مصر تتعاطف أكثر مع المنتحرين

Mar 25, 2017

القاهرة – أحمد ليثي: في 23 تشرين الثاني/نوفمبر من العام المنصرم، دعا عدد من نشطاء موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» لحدث انتحار جماعي، سجل به نحو 8 آلاف مصري كحاضرين. ربما كان هذا الرقم الهائل لا يعبر بالضرورة عن عدد المنتحرين بالفعل، ولا يعبر حتى عن عدد المتعاطفين مع الفكرة، فقد شهد الحدث الكثير من النقاشات، منها من حرّم فعل الانتحار، إذ يعد من الكبائر في الشريعة الإسلامية، والتي لا تسقط بأي سبب سواء كانت الاكتئاب، أو حتى بسبب المرض، ومنها القليل من كان متعاطفًا مع الفكرة لأسباب عدة منها اقتصادية وسياسية.
وفقًا لتقرير أعدّته منظمة الصحة العالمية، يلقى ما يقارب 800 ألف شخص حتفهم سنويًا، نتيجة الانتحار، فضلاً عن أن هناك ضعف هذا العدد يفشلون في سعيهم لإنهاء حياتهم، إذ يعتبر الانتحار ثاني أهم سبب للوفاة بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً ونحو 1% من حالات الوفاة في العالم تكون نتيجة الانتحار منهم 15% من المكتئبين. تستأثر البلدان المنخفضة الدخل ودول العالم الثالث بنحو 75% من حالات الانتحار في العالم، ذلك أنه لا يحدث في البلدان المرتفعة الدخل فحسب على خلاف ما هو شائع، بل يعد ظاهرة عالمية في جميع أنحاء العالم.
تكاثرت في الآونة الأخيرة حوادث الانتحار. فخلال شهر شباط/فبراير الماضي، رصدت عدد من الصحف المصرية وقائع انتحار عدة، كان أبرزها واقعة بطلها مهندس ألقى بنفسه من أعلى كوبري أكتوبر بسبب مروره بضائقة مالية أصابته بحالة اكتئاب حاد، وأخرى كانت بطلتها سيدة منزل أسقطت نفسها من شرفة الطابق الثالث بسبب خلافات زوجية حول مصاريف المنزل. على ان أبرز تلك الحوادث كانت لشريف البراموني، صحافي بإحدى الجرائد الخاصة، أشعل النار في نفسه احتجاجًا على فصله تعسفيًا من الجريدة التي كان يعمل بها.
يؤكد أطباء علم النفس، أن أسباب وصول الشخص لاتخاذ قرار الانتحار كثيرة، منها الاقتصادية كعدم التمكن من الحصول على فرصة عمل، أو المرور بضائقة مالية، وإما لأسباب أسرية، كزواج الأب والتفرقة في المعاملة بين الأبناء، وقد يكون خيانة الزوج دافعًا قويًا لانتحار الزوجة.
في الستينيات من القرن المنصرم، أنهت الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث حياتها بطريقة درامية ومفاجئة، إذ وضعت رأسها داخل فرن الغاز، منتظرة موتها بالاختناق، رغم ما كانت تعيشه بلاث من قصة حب عاصفة مع زوجها الشاعر تيد هيوز. غير أن القصة التي ظهرت للناس أنها من أعظم قصص الحب التي شهدتها الأوساط الأدبية، لم تكن كذلك بالطبع، ذلك أن بلاث كانت مرّت بفترة اكتئاب حادة، نتيجة خيانة زوجها. ذلك أن هيوز نفسه قال إن تبدلها ونحولها واكتئابها الحاد الذي دفعها للانتحار.
في تقرير لها، كشفت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، وهي منظمة مستقلة غير حكومية عن زيادة حالات الانتحار في مصر مع مطلع العام الجاري، حيث سجلت المنظمة نحو 157 حالة انتحار وقعت بالفعل، وذلك بخلاف حالات أخرى تم إنقاذها. وعلى رغم صعوبة التأكد من تلك الأرقام، فإن الباحث يجد صعوبة بالغة في العثور على أرقام رسمية من قبل وزارة الصحة الرسمية. حسام عبد الغفار المتحدث الرسمي لوزارة الصحة المصرية يقول لـ»بي بي سي»: «ليست لدينا أرقام بشأن حالات الانتحار ونتعامل معها كحوادث عادية مثلها مثل حوادث الطرق، فليست هناك حالات متشابهة فيما يخص الانتحار».
رغم ذلك، نجد في تقرير الأمن العام الذي تصدره وزارة الداخلية بعض الأرقام التي تشير لزيادة عدد حالات الانتحار، فقد ذكر التقرير أن عام 2011 شهد نحو 250 حالة وفاة، فيما زادت لتصل لنحو 300 حالة انتحار عام 2012. ومن الملاحظ أن كل مبررات الانتحار توجد في مصر، فقد يرجع سعي الشخص لإنهاء حياته لأسباب اقتصادية أو نفسية، أو حتى التأثر بحالة القمع وكبت الحريات التي تشهدها مصر.
لعقود خلت، كان الطب النفسي هو المختص الرئيسي بدارسة حالات الانتحار وكشف أسبابها وتحليل دوافعها، ذلك أن دوافع وأسباب حالات الانتحار كان يتم التعامل معها باعتبارها حالات فردية لا تتكرر. على أن عالِم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم كان له في ذلك رأي آخر، فقد وجد أنه إذا نظرنا إلى مجموع حالات الانتحار التي تحدث داخل مجتمع محدد في زمن محدد، بدلًا من النظر إليها كحوادث معزولة، سنلاحظ أن حالات الانتحار لم تكن أبدًا حالات فردية، ذلك أن الأفراد في المجتمع الواحد يتعرضون للضغوط والآثار الاجتماعية ذاتها في فترات زمنية محددة نسبيًا.
لم يكن هناك تعاطف مع حالات الانتحار في المجتمع المصري، إذ تشكل الرؤية الدينية الإسلامية خصوصاً المزاج العام له، لكن ما استجد في الفترة الأخيرة أن المنتحر بات يلقى تعاطفاً، خاصة من قبل النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، وتراجعت النظرة الدينية التي تؤثم هذا الفعل دون أن تأخذ في حسبانها مبرراته التي قد تدفع الإنسان دون وعي منه إلى الانتحار والتخلص من حياته.

مصر تتعاطف أكثر مع المنتحرين

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left