نزار قباني شاعر لجميع الفصول: هل يجود الزمان!

عبد الواحد لؤلؤة

Mar 25, 2017

يبدو لي أن عدداً غير قليل ممن أعرف من العرب المعاصرين: اللامنتمين سياسياً أو حزبياً أو «أي شيئياً» قد بدأوا «يمارسون» أسلوب العجائز في تذكر أيام الصبا والشباب، «الأحسن» والأكثر أمناً مما نحن فيه، في هذا الزمن المتشدّق بالديمقراطية وحرية الرأي، وأخواتها!
ينكر عليّ بعض من أحترم آراءهم هذا التشاؤم ـ التشاؤل من تضاؤل الإبداع في الساحة الأدبية العربية المعاصرة، تضاؤلا بدأ ينحدر نحو الإدقاع منذ «تباشير» الربيع العربي، الذي سرعان ما انقلب صقيعاً عربياً. هذا أول الأسباب التي «تحرّض» على تذكُّر الماضي القريب، قبل البعيد، تأساءً وتعزية. أين الأسماء الكبيرة في الرواية العربية؟ من جاء، بعد نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وجبرا، في روايات لا تقوى على تركها إلى جانبك بعد قراءة الصفحة الأولى؟ كيف حال الشعر بعد فترة الخمسينات الذهبية في الشعر العربي، في العراق وعدد من الأقطار العربية؟ من ظهر في أي بلد عربي شاعراً يقترب من إبداع الجواهري، لغة وجزالة هي وريثة المتنبّي؟ والشعر في فلسطين، على الرغم من وقوع البلاد في أتون احتلال دونه «أبارتهايد» جنوب أفريقي؟ أين من يسير على طريق الآلام حاملا صليبه «المعاصر» مثل محمود درويش وسميح القاسم؟ ومنارة الشعر العربي الحديث، «الشاعر لجميع الفصول» نزار قباني. هل نذكره ونتذكّر شعره «في كل مناسبة» كما يفعل «مُدمِن» على الشعر مثلي؟
بداية الربيع، إذا ما بدأ حيث أقيم في كمبرج، تذكِّرنا بميلاد نزار في الحادي والعشرين من آذار/مارس 1923. وكان نزار يذكِّرنا دائما أنه ولد مع ميلاد الربيع، وله الحق في ذلك. ويبدو أن آذار العشرينات من القرن الماضي كان يبشر بميلاد جديد للشعر العربي. ففي ذلك العقد ولد للشعر نازك، 1923 كذلك، وفي عام 1926 ولد كل من شعراء الحداثة في العراق: بدر، البياتي، وبلند الحيدري. جميع هؤلاء الشعراء كانوا بشائر ربيع عربي شعري، ما لبث أن انحدر نحو شتاء فقير بعد غيابهم في أواخر تسعينات القرن الماضي. ومن دماء تموز الشعر القتيل أينعت شقائق النعمان الفلسطينية: محمود وسميح.
هل يسمح لنا «التشاؤل» فتح كوة صغيرة نُطِلُّ منها على ربيع شعري ولد مع ولادة نزار؟! منذ مجموعاته الأولى: «طفولة نهد» و«قالت لي السمراء» شهد الشعر العربي ولادة لغة جديدة، بسيطة في عباراتها، تتناول حياة الناس العاديين، من غير أصحاب الفخامة والألقاب الرنانة، وتتحدث عن المسكوت عنه في مطاوي النفس البشرية التي كانت، حتى ربيع نزار، من المحرَّمات في «ثقافة» جيل تحجَّر في ظلمة العهود العثمانية الطويلة، حيث صار للشعر لغتان: مسموحة وغير مسموحة. لكن نزار يخبرنا أن الشعر لغة القلب التي تدخل إلى القلب دون استئذان:
قلبي كمنفضة الرمادِ أنا إن تنبُشي ما فيه تحترقي
قلبي أنا شِعري ويظلمني من لا يرى قلبي على الورق
وقيل: هذا شاعر المرأة، وشاعر الحب وغير ذلك من تُهَم لا يتبرأ منها. والرجل في شعر نزار مكشوفةٌ حقيقتُه بما لم يجرؤ أحد قبل نزار أن يكشف. قصيدة «حُبلى» أبلغ إدانةٍ لرجل المجتمع «المتحضِّر» المتخفّي وراء ذكورية المجتمع وأبويَّة لا تقبل بكشف المستور. «لا تمتقع هي كلمة عَجلى/إني لا أشعرُ أنني حُبلى/وصرخت كالملسوع بي: كلا/سنمزِّق الطفلا/.. وكان أن ثارت «إنسانية» المرأة في ذلك المجتمع الذكوري الأبوي، فقذفت بوجه «رجل العصر» ما أعطاها ثمناً لجريمته: «ليراتك الخمسون»، أنا لا أريدُ له أباً نذلا.
ولأن نزار شاعر لجميع الفصول كان اهتمامه بالمجتمع العربي وبالشؤون السياسية حاضراً بمناسبة وبغير مناسبة… إن شئت. قصيدة «خبز وحشيش وقمر» إدانة شديدة للمجتمع العربي، دفعت بالقائمين على «سلامة» هذا المجتمع العربي، «الإسلامي» في الغالب، إلى تجريم شاعر لا يخشى في الحق لومة لائم. وكان زلزالُ حزيران 1967 قصيدةً قالت ما لا يُقال حتى ذلك اليوم الكارثي، على جميع المستويات: «هوامش على دفتر النكسة». يرى كثيرون أن هذه القصيدة أكبر من «هوامش» لأنها معلّقة يجب أن تُكتب بماء الذهب وتُعلّق في كل دار عربية، لتكون «الصَّبوح» و«الغَبوق» لكل عربي لم يُعاقر الراح ولا يعرف أدب الشراب،إذا المُدامة عربدت في كأسها. مَن مِن الشعراء العرب قال بلغة كارثية البساطة: «كلَّفنا ارتجالنا/خمسين ألف خيمة جديدة»! فهو يبدأ هكذا: «أنعي لكم يا أصدقائي اللغة القديمة/والكتب القديمة/أنعي لكم، أنعي لكم/نهاية الفِكر الذي قاد إلى الهزيمة». لغة الشعر القديمة، والكتب القديمة، قد ماتت جميعاً، لأن ما أنتجته من فكر هو الذي قاد إلى الهزيمة، التي تسميها اللغة القديمة التي ماتت: النكسة! والفكر الذي قاد إلى الهزيمة هو الفكر الذي تخدَّر بالاستماع إلى «وأول أ آبلك فين/وابدأ كلامي منين» تتكرر مئين المرات لتصل إلى «ولما أشوفك يروح مني الكلام وانساه». إذن لماذا أرادت أن تقابله أساساً؟ مرة حضرتُ مجلساً ضم بعض كبار «المسؤولين» فيه ضابط كبير أقسم أن «الجماعة» ليلة الخامس من حزيران كانوا يستمعون إلى رائعة «سومَه» ما بين رنين الكاس/ورنّة الألحان. حسبتُ الرجل ناقماً أو شامتاً فكان يبالغ في أسلوب «جَلد الذات» إلى أن اكتحلت العينان بطلعة «مسؤول كبير جداً» على التلفزيون، بعد «النكسة» بأيام فصرّح لافُظَّ فوه، ولله أبوه: «دَحنا كنا مستَنّيهم من الشرق، أطا بيهم جونا مل غرب». ما شاء الله يا سيادة أركان حرب… قل لي «بالزمّة» كيف حصلت على الشريط الأحمر على الكتفين، وهذه الأغطية لقناني الكولا التي تملأ صدرك؟ ألم تدرس تاريخ الحروب؟ ألم تسمع أن الحرب خدعة؟ ألم تدرس لماذا خسر المسلمون في موقعة أحُد في أول الدعوة الإسلامية، يوم نزل المسلمون من موقعهم المرتفع على جبل أحُد إلى أرض المعركة التي هُزمت فيها قريش، نزلوا خلافاً لأوامر الرسول الكريم قائد المعركة، ليجمعوا الغنائم والأسلاب، فاستدار خالد بن الوليد «اللي مش اركان حرب» والتف حول الجبل، وفاجأ جامعي أسلحة الهاربين، وصار اللي صار.
ونستأذن من الهم والغم، ونقلب صفحة على ذكريات جميلة عن نزار وشعره. في أحد مؤتمرات المربد الشعرية ببغداد كان نزار يجلس في الصف الأول أمامي، وكنتُ أنا جالساً خلفه تماماً. صعدت «سعاد الصباح» إلى المسرح لألقاء قصيدتها، ووجدتُ لغتَها وإلقاءها صورة من شعر نزار وإلقائه، أو هكذا بدا لي. فلم استطع كبتَ ملاحظتي بصوت مسموع: «هذا شعر نزار بصوت نسائي» فالتفت اليّ نزار بابتسامة عتاب قائلا: «وبعدين مَعَك»! فالتزمتُ الصمت بعدها. وفي أواخر سبعينات القرن الماضي، أيام «الحويدس» في لبنان، جاءنا نزار وبلقيس وولديهما: عُمر وزينب إلى بغداد، وأقاموا في دار أهل بلقيس، الذي يبعد عن دارنا في حي الجامعة، أيام الخير، بخمس دقائق. دعوتُ نزار إلى دارنا، فلما دخلت وهو إلى جانبي صار يتلفَّت إلى حديقتنا مراراً. ولما نزل من السيارة وقف ويده على باب السيارة المفتوح ودهشة باسمة على وجهه سائلاً: شو هالعطر اللزيز بحديقتكم؟ قلتُ هذا «الرازقي» زهرة فُل مطعَّمة على ياسمين. قال وكيف نحصل على شجرة منها لحديقة بلقيس؟ قلتُ: تكرم عينك: غداً اجلب لكم شتلة منها. وهكذا فعلتُ. ومن يومها صار الرازقي حاضراً في شعر نزار حضور الياسمين.
وفي «أيام الخير» اللاحقة، يوم كانت هناكَ دمشق تُزار، ومؤتمرات شعرية نُدعى اليها، كان أول عمل أقوم به حال وصولي فندق الشام أن «آخذ تكسي» إلى مقبرة «باب صغير» لزيارة قبر نزار الذي وافاه الأجل في مستشفى بلندن يوم 30 ـ 4 ـ 1998، لقراءة الفاتحة على روحه. كان دليلي حارس المقبرة يرافقه عسكري، ساعدني في أخذ صورة لي أمام «مثوى فقيد الشعر العربي: نزار قباني». تكررت هذه التجربة كلما دُعيت إلى مؤتمر في دمشق وكان الدليل يؤكد لي كل مرة انه يبدأ «دوريته كل صباح» بزيارة المثوى، وقراءة الفاتحة. هكذا كانت أخلاق العسكر في أيام قبل الصقيع العربي. لكن في هذه الأيام الكابوسية، لم تبقَ مؤتمرات أدبية في دمشق، ولا زيارات مثوى لقراءة الفاتحة، فالكل مشغول بأمور أخرى.

نزار قباني شاعر لجميع الفصول: هل يجود الزمان!

عبد الواحد لؤلؤة

- -

7 تعليقات

  1. الدكتور عبد الواحد لؤلؤة المحترم ، كم جميل ذلك الماضي الذي تقربه الينا بسحر كلماتك ووصفك له وكأنني أنا في بغداد أشم رائحة ورد الرازقي المفضل لي .
    مقالك اليوم يذكرني قول للكاتبة الروائية التشيلية ايزابيل الليندي ، تقول فيه ( نحن لا نعيش الحياة في خط مستقيم ، بل نعيشها في دوائر . نعتقد أن السنين تُبعدناعن الشئ، ثم نتفاجأ بأننا كُنا في رحلة طويلة للعودة اليه ).
    لقد قتلت السياسة و الحروب كل شئ جميل في المجتمعات العربية وأصبح الانسان من الداخل معاقا ومشوها . فتذكر الماضي الجميل هو كل ما بقي لنا، وهو هدية ثمينة في الحياة نحتفظ بها ونحرسها .
    رحم الله الشاعر نزار قباني الذي حورب لصراحته وشجاعته ، وسيبقى نوره يُضئ في كل قصيدة نقرأها له .

  2. نزار وبغداد
    استاذي د. عبد الواحد لؤلؤة .. صباح الرازقي البغدادي
    استمتعت برحلة الذكريات الجميلة التي اترقبها منذ اخر مقال لكم في صحيفتا القدس العربي ، نزار وبلقيس قبس من زهو الحضارة الشرق اوسطية ، نزار كان طويل القامة أزرق العينين بالغ الوسامة والأناقة تحيط به الجميلات وهو الذي «فصل من جلد النساء عباءة، وعمر أهراما من الحلمات» كما يصف نفسه في إحدى قصائده. إنه «الطاووس الأجمل» هكذا وصفتة الرائعة الايقونة غادة السمان ، وبلقيس كما وصفها نخلة عراقية ، وملكة بابلية ، دجلة بضفتيها وبساتينها ، ورد الجوري والرازقي وشتلات الياس الخضراء منبع الفنون والاداب ، وحكاية الرازقي اتذكر اني سمعتها عن اعجاب الرائع نزار قباني بهذا النوع الفريد من الورود البغدادية ، مصادفة الربيع سنشهد فعاليات غرس الالاف الازهار وكذلك مهرجان الزهور البغدادي ، امنياتي بموسم ربيع للعراق يحمل الخير والامان والسعادة والامل .
    تحياتي
    نجم الدراجي . بغداد

  3. بعض الملاحظات النقدية..
    واحد.. التضاؤل في الإبداع الأدبي الذي يتحدث عنه الكاتب “متحسرا” بدأ ينحدر نحو الإدقاع قبل «تباشير» الربيع العربي بزمن مديد جدا.. في واقع الأمر..
    اثنان.. في رأي أدونيس الذي تجاهل الكاتب ذكره عن قصد أو عن غير قصد.. الشعراء القروسطيون الفطاحل من أمثال المتنبي هم أهم بكثير من الشعراء الكلاسيكيين “الجدد” الذين قلدوهم كالجواهري وأمثاله..
    ثلاثة.. هل الهدف من هذا المقال هو عرض نقدي أدبي لبعض جوانب شعر نزار قباني كشاعر لجميع الفصول.. أم هو عرض “تباهوي” لاأدبي لذكريات شخصية عن ما حدث بينه وبين كاتب المقال بالذات؟..
    أربعة.. ثم ماذا فعلت تلك القصائد التي كانت.. برأي الكاتب.. أشبه بزلزال حزيران 1967.. ماذا فعلت في حقيقة الأمر غير الذي قالت ما لا يُقال حتى ذلك اليوم الكارثي، على جميع المستويات، كقصيدة «هوامش على دفتر النكسة» وغيرها؟..
    وفي الأخير.. خمسة.. الذي قاد إلى الهزيمة ليس ذلك الفكر الذي أنتجته لغة الشعر القديمة والكتب القديمة.. كما يعتقد الكاتب “مفسرا”.. بل نهاية الفكر في حد ذاتها التي عناها الشاعر الراحل.. تلك النهاية التي مهّد لها طغاة العرب جميعهم من خلال رعايتهم لمصالح أسيادهم الأجانب منذ أيام الاستقلال إلى هذا اليوم..

  4. بعد وافر التحية والاحترام شكرا للدكتور عبد الواحد لؤلؤة على هذا المقال الشيق عن نزار قباني ،الا ان لي ملاحظة عن مقطعما بين رنين الكاس/ورنّة الألحان الذي نسبتموه الى سومة .
    والحق أن المقطع من أغنية شهيرة لاسمهان بعنوان ليالي الانس في فييناي أغنية ألفها أحمد رامي، ولحنها فريد الأطرش، وغنتها أسمهان عام 1944 في فيلم “غرام وانتقام”، وهي إحدى أشهر أغانيها على الإطلاق.
    لحن فريد مطلع الأغنية على إيقاع الفالس وربما هو أكثر أجزاء الأغنية شعبية بين الناس.
    نص الأغنية[عدل]
    ليالي الأنس في فيينا نسيمها من هوا الجنّة نغم في الجوّ له رنّة سمعها الطير بكى وغنّى
    ما بين رنين الكاس ورنّة الألحان أدي القوام ميّاس يعاصف الأغصان
    تمّ النعيم للروح والعين ما تخلّي قلبك يتهنّى آدي الحبايب عالجنبين إيهِ اللي فاضل ع الجنّة
    متّع شبابك في فيينا دي فيينا روضة من الجنّة نغم في الجوّ له رنّة سمعها الطير بكى وغنّى
    ساعة هنا لو تصفالك تنسى معاها الكون كلّه إيه اللي رايح يبقالك من النعيم ده غير ظلّه خيال ساري مع الأوهام وطيف جاري مع الأحلام وليه تصبر على الأيام تفوت من غير ما تتهنّى
    دي ليلة الأنس في فيينا نسيمها من هوا الجنّة نغم في الجوّ له رنّة سمعها الطير بكى وغنّى
    امرح واطرب افرح واشرب ابعث قلبك يسبح ويطير في الدنيا ديي يلقي له سمير
    تهنا بقربه، وتسعد بهواه واتهنّي شبابك والقلب معاه دي فيينا روضة من الجنة يسعد لياليكي يا فيينا نغم في الجوّ له رنّة سمعها الطير بكى وغنّى.
    وألف شكر للدكتور.

  5. واضح أن الكاتب في نهاية مقاله يمتدح النظام العسكري الفاشي في سوريا قبل ثورة “الصقيع″ بشكل مبطن بعد كل ما حصل.. وهذا هو ما يملي عليه ضميره إن كان لديه ضمير حقا… ففي هذه الثورة “الصقيعية” التي يذمها الكاتب عمدا… حتى الكتاب المشهورون أو المغمورون الذين كنا نظن أنهم “أنبياء”… من حيث المبدئية والنزاهة… بانوا على حقيقتهم من خلال ما يكتبونه على شاكلة مقالات صحفية في عالم الواقع أيضا… لا في عالم الخيال فقط… !!!
    وهذه كذلك من مزايا ما نعرفه الآن عن ثورة “الصقيع″ العربي – حسب تسمية الكاتب – وفي غضون ثورة المعلوميات الحديثة… الثورة التي أدت حتى إلى “حوسبة” النشر الصحفي للمقالات والتعقيبات على هذه المقالات… رغم كل ما قيل من نقد سلبي عن هذه الثورة… !!!
    كم أفتقد كتابات الأستاذ حي يقظان في هذه الآونة العصيبة بالذات… حيث لم نر له مقالا أو تعليقا يشفي الغليل منذ زمن طويل… أحييك يا أخ حي يقظان أينما كنت من صميم القلب فعلا… وأبث إليك كل المودة والتقدير… على يقظتك الحية التي عهدناها وعلى كشفك الحاذق هذا لما يتوارى عن الأنظار ما بين السطور المكتوبة عن قصد أو عن غير قصد… !!!

  6. تعليق على مصطلح ” جلد الذات” (1)
    أحسنتِ يا أختنا الكريمة آصال على هذه الملاحظات النقدية القيمة…
    ولديّ هنا أيضا ما كُتب عن مصطلح “جلد الذات” بالذات، المصطلح الذي ما زال بعض الجامعيين المغفّلين يستخدمونه كمثل عبد الواحد لؤلؤة إلى هذا اليوم…
    /لا أعرف من ترجَم لنا مصطلح (جلد الذات).. صار درعاً يحتجب وراءه كل من يريد أن يحبس النقد ويمنعه. ألحقوه بتعبير محلي يصف الواقعيين( بالمخذلين). إذا قال كاتب لا نستطيع أن نقاطع أمريكا أو أن نحاربها هبوا في وجهه بكلمة المخذلين. يبقى مصطلح جلد الذات أسوأ المصطلحات التي نستخدمها دون تبصر. جاءنا بصحبة مجموعة من المصطلحات الأخرى التي توسَّع الكتاب و(الدعاة!) في استخدامها حتى فقدت قيمتها ودلالاتها. في بعض الحالات انقلبت على أعقابها. صارت تدل على عكس ما سُكت من أجله. يستخدم اليمين السعودي على سبيل المثال مصطلح ( اختطاف الصحافة). لا يعرفون كيف يكتبون، ولا يملكون القدرة على احترام الطرف المخالف، ثم يحتجون أن الصحف لا تسمح لهم بالكتابة فيها.
    كلمة جلد الذات لا تخفي في داخلها تورية أو دلاله أخرى: تعني أن يمارس الإنسان إذلال ذاته بذاته. عندما يمارس الإنسان النقد لايمكن له أن يصل إلى جلد الذات مهما كانت درجات المكاشفة والشفافية. في ثقافتنا العربية الحديثة ربط مفهوم التمتع بالألم بالأغاوات. فئة من البشر (ذكور تحديدا) سُرقت في طفولتها من أهلها واستبيحت بأن نزعت رجولتها بالخصاء لتصبح رمزا لإذلال الذات. هذه على أي حال واحدة من قبائح الخلافة العثمانية التي لا تعد ولا تحصى/…
    (للمقال تتمة)

  7. تعليق على مصطلح ” جلد الذات” (2)
    /عندما نقول جلد الذات فنحن نعني البشر الذين قذفوا من كرامتهم الإنسانية. اشتهر هذا المصطلح في الديانة المسيحية((self-flagellation وانتقل إلى الإسلام . يظن المؤرخون أنها ممارسة موجودة حتى الآن في ثقافات بعض دول حوض البحر الأبيض المتوسط. عُرف عن البابا بولس السادس أنه يغلق على نفسه في غرفة منعزلة، ويجلد ذاته.. ما نشاهده عند بعض الطوائف الإسلامية من جلد الذات بالسياط أو السلاسل حتى بلوغ الدم هو أقصى انحدار (في الكرامة) يصل إليه الإنسان بفضل الانقياد والانصياع لرجال الدين. الممارسة الفيزيائية بجلد الجسد علناً هي تعبير عن الانسحاق والشعور بالإذلال ونكران الذات. جسد الإنسان وروحه المعنوية متكاملان في ما يخص الكرامة. لايمكن فصلهما، ولن يوجد على الأرض ما يبرر للإنسان إذلال أي منهما إلا عند مرضى يُعرفون بالمازوخيين .
    مجرد أن يوقع الإنسان عقاباً على جسده أو في كرامته من أجل التكفير عن خطايا قديمة (صحيحة كانت أو متخيلة أو مختلقة) يعني الاستلاب.أن يتبرع الإنسان باستباحة جسده من أجل سعيد أو يوحنا أو حسين فهذا الإنسان بلغ من السحق قاع الجحيم. هذه الممارسة ليست إسلامية في أصلها. اعتمدها المسيحيون الأوائل في العصور الوسطى تحديداً واستمرت حتى الآن تمارَس عند بعض الطوائف المسيحية الكاثوليكية كالفلبين.
    جلد الذات يقوم على فكرة التطهير والاعتذار عن صلب المسيح آخذة مفهوم أن الجسد شر ويجب إخضاعه للتأديب..(مفهوم أن الجسد كله شر تحول في ثقافة المسلمين الشعبية إلى جسد المرأة واستقر فيه حتى صارت الأنثى تطارَد متهَمة بالإغواء الشيطاني للرجل حتى بظفرها.)
    من العار أن يستخدم الإنسان هذا المصطلح، ومن العار أن يصف الإنسان أخاه الإنسان به. الإسلام بتركيبته الثقافية وطبيعته المتأصلة لا يقبل إذلال الذات/…
    / عن عبدالله بخيت

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left