«معركة دمشق»: مأزق النظام ومخاطر الاستيهام

صبحي حديدي

Mar 25, 2017

تبدو حال الكرّ والفرّ العسكرية، شرق وشمال العاصمة دمشق وفي محور جوبر ـ القابون وساحة العباسيين تحديداً؛ وكأنها تحديث جديد لخلاصة مشهد عسكري قديم نسبياً، حكم توازنات القوّة بين النظام السوري وفصائل المعارضة المسلحة منذ أواسط تموز (يوليو) 2012. آنذاك، للتذكير، كانت المواجهات العسكرية في إطار عمليات «بركان دمشق»، أو «زلزال سوريا»، قد أسفرت عن اشتباكات واسعة النطاق في أحياء الميدان وجوبر والقابون، ثمّ برزة والقدم وكفر سوسة والتضامن. وآنذاك، للتذكير أيضاً، جرى تفجير مقرّ «مكتب الأمن القومي» ومقتل عدد من كبار أركان النظام، أمثال آصف شوكت وهشام بختيار وحسن توركماني ومحمد الشعار وداود راجحة.
هي، كذلك، حال تراكمت عناصرها خلال عدد من المواجهات العسكرية اللاحقة، التي يمكن تصنيفها تحت مسمّى «معركة دمشق»، بصفة عامة؛ ولكن في هذا المحور ذاته، جوبر ـ القابون، بصفة محددة: مطلع شباط (فبراير) 2013؛ نيسان (أبريل) 2015، في محيط مخيم اليرموك؛ وأيلول (سبتمبر) 2015، في تل كردي وعدرا وحرستا؛ ضمن معارك أخرى. ولعلّ الجديد الأبرز، في الحال الراهنة، هو المشاركة ـ الأشدّ كثافة، من أيّ وقت مضى ـ لوحدات «حزب الله» اللبناني، وميليشيات «حركة النجباء» و»لواء أبو الفضل العباس» العراقية، في القتال إلى جانب النظام، وهذا مؤشر على مأزق النظام؛ وغياب «جيش الإسلام» عن المشاركة في القتال، وهذا مؤشر على مأزق الفصائل المسلحة.
الثابت، مع ذلك، أنّ هذه الجولات، حتى حين تبدو فارقة في معطيات عديدة، لا تنتهي إلى صناعة منعطفات كبرى في انقلاب الموازنات العسكرية بين النظام والمعارضة المسلحة؛ ولا تفرض، بالضرورة، تبدلاً متميزاً في أنساق «المزاج» الشعبي داخل العاصمة دمشق (في صفوف ما يُسمّى بـ»الأغلبية الصامتة»، خصوصا)، أو خارجها، هنا وهناك في الجغرافيا السورية المتقطعة؛ ثمّ على نطاق أقليمي، أو دولي. صحيح، في المقابل، أنها قد تضيف إلى طاولات المفاوضات، في استانة أو جنيف أو…، ورقة ضغط إضافية ما، لصالح المعارضة؛ إلا أنها لا تحمل جديداً ترجيحياً مؤثراً في الميزان القائم راهناً.
ومن جانب آخر، إذا جاز أن تُوْضَع جولات مثل هذه في سياق أعرض هو «معركة العاصمة» (وهذه تسمية معقدة ومركبة، ومجازية ربما، لا تقتصر البتة على الفعل العسكري وحده)؛ فإنّ من الحكمة، والواقعية أيضاً، أن لا تُهدَر آثارها في طراز من حمّى التلهف على تحميلها أكثر، بكثير غالباً، مما تحتمل من مغزى ومعنى. واضح لكلّ ذي بصيرة أنّ وصول المواجهات إلى أطراف ساحة العباسيين كفيل بممارسة أقصى الضغوط على النظام، في المستويات السياسية والعسكرية والمعنوية.
 وهذا ما حدث، بالفعل، في مواجهات صيف 2012، حين أبدى النظام علامات متزايدة على مزيج من الذعر والارتباك والتوحش، فأقام طوقاً أمنياً حول الأحياء، ونشر وحدات من الحرس الجمهوري، واستخدم المدفعية الثقيلة من ذرى جبل قاسيون، وتولت الحوامات مهامّ الاستطلاع والإسناد الجوي، وبعض عمليات القصف العشوائي أيضاً. كذلك كانت المواجهات قد امتدت من حيّ الميدان إلى مناطق واسعة من الأحياء المجاورة، في التضامن، والزاهرة، ونهر عيشة، والعسالي، والقدم، والحجر الأسود؛ بالإضافة إلى حيّ الشاغور، التاريخي بدوره، وحيّ ركن الدين العريق. الخطوة التالية كانت اضطرار النظام إلى سحب وحدات كبيرة، ولكن منتقاة بعناية بالغة، من القوّات الموالية التي كانت منتشرة في الجولان المحتلّ (وبينها اللواء 90، في المثال الأبرز)؛ واستقدامها إلى محيط العاصمة وريف دمشق، ووضعها تحت تصرّف أركان الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري.
ليس أقلّ وضوحاً، على الجانب الآخر، لدى فصائل المعارضة العسكرية، ولكن تلك السياسية أيضاً؛ أنّ التهليل المبكّر لانتصارات «نوعية»، أو الحديث عن «تحرير العاصمة»، يمكن أن يتكشف عن درجة قاتلة من خداع الذات، واستيهام الانتصار، وانقلاب الكرّ المؤقت إلى فرّ مستديم!

«معركة دمشق»: مأزق النظام ومخاطر الاستيهام

صبحي حديدي

- -

14 تعليقات

  1. محمد الشعار لم يقتل في عملية تفجير مقرّ «مكتب الأمن القومي». خاتمة المقال مهمة جداً جداَ.

  2. الباصات الخضر بنتظرهم واتمنا انا لايكون باصات ولكن قتل كل مرتزق

    • طبعاًً الشعب السوري سيقتل المرتزقة الذين باعوا الوطن لملالي قم

  3. ” وغياب «جيش الإسلام» عن المشاركة في القتال، وهذا مؤشر على مأزق الفصائل المسلحة. ” إهـ
    جيش الإسلام لن يقال النظام إلا إستولى على حكم دمشق !
    لذلك فهو ينتظر الفرصة السانحة بعد أن يضعف النظام وحلفائه بسبب ضربات المعارضة !!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  4. هل هي حرب افتعلها نظام بشار لإكمال او لمد مشروع التغيير الديموغرافي لدمشق..؟

  5. *كان الله في عون الشعب السوري الأبي
    تجمع عليه كل ذئاب وضباع العالم.
    حسبنا الله ونعم الوكيل.
    سلام

  6. من المؤكد عندما ينتقل الصراع المسلح الي عاصمة نظام ما ،فيستدل من ذلك ان الامور في اتجاة التأزم والتعقيد للنظام الحاكم ،وهذة بداية مشوار آخر من الصراع الداخلي….

  7. فصائل المعارضة العسكرية في جوبر و حولها يعيشون تحت الارض لان المنطقة دمرت بالكامل ولايوجد مدنيين لذلك النظام ومليشياته الطائفية متعددة الجنسية والحرس الثوري الايراني والقوات الفضائية الروسية عجزت عن اخضاعهم – الفصائل لايمتلكون سوى اسلحة خفيفة حتى التاو لايوجد لديهم وسلاحهم غنموه من اعدائهم اي انهم يأكلون ويلبسون ومسلحين بالكفاف ولكنهم استطاعو القيام بمبادرة هزت اركان هذا التحالف . عددهم لايتجاوز مئتي مقاتل من اهل المنطقة وذخيرتهم محدودة و رأس النظام للتخفيف عن نفسه وجنده وحلفائه يقول ان الهجوم اعدت له ثلاثة دول لذر الرماد اذ كيف يعقل ان شباب محاصر من خمس سنين قصفت منطقتهم بجميع انواع الاسلحة منها الكيمياوي ولايوجد بناء قائم فيها- طبعا معركتهم لن تحرر دمشق لان عددهم قليل جدا والنظام يستعيد المناطق عبر قصف جنوني وبغزارة نارية كبيرة تدفع المقاتلين للانسحاب للحفاظ على الارواح ولايدخلها عناصره الرديفة الا بعد التأكد من عدم وجود اي مقاتل حتى لو كان جريحا فبقاء قناص واحد من المعارضة كفيل باستدعاء القوات الفضائية الروسية والقاء عشرات البراميل قبل تقدمهم – عندما تتأمل المشهد تعلم ان هذا التحالف الداعم للظلم عبارة عن تحالف كرتوني و عناصره أعجاز نخل خاوية رغم امتلاكهم الامكانات — لله درهم من عصبة خرجوا !!

  8. الأخ أحمد سامي مناصرة أصاب الهدف. .يعني هل روسيا ستسمح بالاقتراب من دمشق العاصمة . فهي استعملت قوتها الفائقة للدفاع عن النظام في مناطق صحراوية فما بالك العاصمة .غير مفهوم أسباب الهجوم .هل هو صراع ما بين حلفاء المعارضة.؟؟

  9. سبق وذكرنا دخول تركيا إلى سوريا كش ملك نهائي انتهى بشار ،،
    المزيد من الانفاق تحت دمشق وزرع الألغام والعمليات الاستشهادية الموجه ونشر القناصين وفتح الجبهات في عدة محار وزحف التركي من الشمال في وقت واحد بمعنى حرب استنزاف مادي وبشري تكلفة باهظة لا يمكن بأي حال من الاحوال يتحملها أنصار بشار من السوريين …
    الحل الوحيد للخروج من هذا النفق المظلم هو الحل السياسي بامتياز والجلوس على طاولة مستديرة آن الأوان لأهلنا العلوين أن يعيدون حساباتهم ماذا بقى لهم في سوريا لو استمرت الحرب ستة سنين أخرى ؟!

    وجهة نظر

  10. الكل يتحدث عن الحرس الثوري الايراني والقوات الروسية ومقاتلي حزب الله وبعض الفصائل الاخرى الموالية للنظام السوري ويتناسون الجانب الاخر الامريكي والصهيوني والغربي وخدمهم في الاقليم الدي كان السبب في عسكرة الانتفاضة السورية واوصل الامور الى النفق المسدود فادا كان البعض يصب جام غضبه على النظام لتحالفه مع روسيا وايران وحزب الله وهدا من حقهم فلمادا لايكونوا عادلين ومنصفين ويفعلون الشيء نفسه مع ما يسمى المعارضة التي تتحالف مع اعدى اعداء العروبة والاسلام امريكا والعصابات الصهيونية والغرب وتنسق معهم بل منهم بل دهب بعيدا وطالب الكيان الصهيوني بالمساهمة العملية في اسقاط النظام مقابل التنازل على هضبة الجولان متناسيا ان الارض السورية جميعها ملك للشعب السوري ولا يحق لاحد التفريط فيها فمتى يعي العرب جميعا حكاما ومحكومين ان ما يجري في منطقتهم ليس في صالحهم البتة وانه سيمتد اللهيب اليهم دون استثناء ان عاجلا ام اجلا ان هم لم يستفيقوا من غفوتهم وسباتهم العميق الدي طال امده؟ فمادا استفاد العرب من عمليات القتل والتدمير والتخريب التي تطال اراضيهم؟ الم يراجعوا قصة الاسد والثيران الثلاثة؟ الم يقل الثور الاخير في وجبة الاسد انه اكل يوم اكل الثور الابيض؟

  11. السؤال الذي يطرحه كل مواطن سوري ، هو كيف وصلنا الى مانحين فيه؟؟وكيف تحول وطننا الى مقبره تدفن فيها اجسادهم احلامهم وذكرياتهم ،وعقائدهم ، قبل ان يمروا عبر انفاق القتل والعنف والإذلال والرزيله ، انه لمن سوء حظ السوريين ، ان يتربع على مقدرات هذا الوطن، العصبه الاقل وطنيه، والأكثر طائيفيه واقلوييه وبداءيه، جرثومة تفكيك النسيج الاجتماعي والوطني السوري والعربي، لكن في المقابل أليس لنا الحق ان نتساءل كيف سمحنا لان يطغي ويصادر ثورة السوريين ، عصابات سرطانية ، فرخها الاسلام السياسي ، ودعمتها قوى اقليميه معرفه ، تدوس الوطن والمواطن ، تتماها في ببداءيتها مع حفنة الاسد وولاية الفقيه ، ربما قاءل ، ان الاولويه هو اندحار نظام عصابة الاسد وكل مايمثله،وانه من الصعب انسانيا كبح زفرات قهرهم ، ولكن ذلك لا يجب ان يعفي التيارات الوطنيه وكل ماتمثله فكريا وشعبيا من النقد الجذري للمرحلة السابقة فكريا وتنظيميا وسياسيا ، ونقد تحالفاتها التي كانت احد الأسباب لما وصلنا اليه.

  12. حياك الله بلحرمة من المغرب والجميع — هل تذكر برنامج اوباما لتدريب الثوار المثير للجدل الذي كلف الملايين واصبح فضيحة بعدما تلاشى الخمسين متدربا بعد الانتهاء من تدريبهم لانهم وطنيين وبعد ذلك بحث الاميركان ووجدو من يبايعهم على السمع والطاعة في حزبي بي واي دي و بي كا كا القوميين المتعصبين – اما بشار فهو مازال يعرض خدماته ليلا نهار جهارا لاميركا وتلميحا لاسرائيل وفي البداية صرحوا ولمحوا ان امن اسرائيل من امن سوريا الاسد – في سوريا لمن لايعلم حكم صهيو-اسدي يتقن فن الكلام والخطابة ليدغدغ به مسامع الاحرار في المشرق والمغرب وحتى بداية الثورة لفترة اربعين سنة بعد احتلال الجولان تبقى شهادة عليه انه لم يحرك ساكنا لاسترجاعها رغم انه صاحب الشعار الطنان الرنان “ما اخذ بالقوة لايسترد الا بالقوة”- وبقي سؤال المليون لمن يجيب عن متى بدأ الاقتتال بين الثوار !؟؟؟

  13. هناك قاعدة كونية تاريخية التعصب يولد التطرف لذلك الحل الوحيد للخروج من هذا النفق المظلم ليس نسبة 99.99 % أو نصب التماثيل في ساحات دمشق وحلب ..
    الحل ببساطة انتقال سياسي مرحلي ثم انتخابات شفافة لرءاسة الجمهورية على غرار ما هو موجود بالتركيا

    وجهة نظر

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left