«المنطقة العازلة» من قطاع غزة محرومة من الشجر والبشر ضمن مخطط إسرائيلي لقضمها وتشريد سكانها

أشرف الهور

Mar 25, 2017

غزة ـ «القدس العربي»: على مقربة من الحدود الشرقية التي تفصل بلدة القرارة الواقعة جنوب قطاع غزة، عن السياج الأمني الذي شيدته إسرائيل، وأتبعته بمنطقة سمتها «المنطقة العازلة» يقف سكان تلك المساحة التي كثيرا ما تشهد توغلات عسكرية ينفذها الجيش الإسرائيلي، ينظرون يوميا إلى حقولهم ويترقبون أن تمر عليها الأيام بسرعة، ليتمكنوا من حصادها بمناجلهم، قبل أن تحصدها سحقا الدبابات والجرافات الإسرائيلية، وتصبح كما في مرات سابقة كثيرة أثرا بعد عين.
في تلك المنطقة الحدودية التي ترتدي في هذا الوقت من العام ثوبا أخضر، مع نمو النباتات، التي اقترب حصادها، والأزهار الربيعية التي شقت الأرض وأنبتت ألوانا مبهجة، بدون تدخل البشر، يمتزج هناك فرح السكان، بذكريات الألم. فاقتراب حصاد المحاصيل غالبا ما يترافق مع توغلات برية وعمليات عسكرية تنفذها قوات الاحتلال، التي لا تنقطع عن مهاجمة الحدود، بحجة تهيئة «المنطقة العازلة» ومنع نمو أي أشجار أو مزروعات في مساحتها، وهو أمر يضع هؤلاء المزارعين في حالة خوف كبيرة، خشية من توغل مفاجئ يأتي على حقولهم.

منع بقوة النار

ومصطلح «المنطقة العازلة» يطلق على تلك المناطق التي تقع على مسافة 300 متر من أراضي القطاع، من السياج الفاصل، وهي مناطق تمنع إسرائيل وجود أي نباتات أو بيوت داخلها، وتتحجج أن السبب في إقامتها يعود لاستغلال المنطقة الفارغة من رصد أي تحركات ضدها.
«القدس العربي» زارت المنطقة والتقت الكثير من أصحابها، جميعهم تحدثوا عن حجم الخسائر المادية الكبيرة التي تكبدوها جراء العمليات العسكرية التي نفذتها إسرائيل، ولم ينسوا الإشارة إلى تردي أوضاعهم الاقتصادية.
وفي أرضه وقف مزارع يدعى أبو المكارم أبو سعادة، وهو رجل في بدايات العقد الخامس، وراح يشرح مأساة سكان المنطقة، ويقول وهو يشير بيده اليمنى، بعد أن ترك المنجل الذي كان يستخدمه في حصاد جزء من محصول «السبانخ» «شوف (أنظر)» وكان يصوب إبهامه نحو أرض زراعية قد محقت بالكامل «هذه أرض جدي» وقد جرفت تلك المنطقة في بدايات اندلاع انتفاضة الأقصى في عام 2000 ولم تسمح إسرائيل التي شملتها ضمن نطاق «المنطقة العازلة» بزراعتها، أو وصول ملاكها إليها.
ويضيف لـ «القدس العربي» أنه منذ 17 عاما يرى تلك الأرض بعينيه، ولم تطأها قدماه مطلقا، ولا يخفي شوقه للوصول إليها وزراعتها، من أجل زيادة إنتاجه.
لكن جنود الاحتلال دوما لهم بالمرصاد وهم يطلقون النار على كل من يقترب من حدود المنطقة، وتسببت عمليات إطلاق نار سابقة في وقوع ضحايا كثيرين من الفلسطينيين.
ويقول المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إن قوات الاحتلال تعرّض هذه المنطقة للذخيرة الحية، ويؤكد أن إقامة «المنطقة العازلة» مخالفة للقانون الدولي، حيث لا توجد ضرورة عسكرية تستلزم إقامة «مناطق عسكرية مغلقة» دائمة داخل قطاع غزة، ويوضح أن استخدام الذخيرة الحية يتسبب في إلحاق الإصابات في صفوف المدنيين، الأمر الذي يشكل «جريمة حرب».

لا شجر يزرع

ويضطر الكثير من سكان المنطقة لزراعة المحاصيل الموسمية، التي تزرع وتحصد في مواسم معينة، كالبصل والبازلاء والطماطم والسبانخ، بدلا من زراعة الأشجار المثمرة. ويوضح المزارع أبو سعادة أن لذلك علاقة بالعمليات العسكرية الإسرائيلية، ويقول إن الجيش الإسرائيلي قضى على الغالبية العظمى من الأشجار المثمرة في مناطق الحدود، خلال التوغلات البرية أو خلال الحروب السابقة، وإنه كان يلجأ في بداية الهجمات لاقتلاع الأشجار المثمرة، من بينها أشجار زيتون فاق عمرها المئة سنة وأكثر، وهو ما كبدهم خسائر مالية كبيرة.
ويشير إلى أنهم أضحوا الآن يلجأون إلى زراعة المحاصيل التي لا يزيد ارتفاعها وقت النمو والحصاد عن 20 سم، لسببين، الأول له علاقة بالترتيبات الأمنية الإسرائيلية، التي لا تسمح أن ترتفع الأشجار قرب الحدود، من أجل توفير فرصة مراقبة أفضل لقواتها. وثانيا لأن الأشجار المثمرة تحتاج إلى سنوات حتى تبدأ بدر المحصول، في حين اقتلاعها وتجريفها يكون في أقل من ساعة واحدة.
وكثيرا ما تتوغل قوات الاحتلال مع جرافات لتنفيذ عمليات توغل برية على طول الحدود الشرقية والشمالية لقطاع غزة، وتعمل على تجريف وتمشيط المنطقة، حتى من النباتات البرية.
ويشاهد الزائر للمنطقة بالعين المجردة، تلك الأبراج العسكرية الاحتلالية، والسياج الفاصل، ويشاهد أيضا الدبابات والجرافات.
ويقول المزارع سليم أبو جامع أحد سكان المنطقة، إن لجوءهم قسرا إلى التحول من الاعتماد على زراعة الأشجار المثمرة، إلى الزراعة الموسمية، زاد من أزماتهم الاقتصادية. وأوضح لـ «القدس العربي» أن العائد المالي الذي كان يتوفر لهم في موسم حصاد الأشجار المثمرة، أكبر من العائد الذي توفره الزراعة الحالية.

طائرات رش تفسد المحاصيل

ويشير إلى أنه تكبد الشهر الماضي خسائر مالية، بعدما لجأت إسرائيل إلى طريقة جديدة للقضاء على محاصيلهم مع اقتراب موعد حصادها، من خلال رش المنطقة بمبيدات حشرية فتاكة.
وقبل أيام ذكر تقرير لمنظمة «بيتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية، أن عملية الرش هذه أدت إلى القضاء على محاصيل زراعية على مساحة 2000 دونم. وحسب التقرير فإن المحاصيل التي تعرضت للرش والتلف، لم تكن جاهزة لموسم الحصاد.
ويقول المزارع أبو جامع متابعا حديثه بحسرة «متبقاش (لم يتبق) إلنا سوى هذه الأرض»، وكان وقتها يقف وسط أرض زراعية تساوي تقريبا أربعة دونمات مزروعة بالبصل والسبانخ، ويشير إلى أن التوغلات أيضا تأتي على شبكات الري، الأمر الذي يجعلهم في حاجة كل مرة إلى نصب شبكات جديدة، وهو ما يحتاج إلى مال وفير.
ويؤكد هذا المزارع إنه لم يحصل حتى اللحظة على قيمة تعويضات أقرت له، حسب الوعد الذي قدمته إحدى الجهات الدولية، التي تقدم تعويضات عن خسائر الحروب والهجمات.

خسائر مالية كبيرة

ويشتكي هؤلاء المزارعون من ضنك الحياة، ويقولون إنهم باتوا بالكاد يستطيعون توفير لقمة العيش لأسرهم وأطفالهم، بسبب ما خلفته حروب وهجمات إسرائيل ضد لقمة عيشهم.
ويقول نزار الوحيدي، مدير عام الإرشاد والتنمية في وزارة الزراعة لـ «القدس العربي»، إن حجم الأراضي التي ابتلعتها «المنطقة العازلة» تقدر بـ 25 ألف دونم، وإنها تشكل ما بين 25٪ إلى 30٪ من حجم الأراضي الزراعية في قطاع غزة. وأشار إلى أن حجم الخسائر الاقتصادية التي تكبدها المزارعون، بسبب سياسات الاحتلال، على مدار سنوات الحصار، تقدر بنصف مليار دولار أمريكي.
وتحدث الوحيدي عن عمليات منع زراعة الاحتلال للأشجار في تلك المناطق، وتدميرها في أوقات سابقة إلى جانب الأشجار مزارع دواجن وأغنام وأبقار، مؤكدا أن الخطر لا يزال يتهدد سكان ومزارعي تلك المناطق التي يمتد طولها لأكثر من 52 كيلومترا، على الحدود الشرقية والشمالية للقطاع، بفعل سياسات الاحتلال الحربية.
وكانت وزارة الزراعة قد أعلنت أن خسائر القطاع الزراعي خلال الحرب الأخيرة على غزة صيف عام 2014 قد بلغت 550 مليون دولار توزعت على القطاعين الحيواني والنباتي.
وذكرت أن الاحتلال استهدف بشكل مباشر أكثر من نصف المساحات الزراعية في القطاع التي تقدر بـ 140 ألف دونم، في حين تضررت المساحات الأخرى، بشكل أو بآخر نتيجة عدم قدرة المزارعين للوصول لمحاصيلهم مما تسبب بجفافها.
وخلال الحرب أيضا دمرت إسرائيل أكثر من 70 بئر مياه، وجرفت حوالي 34،500 دونم زراعي، واستبقت هذه الخسائر بأخرى خلال الحربين الأولى والثانية، ولا يزال قطاع الزراعة يعاني من خسائر مالية كبيرة، جراء استمرار سياسة الحصار المحكم ضد غزة منذ عشر سنوات.

خوف من مقبل الأيام

يشار إلى أن الحصار الإسرائيلي والهجمات العسكرية أدت لتدهور الوضع الاقتصادي، وإلى ارتفاع نسب الفقر والبطالة بشكل كبير، حيث باتت غالبية سكان القطاع تعتمد على المساعدات الخارجية لتأمين لقمة العيش، في حين وصل مستوى البطالة إلى نحو 44٪.
وبالرغم من السكون الجميل في تلك المناطق القروية الهادئة، التي تسحر الزائر بأصوات الطيور على اختلاف أشكالها، إلا أن الحاجة فرحة، وهي سيدة مسنة يعمل أبناؤها كغيرهم في الزراعة، تخشى أن يبدل ذلك الهدوء، بتصعيد جديد، تعلو فيه أصوات القنابل على أصوات الطيور المغردة.
وتقول هذه السيدة وهي في منتصف الثمانينيات لـ «القدس العربي» وقد عايشت سابقا كل الحروب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين منذ بداية الصراع عام 1948، إن الحرب الأخيرة كانت الأعنف، وإنها لا تزال تخشى أن يعود التصعيد من جديد.

«المنطقة العازلة» من قطاع غزة محرومة من الشجر والبشر ضمن مخطط إسرائيلي لقضمها وتشريد سكانها

أشرف الهور

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left