تسييس الانتحار السوري بين نظام ومعارضة

Mar 25, 2017

دمشق – نور عويتي: منذ أيام قامت «بي بي سي» بنشر إحصائيات تبين أكثر الدول سعادة وتعاسة في العام الحالي. احتلت سوريا المرتبة الأخيرة عربياً، وصنفت أيضا ضمن الدول الأكثر تعاسة على مستوى العالم.
ذلك، ليس غريبا، في ظل ما تعيشه سوريا من نزاعات مسلحة على أرضيها، وفي ظرف المعيشة القهرية التي يخوضها قاطنوها يومياً، وما ينجم عنه لجوء ونزوح وتهجير قصري، إضافةً إلى رحلات الموت التي يخوضها السوريين للتنعم بحياة أفضل في مخيمات أوروبا؛ وليس غريباً أيضاً ان تنتشر الأخبار التي تسلط الضوء على حالات الانتحار للسوريين في مناطق متفرقة من العالم بصورة دورية.
ثقافة الانتحار في سوريا ليست أمرا مألوفاً، ولد بشكل مفاجئ، نتيجةً للظروف الصعبة التي عانى منها السوريون بعد انطلاق الثورة السورية في 2011. هناك العديد من الدراسات السابقة لمرحلة الثورة، والتي حاولت فهم أسباب موجات الانتحار التي انتشرت في البلاد في تلك الفترة. وحاولت بعض مراكز الأبحاث السورية إجراء إحصائيات عن حالات الانتحار حينها، إلا ان تلك الإحصائيات لم تقدم أرقاماً دقيقة، ويعود السبب في ذلك إلى القناعات الاجتماعية المرتبطة بالثقافة الدينية، فأهل المنتحر عادةً ما يقومون بتزوير الحقيقة خوفاً من الفضيحة، كما أن السلطات السورية كانت تغيب حالات الانتحار الموجودة في دوائرها وسجونها لتبدو أكثر إنسانية وتحضراً.
وبعد قيام الثورة السورية، انتشرت العديد من موجات الانتحار في معظم المحافظات السورية، ولكن النظام حرص على تهميشها، إلا أن توثيق الناشطين لبعض تلك الحالات أرغمت النظام على الاعتراف بها وأرجعها لظروف المعيشية القاسية والفقر، أو إلى قصص الحب الفاشلة؛ فنشرت وزارة الداخلية السورية عام 2014 إحصائيات تسجل 50 حالة انتحار في سوريا فقط، وأكدت الإحصائيات أن ما يقارب 20 حالة انتحار كانت نتيجة تناول الأدوية القاتلة، في حين سجلت ما يقارب 10 حالات نتيجة قذف الشخص لنفسه من أبنية مرتفعة. وأشارت الإحصائية إلى أن عدد النساء المنتحرات في سوريا وصل إلى 10 نساء، بينهن خمس فتيات لم تتجاوز أعمارهن 18 سنة.
وفي عام 2016، نشرت وزارة الصحة السورية التابعة للنظام إحصائية أكدت فيها أن «الاكتئاب الشديد لا يفارق 30% من السوريين، والاضطرابات النفسية زادت بنسبة 25% مقارنة مع العام 2011، والنتيجة أن 40% من السوريين بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي». إلا أن تلك النسب والتغطية مشكك بصحتها ومصداقيتها، فالنظام لا يملك مراكز ناشطة في مجال الإحصاء، تتابع الصحة النفسية للمواطنين، عدا أن تلك النسب محصورة فقط في المناطق التابعة للنظام على الأراضي السورية فقط.
ولا تختلف مراكز نتائج الدراسات التي نشرتها المعارضة السورية عن قضية الانتحار، من حيث الموضوعية، عن الدراسات التي نشرها النظام.
حسب اتحاد «الديمقراطيين السوريين»، فإن نسبة الانتحار ترتفع في المناطق الخاضعة للنظام، بسبب الممارسات القمعية والتضييق والحصار، ووثق المركز ثلاث حالات انتحار خلال الشهر الفائت، لثلاثة مواطنين في أحياء حمص الموالية للنظام، على الرغم من أن المنتحرين لم يتركوا أي رسالة تفيد في معرفة الأسباب التي دفعتهم للإقدام على ذلك.
لم تنحصر حالات انتحار السوريين على الداخل السوري، فشهدت مخيمات اللجوء في تركيا والأردن ولبنان وحتى مخيمات اللجوء في أوروبا موجات عديدة من الانتحار لأطفال وشباب، وتم توثيق عدد قليل منها، وعادةً ما يتم التستر على عدد كبير من تلك الحالات، لأسباب إيديولوجية وسياسية، والحالات التي يتم تسليط الضوء عليها ترجح دائما أسباب الانتحار لما شهده اللاجئ من عنف في سوريا! ففي تقرير أعدته إذاعة «دويتشه فيليه» الألمانية، فإن 30% من اللاجئين في ألمانيا وحدها، يعانون من صدمة نفسية شديدة وميولاً انتحارية واضحة، مضيفةً أن السبب في ذلك هو ما تعرض له اللاجئون من عنف قبل وصولهم إلى ألمانيا، متناسية الضغط النفسي الذي يتعرض له السوريون في المخيمات، وصعوبة الاندماج مع الشعب المضيف، إضافةً إلى تعقيدات الإقامة وصعوبة العمل والنبذ والعنصرية التي قد يتعرضون لها.
وأما في لبنان، فقد أفاد تقرير للأمم المتحدة في عام 2016، أن 41% من الشباب السوريين اللاجئين قد فكروا في الانتحار.
وبعيداً عن مخيمات اللجوء، تبقى أشهر حالتين من انتحار السوريين ضجت بهما وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير، هما: انتحار نجلاء الوزة 21 سنة شنقاً في منزلها الواقع في جنوب أفريقيا، عام 2014، ومن المعروف أن الوزة عملت كرسامة وكاتبة وممثلة، واشتهرت بدورها السينمائي الأخير في فيلم «سلّم إلى دمشق»، الذي تعاونت خلاله مع المخرج محمد ملص، ويعد أيضاً أول تجاربها السينمائية. ولقي انتحار الشاب حسن رابح، 25 سنة، نفس الصدى الإعلامي، حيث رمى بنفسه من نافذة منزله في منطقة الحمرا في بيروت عام 2016. ورابح، هو أحد أعضاء فرقة «سيما» الفائزة بالمرتبة الأولى بالبرنامج الشهير «عرب غوت تالنت» في العام 2013، وهو خريج المعهد العالي فنون مسرحية في دمشق قسم الرقص.
وتم تسييس انتحارهم دون أي احترام لقداسة الموت، فتكهنت وسائل الإعلام المعارضة بأن حسن رابح حمل مسؤولية انتحاره للنظام، مستندين إلى ما نشره على صفحته في «فيسبوك» قبيل أيام من انتحاره، حيث انتقد جميع السلطات والقوانين، ومن بينها النظام الأسدي، وتناسوا بأنه كان قد اعتقل في لبنان قبيل نشره لهذا المنشور، في حين شككت الصحف المعارضة السورية في انتحار نجلاء الوزة، وأشيعت أخبار بأنه تمت تصفيتها على يد أتباع النظام السوري، لأنها علوية معارضة.
فجميع الأطراف تخشى في مرحلة الحرب إجراء دراسات توثيقية لحالات الانتحار، لأنهم تعاملوا مع الانتحار كمؤشر للكآبة وسوء الحال، واعتبروا أن نشر أخبار من هذا النوع سيلعب دوراً نفسياً سلبياً. ولكن قصص وحوادث الانتحار التي وثقت في الأعوام الأخيرة، يتجاوز عددها الأرقام التي أشيعت في الإحصائيات السابقة للحرب، عدا عن تلك القصص التي همشت واندثرت.

تسييس الانتحار السوري بين نظام ومعارضة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left