باطن الأرض ملاذ شباب غزة هرباً من الحصار والفقر والبطالة

Mar 25, 2017

غزة- سمر الدريملي: لم يكن أمام الشاب عبد ياسين أربعة وعشرين عاماً من مخيم الشاطئ للاجئين على شاطئ بحر مدينة غزة، سوى إلقاء نفسه من الطابق السادس لبيته هروباً من ضغط الديون المتراكمة عليه وملاحقة أصحابها له ليل نهار حتى خر صريعاً أمام أعين والدته التي كانت وقتها قريبة من البيت.
عبد، الذي كان يدير محلا لبيع الدجاج ويبيع بشكل نقدي للزبائن بدأ بالعمل مع تجار كبار من خلال الشيكات حيث بدأ يودع أرباحه في البنك ويصرف شيكات للتجار يتم بموجبها أخذ مبالغهم المستحقة عليه من خلال إيداع أرباحه. مع مرور الوقت بدأت الكثير من الشيكات لعدم وجود رصيد في البنك ما أدى لتراكم الديون عليه حتى وصلت حوالي (190) ألف دولار أمريكي.
والد عبد، يقول بينما يذرف دمعاته ألماً وحسرة على ابنه: «اختار ابني الهرب من ضغط الديون والأعباء المالية المتراكمة عليه بتضييع نفسه وشبابه.. وترك طفليه وزوجته المسكينة، فلا أحد يرحم ولا أحد يراعي الظروف..الكل كان يطرق الباب مطالباً بمستحقاته، وهو غير قادر على تلبيتها دفعةً واحدة».
وأضاف: «أصبح خيارنا الأوحد بيع بيتنا الذي يؤوينا ويحتضن أطفالنا.. وقتها اختار عبد أن يضحي بنفسه».
وتابع: «يجب مراعاة ظروف الشباب الصعبة في غزة والبحث عن فرص عمل وتشغيل لهم بدلاً من أن تضيعهم البطالة وقلة الحاجة والفراغ، يجب أن يكونوا على سلم أولويات الجهات المختصة والحاكمة».
قصة أخرى ترويها والدة م.د الذي لم يتجاوز الثلاثين عاماً والتي فضلت عدم ذكر اسم ابنها حيث تقول اختار ابني الانتحار حرقاً ونحن في عز شهر رمضان المبارك، نزل الخبر علينا كالصاعقة، فلا أحد يستوعب أن يقوم إنسان بحرق نفسه في الشهر الفضيل هرباً من الضيق والحاجة.
وتضيف: «قبل بضعة أشهر من انتحاره كان يردد من حين لآخر أنه يريد أن يقتل أطفاله ويحرق بيته وزوجته، ونحن نحاول تهدئته والجلوس معه وزيارته بالتناوب أنا وإخوانه وأبوه كي لا يشعر بالوحدة والضيق خاصة أنه يعيش مستقراً في بيت منفصل، لكن كل محاولاتنا باءت بالفشل حينما اختار أن يحرق نفسه بعد آذان المغرب في رشهر رمضان تاركاً أطفاله الثلاثة وزوجته».
وتؤكد والدته أنها سلمت أمرها لرب العالمين بوفاة ابنها لكنها تشعر بالضيق والحزن والأسى على شباب غزة الذين تضيع أحلى سنوات حياتهم متخبطين بين الحصار والفقر وعدم الاستقرار وقلة فرص العمل والمخدرات وحبوب الترامال، مناشدةً كل الجهات المسؤولة أن تضع خطة لتبني هؤلاء الشباب بالرعاية والتأهيل والدعم النفسي والمادي بدلاً من أن تتواصل قصص الانتحار.
يذكر أن حوالي 10 حالات منذ العام 2016 وحتى مطلع العام 2017 سجلت على أنها حالات انتحار إلا أن النسبة الدقيقة في قطاع غزة غير مسجلة حيث أن بعض الحالات تعتبر انتحارا ولكن يسجل سبب الوفاة لأسباب أخرى.
الاستشارية الاجتماعية انشراح زقوت، قالت لـ»القدس العربي» إن «الانتحار يعتبر أشد مراحل الاكتئاب لدى الإنسان، خاصة الاكتئاب العقلي حيث يشعر الإنسان أن حياته ومماته سيان، بل يشعر أن يحتضنه باطن الأرض أرحم من حياته التي يحياها». وأشارت إلى أن «حالات الانتحار بين شباب غزة سببه الحصار الإسرائيلي المشدد منذ أكثر من عشر سنوات، والفقر الشديد، والبطالة، وقلة فرص السفر والمتعة والرفاهية في غزة، والضغط النفسي المتواصل».
ودعت لـ «حلول جذرية على الصعيد السياسي خاصة الاحتلال والانقسام السياسي، والاقتتال الداخلي كي نبدأ بتوفير بيئة صحية وسليمة للشباب وغيرهم من الفئات في غزة».
مدير عام الشرطة في غزة اللواء تيسير البطش، قال: «لاحظنا في الآونة الأخيرة وقوع بعض حالات الانتحار بسبب عدة عوامل، أهمها ضعف الوازع الديني، وسوء الوضع الاقتصادي والحصار، والضغوط والمشاكل النفسية».
وأضاف: «بعض المنتحرين يريد أن يؤذي نفسه في سبيل إيصال رسالة لغيره أو لأهله، وهي في الأغلب نتاج مشاكل اجتماعية وعائلية وبعضها مشاكل نفسية».
وبيَّن أن أبواب مراكز شرطة المحافظات مفتوحة أمام كل من لديه مشكلة أو شكوى، فهي تقدم خدماتها لكافة المواطنين كونها المحطة التي تربط الناس بالمؤسسة الشرطية، لافتاً إلى أن هذه المراكز تستقبل شكاوى المواطنين وتعالجها، وتساهم في إرساء الأمن وإنهاء الإشكاليات، وتقدم خدماتها عبر أقسامها المختلفة التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمواطنين والجهات القضائية.

باطن الأرض ملاذ شباب غزة هرباً من الحصار والفقر والبطالة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left