس فيه مجموعة من العمانيين إلا ويتجدد الحديث بحماسة وانفعال عن ربيعهم العماني، سواء كانوا محسوبين على الفئة المثقفة أو الناس المطحونين بيوميات الحياة، وكأنهم يريدون القول للآخر بأن حدثاً كبيراً ومزلزلاً على كل المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية والتاريخية قد عاشوه بكل آماله وطموحاته ومباهجه وخيباته، في الفترة ما بين أواخر فبراير/شباط ومنتصف مايو/أيار من عام 2011، حيث يمكن القول بدون مبالغة إن حياة العمانيين انقسمت فعلياً إلى ما قبل وما بعد هذا الحدث، إذ يصعب أن تلتقي بمثقف مهني أو أدبي أو حقوقي لم يكن هناك في خيمة الاعتصام، وكل واحد منهم يحمل مرويته الخاصة عن فترة الاعتقال والاعتصام، ويعتقد أنها جديرة بأن تُروى لأنه كان جزءاً من حركة تاريخية اجتماعية.
الحركة الاحتجاجية انتهت بتدخل قوات الأمن وفض الاعتصامات، إلا أن الحدث ما زال يُلقي ظلاله على كل مناشط الحياة في عُمان بمكاسب واضحة وصريحة للناس، وإن تحفّظ بعض قياديي الحراك على قيمتها، وهذا هو سر الهوس عند العماني بالحديث الدائم عن ربيع قصير الأجل، يحلمون – بوعي أو لاوعي – في استدامته، حيث يمكن التقاط فكرة غاية في الأهمية، مفادها أن الانسان العماني انهزم في المكان وتقدم في الزمان، أو هذا ما يحاول المثقفون التدليل عليه بكثرة السجالات وفحص دلالات الحدث، الذي يُراد له أن يتحول إلى منطقة احتدام ثقافي، إلى جانب كونه حركة احتجاجية وطنية، بمعنى أن القراءة الثقافية هي التي تريد استبقاء الحدث في الذاكرة، في الوقت الذي انصرف فيه الناس إلى يومياتهم.
المرويات الشفهية كثيرة، متداخلة ومتشابكة ومتوازية ومتقابلة، وكلها تتحدث بوعي ورزانة عن سلمية التحاور، الذي يشكل كحالة حوارية مجتمعية امتداداً عضوياً لسلمية مشهد الاعتصام، ولما دار في المعتقل من حوارات ومراجعات، وكل ذلك يدخل في صميم الجدل الذي كسر الصورة النمطية للعماني المستكين المنغلق على ذاته، الذي عاش في غيبوبة تاريخية منذ حركة ظفار، إلا أن الفارق هنا يكمن في كون الربيع العماني، هبّة شعبية شبه شاملة، حيث توزعت على أربعة ميادين في أربع مدن : مسقط، صحار، ظفار، وصور، على عكس ثورة ظفار التي تمركزت في بقعة محدودة وتحمس لها فصيل ذو نزعة أيديولوجية مركزية، وهذا هو ما يجعل من الجدل يتوسع في دوائر أكبر، ويتوغل في مضائق سياسية واجتماعية وعقائدية، وذلك هو بالتحديد ما نقل المجتمع العماني إلى مرتقى المجتمعات المتحاورة، حتى إن تعاظم تيار التأثيم والتخوين بين الأفرقاء، باعتباره جزءاً من الحالة الحوارية.
ما بعد الربيع العماني ليس كما قبله من الوجهة الثقافية، فقد ارتفع منسوب الكلام، وتوسع هامش التعبير عن الرأي، وصار بمقدور أدبيات الحراك أن تقف وجهاً لوجه قبالة مرويات المؤسسة، فعلى الصعيد اللغوي – مثلاً – هناك معركة مفتوحة على اتساعها ما بين خطاب الحراك وخطاب المؤسسة، فإذ ترفض المؤسسة استخدام مفردة (الإصلاح) في وسائل الإعلام، وتستبدلها بكلمة (التطوير) تصر أدبيات المثقفين على استخدام فكرة ودلالات ومفردة (الإصلاح)، كما تتجابه مفردة ( الشهيد ) بكلمة (القتيل)، وتُستدعى كلمة (الشعب) قبالة مفردة (الشورى)، إلى درجة أن هناك من يطالب بتجاوز توصيف الحدث برومانسية الربيع، وتقليدية الحراك، وسكونية الاعتصام، إلى مفهوم الانتفاضة أو الثورة، إذ لا كلمة بمقدورها الإلمام بالحدث وتداعياته إلا كلمة (الثورة) من منظور المتحمسين.
لم يعد الانسان العماني اليوم في حاجة إلى المدونات والمنتديات الإلكترونية التي تم إغلاقها إبان الحدث كمنتدى (الحارة العمانية) مثلاً، الذي كان بمثابة صوت المثقفين العمانيين، حيث صار بمقدور أي فرد طرح مرويته الموازية أو المتعارضة مع مروية المؤسسة، من خلال منابر علنية، ولم يعد الحوار السرّي بأسماء مقنّعة هو المحل الذي يتحاور فيه العمانيون، بل صار بمقدورهم الحديث عن مفهوم (البناء الدستوري) الذي كان عنواناً مركزياً للحراك بكل شفافية، وفي منابر شعبية وشبه رسمية، وأن يطرحوا تصوراتهم العلمية والثقافية والسياسية والحقوقية لهذا المفهوم.
ولا أدل على ذلك الانفتاح أكثر من معرض الكتاب الذي انتهت فعاليته في الرابع من مارس/آذار لهذا العام، الذي يعتبر اليوم على المستوى العربي الأقل رقابة، بوجود وزير للإعلام كان قريباً جداً من الحراك، كما يمكن ملاحظة انتعاش المكتبات التجارية والمشروعات الثقافية الأهلية وشبه الرسمية بعد سبات طويل، بما في ذلك برامج نشر الكتاب العماني، إلى جانب ظهور متوالية من المقاهي ذات الطابع الثقافي، وبروز جيل كتابي مغاير ومتحرر من أبوة الجيل المكرّس، وانتعاش لحظة الرواية، بما هي مصب الحداثة الاجتماعية، مقابل قصيدة النثر، وهي مؤشرات لمظاهر لم تكن مألوفة ولا معتادة في عمان، الأمر الذي يبشر بظهور وازدهار خطاب الظل في المشهد الثقافي العماني.
وجود هذا العدد الكبير من المثقفين في الربيع العماني يشير إلى حالة تعبيرية نادرة في الاحتجاجات العربية، بمعنى أن للحراك عقلا، حيث بدأت الحركة بالمسيرة الخضراء في مسقط، بما يختزنه ذلك العنوان من سلمية ومن إحساس بالمواطنة، ولذلك لم تخدش المظاهرات والاعتصامات صورة السلطان قابوس، ولم تتطرف الشعارات نحو فكرة إسقاط النظام، بقدر ما عبرت عن الرغبة في الحرية والعدالة ومحاربة الفساد والإصلاح السياسي والاقتصادي، ولذلك تصعّد الحوار الثقافي ليقترب من حافة الانفجار ما بين الديني والمدني، وارتفع منسوب الحساسية الاجتماعية بوجود المرأة في كل مفاصل الحراك، الأمر الذي أعاد إنتاج الشخصية العمانية، وجعل من ذلك الاحتشاد الوطني حدثاً ثقافياً بامتياز، تتجاوز تداعياته وآثاره تلك اللحظة من الاعتصامات،
ليس من المبالغة القول بأن الربيع العماني هو ربيع ثقافي، وأن مثقفي عمان بكل انتماءاتهم قد أسهموا في كسر طوق العزلة عن عمان، وأنهم بكثرة الطرق على الحدث قد فككوا العقدة النفسية للحالة الظفارية، حيث كشفت أدبياتهم وحواراتهم وما تسرب حتى الآن إلى منتجاتهم السردية عن تنوع وتعدد ثقافي باهر، وهو أداء غير مستغرب، إذ تقع على المثقف مهمة استدامة الحدث، وتفسيره، وتمديده في الزمان والمكان، وتوطينه في الوعي والوجدان الجمعي، وهي أداءات ما زالت في طور الحكي الشفاهي، إلا أنها مع الوقت ستظهر بشكل أوضح في المنتجات الأدبية، فهي في طور التبلور، والتشكّل كمروية مجاورة أو مضادة للمروية الرسمية، حتى من يُعرفون بالمثقفين الولائيين ستنفرض عليهم هذه الحالة بمعطيات مغايرة، فلهذا الحدث سيرة، وله أكثر من وجه واحتمال، وسينكتب حتماً بعد أن يتشبع المثقفون العمانيون من السجال العابر حولها، والتفكير في تدوينه.
من الواضح أن خطابين ثقافيين يتحكمان في المشهد العماني، خطاب شعبي مقابل خطاب مؤسساتي، يتجابهان لا على تفسير الحدث فقط، بل يتباريان على عرض صور متباينة لواقع عمان ومنجزات العقود الماضية، كما يستشرفان ما ينبغي أن تكونه عمان المستقبل، وهذا هو ما يفسر تقلّص المساحة الرمادية في المشهد العماني، أو هكذا ينبغي قراءة سيرورة الحدث وتطور أفكاره وتداعياته، إذ لا إمكانية لوجود مجتمع مدني بدون إنعاش الفضاء الثقافي كفضاء مجاور للديني والسياسي، وهذا هو مغزى طاولة الحوار الممتدة في الحياة العمانية، فالمثقف العماني لا يريد لهذا الحدث أن يتأرشف في الذاكرة.

٭ كاتب سعودي

ربيع عُمان الثقافي

محمد العباس

- -

6 تعليقات

  1. كثير من المثقفين العمانيين إلتزموا الصمت حين تم الزج بزميل لهم داخل السجن
    والسؤال هو : ألا يُعتبرون من مثقفي السلطة كما هو الحال مع مفتيي السلطة ؟
    عُمان على ظهر صفيح ساخن من حيث الظلم الذي يتعرض له من يفتح فمه!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. تبلغ نسبة السُنة (مذهب الشافعي) 75% من سكان عُمان والشيعة ( الإثنى عشرية) 5%
    أما الأباضية فيبلغ عددهم 20% وهم المسيطرين على الدولة والإفتاء ومساجد الدولة ومناهج التربية الإسلامية بالمدارس ووووووووو
    ولا حول ولا قوة الا بالله

    • حياك الله عزيزي ابن عمان وحيا الله الجميع
      أنا زرت أماكن عديدة بسلطنة عمان وسمعت مباشرة من أهلها معاناتهم المذهبية مع السلطة الغاشمة الباطشة هناك
      أما معرفتي بتلك النسب يا عزيزي فهي من أعداد المساجد والمصلين حيث تتركز مساجد الأباضية بالمدن وأغلب المصلين من السُنة !!
      كما تعلم فإن الأباضية يسبلون أيديهم بالصلاة كالشيعة !
      ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. على العكس سلطنة عُمان ذات مجتمع متسامح ومنسجم ؛ والدولة قويّة حافظة للأمن.لا يوجد مجتمع مثالي ؛ لكن قياساً لتقاذفات المنطقة ما تزال السلطنة تنعم بالأمن العام والخيرالمشترك وفرص التعليم والثقافة فيها جيدة ؛ والسلطان له هيبة وحزماً ؛ ربما الشيء الذي يحتاج لعلاج هو دعم فرص الشباب ؛ خصوصاً وفرص جيرانهم من الشباب في دولة الإمارات العربية ؛ أفضل عليهم.والمرأة العمانية لها مكانة خاصة وناضجة إنما طبيعة الناس البحث عن المزيد من الفرص..وهذا حقّ مشروع للجميع.أتابع عبرالفضائيات أخبارالسلطنة ؛ وأقول لهم بمحبة : حافظوا على
    عُمان فهي كسفينة نوح متوازنة الربان ؛ حتى تصلوا إلى برّالأمان بقيادة ( السلطان ).وإلا صخورالشواطيء عاتية ؛ مسننة القرون كالشيطان.
    حفظ الله جميع البلاد العربية والإسلامية ؛ من فتن الفتان.

  4. ها هم المثقفين العمانيون واحد بعد الثاني ونتيجة القمع الأمني يتجهون للغرب طلبا للجؤ السياسي كمحمد الفراري ومعاوية الرواحي وهم من أفطن المثقفين. وها هي السلطات العمانية تفرض على زوجة محمد الفزاري ان تطلق زوجها ولديهم طفلان، وقد منعوها من السفر خارج عمان دون اي سبب، وهذه حالة بسيطة لما يجري هنا.
    والواقع انه تحكمت السلطة العمانية بمزاج الانتاج الثقافي على مدار ٤٥ عام، فخنقت الانتاج النقدي الذي هو أساس بِنَاء المجتمعات، ودعمت من يمجد السلطة المتحكمة مانحة الهدايا والجوائز لكل من يحارب ويمدح السلطة والسلطان، فتسارع ضعيفي الرؤية من فنانين السلطة نحو المديح ونسوا النقد والتحليل.
    خير مثال على قمع المفكرين العمانين على يد السلطة، هي الأحكام الجنائية على عبدالله حبيب وصحافيي جريدة الزمان التي تم اغلاقها في اغسطس السابق بعدما نشرت مقال يتعلق بالفساد، ومازالوا يلفقون التهم للكتاب والشعراء بأنهم ينتمون لمجموعات ارهابية كما هي الحال مع الكاتب معاوية الرواحي الذي وصل لندن طالبا للجؤ السياسي منذ حوالي أسبوعين.
    ومنذ ٤ أشهر قامت عشرة منظمات عالمية منها منظمة حقوق الانسان في الامم المتحدة بأرسال رسالة شخصية للسلطان قابوس مطالبة بوقف قمع المفكرين وكبح الحريات لكن لا حياة لمن تنادي، بل القمع في زيعدة. وما في احد يتجرأ على قول كلمة حق في وجه الظلم.
    الغريب في أن اكثر المثقفين العُمانيين لا يشعروا بأن عليهم المقاومة بكل الوسائل السلمية المتاحة، داخل وخارج الوطن.
    المفاجآت من الاخبار الغير مسيسة ستأتي عندما تعود جريدة الوطن للنشر خارج عمان في الشهر القادم.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left