الشاب حسني: دعوة إلى حب الحياة في زمن الحرب الأهلية

Apr 01, 2017

تونس – ضياء بوسالمي: «طَالْ غْيَابِكْ يَا غَزَالْ»…لا أستطيع أن أتمالك نفسي وأنا أستمع إلى هذه الأغنية. شعور غريب ينتابني وكأنّني أعرف هذا الرّجل منذ سنوات طويلة رغم أنّ رصاص الغدر انتزعه من الحياة وأنا لم أتجاوز سنتين من العمر.
الشّاب حسني (1968-1994) انطلق من وهران ليصل إلى العالميّة في وقت قياسيّ وذلك بأكثر من 900 أغنية ستظلّ خالدة في الذاكرة.
لكن الأمر يتجاوز غزارة الإنتاج والشّهرة فحسني بن شقرون، ذلك الإنسان الجميل، بثّ في قلوب المحبّين والعشاق دفئا كانوا في أمسّ الحاجة إليه في تلك الفترة من القاتمة من تاريخ الجزائر. معه تحوّل الراب إلى كتلة من الحبّ والحزن والكلمات الخالدة، ترانيم يرتّلها «مريدوه» في محراب آلهة الحبّ استمالة للقلوب أو حسرة على حبيب ذهب دون رجعة.
لعلّ أبرز ما ميّز حسني هو تموقعه كخيار ثالث بالنّسبة لليائسين، ففي ظلّ حرب أهليّة أتت على الأخضر واليابس بتدميرها لكل جميل وطمسها لكلّ معالم الحياة، خرج هذا الشاب من وسط الرّكام وأنهار الدّماء كنبيّ مهابٍ داعيا الجميع إلى حبّ الحياة والإقبال على تفاصيلها والتمعّن في جمالها بعيدا عن مكر وحسابات السّياسيين وحقد وهلوسات المتديّنين. وحسب الصحافي الجزائري صلاح باديس «خلال التّسعينيات في الجزائر، لم تكن هناك خيارات كثيرة. فإما أن تصطفّ مع الدولة ضدّ الإرهاب أو تحمل السّلاح ضدّها وتنضمّ إلى الجماعات الإسلاميّة أو تعتزل كلّ هذا وأنت تستمع إلى حسني يغني «مَازَالْ كَايِنْ لِيسِبْوَارْ» «
لقد تحوّلت أغاني حسني إلى ملاذ لشباب التّسعينيات التائه وسط خراب الحرب الأهليّة. فقد فتحت كلماته عوالم لطالما ظلت عصيّة وأبوابها موصدة إذ يتصالح المستمع مع ذاته ويعيد تهيئة أرضية ملائمة لإعادة اكتشاف الأحاسيس والعواطف الجيّاشة التي كادت أن تنطفئ لولا ألحان الشاب حسني.
لكلّ نبيّ معجزات، ومعجزة حسني هي تلك القدرة العجيبة على انتشال معجبيه من كوابيسهم وتخليصهم من الجوّ الخانق الذي ساد في تلك الفترة عبر إعطائهم فسحة أمل وجرعة من الأكسجين. ففي إحدى حفلاته يظهر حسني بطاقة خرافيّة نقلها إلى الجمهور الذي كان في حالة من الانتشاء التي يصعب أن تتكرّر مع أيّ فنّان آخر. المتمعّن في ذلك بأجوائه وتفاصيله يفهم أنّ «الطّاقة هي سعادة دائمة» كما كتب الشاعر البريطانيّ «وِيلْيَامْ بْلاَيِكْ». وحسني كان يمتلك طاقة لا تنضب حوّلها حبّا أشاعه وبثه عبر أغانيه.
لئن كان اغتيال الشّاب حسني قد تمّ في ظروف غامضة، فأيا كانت الجهة التي سعت إلى إسكات ملاك الحبّ فقد أخطأت خطيئة ملأت ما بين السّماء والأرض ذلك أنّ فناء الجسد لا يعني انتهاء الأسطورة.
فحسني ظلّ في قلوب محبيه وقد عزز رحيله صورته وأضفى عليها هالة من القداسة. واغتياله دليل على أنه كان مصدر إزعاج للكثيرين سواء أعداء الحياة المتسلّحين بالتّحريم أو أعداء النّجاح الذين حجبهم حسني بإنتاجه الغزير والمكانة التي احتلها في قلوب المحبّين.

الشاب حسني: دعوة إلى حب الحياة في زمن الحرب الأهلية

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left