حبيس وراجح: الفن وعي والرقص وجود والعروض غنية وتحكي حياتنا

في دورته الـ 13 مهرجان «بيروت للرقص المعاصر» يدعو للحلم

زهرة مرعي

Mar 25, 2017

بيروت ـ «القدس العربي»: تماما كما لم تكن تدرك الراقصة ميا حبيس أن الرقص مهنة متاحة للبشر، ربما بدوره مؤسس «مقامات للرقص المعاصر» في لبنان الكوريوغراف والراقص عمر راجح لم يكن في باله أن «سيتيرن بيروت» أو «خزان بيروت» سيحتضن فعاليات الدورة الـ13 لـ«مهرجان بيروت الدولي للرقص المعاصر» كحيز مكاني خاص مجهز لاحتضان الفنون الأدائية، وفيه ستتم العروض الـ22 بكل ما تطلبه من تقنيات. عشر سنوات أمضاها راجح في إدارة المهرجان، وحبيس تدير الدفة للسنة الثالثة بشغف وتجدد واضحين. وللتجدد مساحة واضحة منها استقبال الجمهور الخارج من العرض في «هول سيتيرن» بوجود موسيقيين يقدمون العزف الحي، مما يؤمن تواصلا وتفاعلا بين الجمهور ونقاشاً حيوياً حول العروض. فالحالة التي يخلقها رواد المسرح بعد العروض تشكل تتمة حيوية في مساحة العرض. فالعروض المسرحية تعيش بالضرورة من خلال من تفرّج عليها.
اسبوعان من «الحلم، المبادرة والمسؤولية» وهو عنوان الدورة الـ13 ستنطق بها الأجساد الراقصة لتسرد للمتلقين قصصاً من حياتنا. فرق من أكثر من 10 دول عربية وأوروبية وجمهور مريد ومشجع يلتقون في منصة أصبحت حاجة منتظرة ضمن المشهد الثقافي القائم في بيروت، كما صار لها صيت ثقة حول العالم. والجميع «محكومون بالأمل» حسب المسرحي سعدالله ونوس، والاستعارة التي اختارها مؤسس المهرجان عمر راجح.
مديرة «ايبود» ميا حبيس أمضت قسطاً كبيراً من حياتها ترقص ولا تزال. وحين صار التخصص الجامعي ضرورة اختارت الأدب الفرنسي والتسويق، دون أن تقرر الالتحاق بمعهد للرقص وجدت نفسها ترقص باحتراف. اللقاء الفني والإنساني مع الفنان عمر راجح حفزّها لمنح الرقص قسطاً أكبر من الوقت، فصارت من أعضاء فرقة مقامات للرقص المعاصر. تقول حبيس: لم يراودني تصور بأن الرقص مهنة قائمة بحد ذاتها. ولم يخطر في بالي أن فرقة لبنانية راقصة ستلف العالم لتعرض أعمالها. وعندما صار المستحيل ممكناً تفتحت آفاقي الخاصة عبر اللقاء مع فرق أخرى من العالم.
إذا «مقامات للرقص المعاصر» فرقة أسسها عمر راجح سنة 2002 وفي 2004 أطلق «مهرجان بيروت الدولي للرقص المعاصر»، ومن ثم «ملتقى ليمون» سنة 2009 الخاص بفرق فنية عربية فقط. في تحليلها لصلة البشر بالرقص ترى ميا حبيس «الرقص مرتبط بوجودنا. صلته وثيقة بمجتمعنا ومحيطنا. تفاعل الجمهور مع فرقة مقامات أولاً ومن ثم مع بايبود بدءا من سنة 2004 كان العامل الأساسي في التوسع والتجدد».
الدورة الـ13 من بايبود تتميز بالتفرد والغنى، «الحلم والمسؤولية والمبادرة» ثلاثي يحكم حركة العروض. حسب ميا حبيس: بحثنا عن عروض مخصصة لهذه الثيمة. نحن نتجدد عبر الفرق الفنية والفنانين الذين يأتون إلينا للمرة الأولى. نتجدد مع شراكات مضافة إلى البرنامج كما متحف سرسق وغاليري تانيت. وجود «سيتيرن بيروت» واحتضانه لعروض هذه الدورة فتح لنا الباب واسعاً في اختيار المدعوين للمشاركة في بايبود، لأن التقنيات المطلوبة أصبحت متوفرة في المسرح المصنوع من الفولاذ والذي يضم صالات مسارح ومكاتب. أن يكون لنا مسرح خاص فهذا مخاطرة كبيرة جداً. فثمة عروض تعجز مسارح بيروت عن استقبالها تقنياً، لهذا كان الحافز كبيرا لإنجاز «سيتيرن» بمساحة ألف متر مربع.
ميا حبيس امرأة شغوفة بالرقص لأنه يحقق وجودها. متفانية من أجل تطوير بايبود عاماً تلو عام، تقول لمن يسأل عن ماهية «مهرجان بيروت الدولي للرقص المعاصر» ومن هو جمهور هذا الرقص؟ ليس بالضرورة أن يملك المتحمس لاكتشاف عروض المهرجان خلفية معرفية أو ثقافية خاصة بهذا النوع من الرقص أو بسواه، بل هو عرض لكل الناس. جمهور المهرجان ليس بجمهور خبير بالرقص. قد لا يحب الجمهور عرضاً ما، لكنه سيتفاعل معه دون شك. خلال الدورات الـ12 لبايبود بنينا الثقة مع الجمهور، وهو ينتظر كل عام أن نقدم له عروضاً مميزة. سواء أحب الجمهور العرض أم لم يحبه فهو سيضعه بمواجهة أفكار جديدة تتفتح لديه، وبمواجهة أسئلة جديدة. ولأن الرقص جزء من الحياة نهتم باستقطاب عروض تتحدث بلغة الناس والحاضر.
الرقص الذي يحقق وجود ميا حبيس بل ويؤكده، تقول عن حضورها على المسرح: خلال الرقص أشعر بوجودي الكبير، ويستحيل أن أتشتت إلى حيز مكاني آخر. وفي الوقت عينه أكون موجودة بقوة داخل جسدي. وليس لجسدي الاتيان بأي حركة خارج رأسي، والعكس جائز كذلك. هي حالة كلية تشعرني بالثبات والاكتفاء من حضوري في هذه الحياة.
مصمم الرقص والراقص عمر راجح الذي تولى مهمة إطلاق «مهرجان بيروت للرقص المعاصر» وهو محكوم بالأمل كما يردد على الدوام. يحاول راجح القراءة في كيفية إغراء الجمهور بمشاهدة الرقص المعاصر خاصة وأننا شعب يعتز بتراثه من الرقص الشرقي والدبكة؟ يقول: الرقص الشرقي من أهم الفنون المعاصرة. العلة ليست فيه بل تكمن في كيفية التعاطي مع هذا الفن. أين نقدمه وما هي طريقة هذا التقديم. في بايبود نقارب الرقص المعاصر من خلال هويتنا وبيئتنا اللبنانية، لهذا كبُر المهرجان. وإلى جانب الفرق الأجنبية الفرق المحلية والعربية موجودة بقوة، وهي تحكي همومها، أفكارها، حياتها وتطلعاتها. لهذا السبب تقرّب الجمهور من المهرجان وكانت عروضنا مكتملة الحضور جميعها في الدورات الـ 12 الماضية. في رأي الرقص المعاصر موجود في حياتنا أكثر من أي رقص آخر، والسبب أنه مبني على الحركة، وكذلك على الموضوع الاجتماعي والفكرة النابعة من حياتنا.
إذاً كيف للجسد المرن بحركته أن يعبر عن ثيمة «الحلم، المسؤولية والمبادرة»؟ وكيف لمؤسس بايبود أن يقنع الجمهور بالحضور لمعاينة كيفية بناء الحلم على المسرح مباشرة؟ لعمر راجح مقولته المثبتة من خلال فنه وقناعته بما يقوم به. يقول: الحلم هو النقطة المركزية. العروض تشجع على الحلم دون خوف. تُحفز على الحلم والتأكيد والسعي لتحقيقه. تطلعات الفرد يجب أن تتحقق والسبيل لذلك أن يكون حلماً واقعياً، وأن يتميز صاحبه بالإقدام، الجهد والمبادرة. بمجرد قراءة الصحف والتحدث مع آخرين في كل يوم يُطرح علينا السؤال: ما الذي يمكن فعله؟ أي ما هي قدرتنا على الفعل؟ ومن هنا أتى تعبير مسؤولية. كمسؤولين في المهرجان وضعنا الثيمة، وفي كل عرض يقرأ الجمهور التوجه المقصود منه. العرض الآتي إلينا من بريطانيا يتحدث عن عصر النهضة والتنوير ما يدفعنا للسؤال ماذا علينا أن نفعل لحاضرنا؟ أما عرض الافتتاح الرائع «ثقل الاسفنج» فيبحث الصلات بين الأطراف التي تتشكل منها العائلة، وكذلك صراع الأجيال الذي تمر به مختلف العائلات.
مع راقص ومصمم رقص محترف يجوز لنا طرح السؤال عن قدرة الجسد على النطق بلغة العقل؟ يقول راجح: هذا يعتمد على قدرة التمييز بين الجسد والعقل. الرقص نوع من وجود، والفكرة التي نرغب في إيصالها تتحدث عن نفسها من خلال الحركة. الفن وعي، والرقص فن يبث الوعي دون شك، بل هو الوعي. نتأكد من وجودنا من خلال حواسنا أي من خلال جسدنا. ليس لإنسان أن يحقق تطوره برأس مقفل. الرقص والموسيقى وكل الفنون هي ابنة الأرض. الفلاح يغني في أرضه، والراعي يعزف المجوز مع قطيعه. الثقافة والفن أساس الحياة فمهما من يدفعنا للسؤال. عندما شاهدت عرضاً لفرقة كركلا وأنا في عمر الـ 14 سنة طرحت السؤال على نفسي. بعيداً عن ذاك العرض مستحيل أن أكون ما أنا عليه حاضراً. السؤال الأساسي الذي يطرحه الفن: كيف تصبح حياتنا أفضل؟ ولهذا السبب يتظاهر الناس في الشارع من أجل حياة أفضل. الأسئلة مفصلية والهدف منها ان لا يكون الإنسان في وضعية «البلوك».
من 13 إلى 29 نيسان/ابريل تمتد العروض. تاريخ البدء مفصلي في حياة اللبنانيين، ومعه صارت الحياة جحيماً. في اختيار التوقيت يرى راجح: انها صدفة ذات معنى وليست عبثاً. حان الوقت لأن نقارب علاقتنا بهذا التاريخ بطريقة مختلفة. بالنسبة لي 13 نيسان/ابريل 2017 هو بداية مشروع حياة، وبداية رؤية لحياتي. إلى الدورة الـ 13 من بايبود أدعو الجمهور لموافاتنا إلى حلمنا. ويضيف عمر راجح: جمهورنا هو كل الناس. وهؤلاء يقولون لنا أنهم يدركون ويثقون بأن ما نقدمه جديد وله معنى، ويحمل أفكاراً من شأنها أن تترك اثراً على حياتهم.
المهرجان يقع في مرتبة مهمة جداً في دائرة الرقص العالمي. لهذا كانت شراكة مع غاليري تانيت لاستقبال معرض لأيقونة الرقص المعاصر الألمانية الراحلة بينا باوث. هو معرض عن حياتها، اختار بايبود جزءاً صغيرا منه، ليغادر برلين للمرة الأولى. والألماني لوتس فورستر قرر أن يكون حضوره الأخير على المسرح في بايبود. ومن العروض العربية «نصيرة بلعزا من الجزائر، وميريم جازولي من المغرب، وكذلك فرق من إيران، وتونس، وفلسطين ولبنان». أما ربيع مروة الذي يعرفه لبنان ممثلاً ومخرجاً مسرحياً يصل إلى بيروت مع فرقة شهيرة هي «دانس أون» أعضاؤها تجاوزوا الأربعين عاما، مقدماً كمخرج وكمصمم عرضاً برعاية معهد غوته الألماني.

سواء أحب الجمهور العرض أو لم يحبه فهو سيضعه بمواجهة أفكار وأسئلة جديدة

 حبيس وراجح: الفن وعي والرقص وجود والعروض غنية وتحكي حياتنا
في دورته الـ 13 مهرجان «بيروت للرقص المعاصر» يدعو للحلم
زهرة مرعي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left