الموسيقار محمد فوزي ثلاث صدمات قاتلة أدت إلى وفاته في ربيع العمر

كمال القاضي

Apr 01, 2017

برغم مرور 51 عاماً على غيابه، حيث رحل عام 1965 إلا أنه لا يزال حاضراً في وجدان الجماهير المصرية والعربية. فقد مثل إنتاجه الفني ركيزة أساسية في رصيد الموسيقى والأغنية والأفلام السينمائية.
تعددت قدرات ومواهب محمد فوزي، فهو الملحن والمطرب والممثل الأكثر حضوراً وتجديداً وجرأة، لم تسمح ظروفه الاجتماعية أن يكمل دراسته الأكاديمية في معهد فؤاد الأول للموسيقى، إذ ترك الدراسة بعد عامين فقط من الالتحاق بالمعهد لشدة الحاجة إلى المال، إذ فرضت عليه الحياة في القاهرة نمطاً مختلفاً عن ذلك الذي تعود عليه في مدينة طنطا التي نزح منها طلبا للشهرة والمجد بعد أن تعلم مبادئ التلحين والعزف على العود على يد صديق والده رجل المطافئ محمد الخربتلي، أول من اكتشف موهبته واعتنى به وأهله ليكون ذلك الفنان الكبير الذي نعرفه.
كانت أزمة محمد فوزي الحقيقية تكمن في تميزه الشديد بين أشقائه الأربعة والعشرين، فهو الابن رقم 21 صاحب الحس المرهف والمائل بطبيعته إلى الفنون والموسيقى والغناء، ولأن وضع الأسرة الكبيرة لا يسمح بالرفاهية لذا كان عليه أن يسعى بمفرده ومجهوده الشخصي لإشباع رغبته وتحقيق طموحه.
لم يكن هناك من يشاطره الحلم غير شقيقته هدى سلطان التي تميزت بحلاوة الصوت نفسها وامتلكت الموهبة الغنائية ذاتها ولكنها لا تملك من أمرها شيئا، فهي فرد من أفراد الأسرة وقدرها أن تعيش بعيدة عن القاهرة وتفصلها مسافات طويلة عن العاصمة الكبرى ومدينة الحلم. لم يستسلم الفنان الواعد والشقيق الموهوب لوضعه فقد اتخذ قرار السفر بشجاعة ومضى وراء غايته يتتبع حلمه وينتظر فجرة الآتي ومجده المنتظر، وبالفعل انضم إلى فرقة بديعة مصابني المسرحية وتعرف هناك على ثلاثة من فرسان الموسيقى والتلحين والغناء، فريد الأطرش ومحمود الشريف ومحمد عبد المطلب. وحيث كان المطلوب والمتاح هو الإسكتشات الفنية لزوم العروض المسرحية الغنائية، اجتهد فوزي في التدريب على تلحينها مستعيناً بخبرات الثلاثة الكبار، الشريف وفريد وعبد المطلب، ولم يفن وقتاً طويلاً في إتقان التلحين واكتساب الخبرات المطلوبة.

تراث سيد درويش

بعد أن اطمئن الفنان الشاب إلى مستواه الفني تقدم مع زملائه لاجتياز اختبار الإذاعة المصرية لاعتماده مطرباً وملحنا، وكانت المفاجأة في نجاح محمد فوزي كملحن ورسب كمطرب فأفسد قرار اللجنة الإذاعية فرحته باعتماده كملحن، لاسيما أن اللجنة ذاتها أجازت صوت فريد الأطرش ومحمد عبد المطلب فأثر ذلك على حالته النفسية وكرس كل طاقته في العمل في الفرق المسرحية ليتغلب على أزمته، وبالفعل اتجه الفنان الشاب إلى إحياء تراث سيد درويش وتعاقدت معه الفرقة المصرية للموسيقى والتمثيل للعمل بديلاً عن المطرب إبراهيم حمودة الذي كان قد سافر فجأة دون إخطار الفرقة، وبدأ المطرب الجديد في إجراء بروفات أوبريت شهرزاد وفي يوم الافتتاح أخفق ولم يوفق فكانت هذه هي الصدمة الثانية بعد رفضه من الإذاعة كمطرب وأقرب التفسيرات لهذه الحالة الغريبة أن تأثره بقرار لجنة الاستماع بالإذاعة هو ما أدى إلى إحباطه وفشله أمام الجمهور ليلة افتتاح شهرزاد وتوقفه عن العمل لأكثر من ثلاث سنوات قبل أن تعيد إليه الفنانة فاطمة رشدي ثقته بنفسه وتطلبه للعمل في فرقتها عام 1944 وينجح بفضل تشجيعها نجاحا كبيرا ويعرف طريقه إلى السينما في دور صغير في فيلم «سيف الجلاد» بطولة يوسف وهبي.
ويخرج فوزي من أزمته وتسند إليه بطولة فيلم «أصحاب السعادة» لينطلق بعدها بكل ثبات في دنيا الأضواء ويؤسس شركته السينمائية «أفلام محمد فوزي» عام 1947 بما يعني أنه خلال ثلاث سنوات فقط من دخوله عالم السينما قد أنجز انجازه العظيم وتربع على العرش محرزاً تفوقاً ظاهراً وبيناً في الأفلام الاستعراضية والغنائية في فترتي الخمسينيات والستينيات، أي بعد قيام ثورة تموز/يوليو 52 التي أعلن تأييده لها بأغنية «بلدي أحببتك يا بلدي» وقدم ألواناً متعددة ومختلفة من الألحان منها الأغنية الدينية «إلهي ما أعدلك» و»يا تواب يا غفور» ، وأغاني الأطفال، «ماما زمانها جايه» و»ذهب الليل» و»طلع الفجر» وغيرها من نشاطات أخرى كشفت عن حسه الوطني مثل اشتراكه مع مديحه يسري وشادية وعماد حمدي وتحية كاريوكا وهدى سلطان وفريد شوقي في قطار الرحمة الذي أمرت الثورة بإطلاقه لمواساة المرضى في محافظات مصر الفقيرة لتقديم الرعاية الطبية اللازمة لهم.
في عام 1958 أسس محمد فوزي شركة الاسطوانات لمنافسة الشركات الأجنبية في مصر، وبالفعل أحدث طفرة في سوق الاسطوانات وعزز المنتج المصري، وفي هذه الأثناء كانت أغانية تذاع في الإذاعة صباحاً ومساء إذ أعيد اكتشافه كمطرب كبير صاحب حنجرة متميزة وتعاقدت معه الإذاعة وفرض نفسه بقوة الموهبة ولا يزال عائشاً في وجدان كل مصري وكل عربي، بينما من رفضوه لم يذكر التاريخ منهم أحداً.
بعد النجاح المذهل للمطرب والملحن والممثل محمد فوزي تلقى الصدمة الثالثة بتأميم شركة الاسطوانات المملوكة له وصدر قرار بتعيينه مديراً لها بمرتب مئة جنيه في الشهر فكانت الضربة القاضية التي أصيب على أثرها بالمرض العضال الذي احتار الأطباء في تشخيصه وأودى بحياته في نهاية المطاف وتوفي في عام 1966 تاركاً رصيداً غنياً من أجمل الأغنيات والألحان والأفلام. عاش فوزي عمراً قصيراً وحياة فنية أطول.

الموسيقار محمد فوزي ثلاث صدمات قاتلة أدت إلى وفاته في ربيع العمر

كمال القاضي

- -

7 تعليقات

  1. وكانت مصر أم العالم العربي آنذاك بدون منازع بفنها وفنانيها العظام , أسماؤهم تكاد لا تعد ولاتحصى. كان الفنان العربي كي يكسب لقبه الفني الحقيقي كان عليه واجبا الحج لعاصمة الفن العربي القـــــاهرة. كان لمحمد فوزي لونه الخاص, لمن يعشق سماع الأغاني الطربية المحركة للوجدان كان يفضل الإستماع يستمع لفنانين آخرين , لكن مع ذلك لمحمد فوزي أغاني جذابة جميلة , كأغنية ” اللي هواك هواك ” ذات الإيقاع الخفيف الجميل بالنسبة لذاك العصر, وأغاني أخرى ” رزينة ” ك ” عقبال عندكم ياحبايب ” أو ” ابتسم للدنيا ” بدأها بموال طويل جميل, كذا أغنيته مع ليلى مراد ” شحات الغرام ” وبعض الأغاني الأخرى مع شادية, برأيي ليست بالكثيرة لمن يحب السماع للأغاني الطربية سواء كانت أذناه قد تربيتا وتعودتا على أنغام عبد الوهاب, كارم محمود , عبد المطلب , عبد العزيز محمود وغيرهم أو حتى على أنغام فريد الحزينة. أما أغلبية أغاني محمد فوزي فلها شكل وطابع خاص, بدون شك لها محبيها.

  2. في البدء علي ان أشكر كاتب المقال السيد كمال القاضي
    -
    على هذه الرحلة الفنية في حياة الموسيقار محمد فوزي
    -
    اشتهر هذا الفنان بكونه اول من أسس لأغنية الطفل
    -
    وظل الى اليوم سيدها بلا منازع كما انه لحن كلمات النشيد
    -
    الوطني الجزائري للشاعر مفدي زكريا
    -
    تحياتي

  3. ماما زمانها جايه – ذهب الليل طلع الفج والعصفور صوصو
    أحلى أغاني للطفولة كانت
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  4. من أروع ما لحن هذا الموسيقار العبقري محمد فوزي تلحينه للنشيد الوطني الجزائري
    ” قسماً بالنازلات الماحقات … والدماء الزاكيات الطاهرات ” للشاعر الجزائري العبقري مفدي زكرياء ،
    هذا التلحين الذي دأبت مدارس التربية والتعليم في الجزائر بأطوارها الثلاث على ترديده صباح كل يوم دراسي ،
    والذي لازال يهز وجدان الجزائريين عند سماعه ،
    فتحية عرفان ومحبة وشكر للأشقاء .

    • ” والذي لازال يهز وجدان الجزائريين عند سماعه ، ” إهـ
      ليس فقط الجزائريين يا عزيزي السعيد بن أحمد حفظكم الله
      ولا حول ولا قوة الا بالله

  5. كان التأميم كارثة كبيرة على مصر وسوريا أعادها وأعاد إقتصادها عشرات السنين إلى الوراء. من المؤسف أن قرارات التأميم لم تتخذ من قبل متخصصين إقتصاديين وإنما من قبل سياسيين أميين في الاقتصاد، فلا هم طبقوا نظام إشتراكي حقيقي في البلاد، ودمروا الاقتصاد الحر الذي لو أنهم وضعوا الضوابط القانونية له لكان أن نقل مصر وسوريا إلى مصافي الدول المتقدمة مثل الصين وكوريا الجنوبية وغيرها.

  6. في أول سطر في المقال توفي سنة 1965، وفي السطر قبل الأخير توفي سنة 1966، لا نفهم. هل كتابة مقال صغير كهذا تستغرق سنة كاملة؟ أم ان المطرب ظل طريح النزع الاخير سنة كاملة؟؟

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left