أهمية تفكيك الفعل في ضوء بيئته وسياقاته التاريخية: الثقافة: التأويل والتأويل المضاد

رامي أبو شهاب

Apr 01, 2017

لقد أضحى تعبير الثقافة شائعاً تبعاً لوعي الإنسان بتكوينه الفردي، أو الجمعي بمعنى وجوده في وسط غابة من الممارسات اللغوية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي لم تعد فعلاً من أفعال الأنشطة الإنسانية الخاضعة للرغبة في إنتاج الحياة، وممارستها بعفوية وتلقائية، إنما تكمن خصوصيتها كونها تأتي في نموذج من التأويل الذي بدأ فيه الإنسان يقتلع أو يتخلص من علاماته الإنسانية كي يتحول إلى نموذج أقرب إلى علامة لغوية، لا تستجيب لمواصفات وجوده الحقيقي، أو كما يصفه أحد الدارسين، حيوان عالق بالرمزيات، أي لمواصفات تموضعه في السياقات التي ينشأ فيها ثقافياً.
وهكذا تحول الإنسان إلى صور، وتعبيرات، ومجازات، وخلف كل ما سبق ثمة مخزون تاريخي هائل، كما سياقي معاصر، إذ يجب على الإنسان الفرد – الأمة أن يتحمل تبعات هذا التشكيل الرمزي، بوصفه منتمياً إليه، ومنفصلاً عنه في الوقت عينه، ومعنى الانتماء هنا ليس فعلا إراديا، إنما هو محض صدفة لا تخضع لأي اعتبارات أو اشتراطات، ونتيجة لهذا بدأ يعي الإنسان أهمية أن ينتج خطاباً بهدف إعادة تموضعه، في عالم بات يقصيه ويقولبه تبعاً لوجوده القسري في زمان ومكان، أو نظراً لانتمائه العرقي والديني، إذ بات عليه أن يدفع ضريبة ممارسات الآخرين، وبوجه خاص هؤلاء الذين يتشاركون معه الصدفة عينها، ونعني من امتلكوا دما أو جغرافيا أو انتماء ما، يشاركوننا إياه، أو نشاركهم إياه، ولكنهم يحملون تأويلاً وفعلا مختلفاً.
هذا العالم المتسع على المواجهة ضمن ما بات يعرف بالتفكيك والنقض، هو مجال التأويل الثقافي الذي أضحى سمة مزعجة لقيمة الحياة، ما يستدعي مفهوم الثقافة حسب توصيفات كليفورد غيرتز، الذي ينفي السمة الثابتة والقارة بخصوص مفهوم الثقافة، ويحيلها إلى عملية تتسم ببعد تأويلي، فهي نسق عابر، يحتفي بمدى سيمولوجي واسع الطيف، كما أنه يخضع لعملية فكفكة الإشارات، وإعادة بنائها من جديد، وهكذا نطالع في قراءة آلية تحليل الحدث الذي يطفو على شاشات التلفزة، ومواقع التواصل الاجتماعي بوصفه حلقة من حلقات التحول الثقافي، الذي يعيد صوغ الذوات في أنماط واستعارات جديدة، وفي هذا الصدد تقرأ القرارات الصادرة من أقوى دولة في العالم برئيسها الجديد، الذي أصدر قرارات تحيل إلى أفعال من التكوين الجديد الناهض على نشر ثقافة «الوسم»، أي تلك العلامات التي يعاد تشغيلها لتتحول إلى سمات ملازمة، ولكن هذا لا يتحقق من خلال أفعال أو أنساق من الكتابات المحدودة التأثير، كأن تكون تمثيلات في رواية، أو قصة، وربما قصيدة، أو فيلم سينمائي، إنما هي ممارسة تتخذ سمة الإشهار، أي من حيث ارتفاع الصوت والانتشار والتمكين، وبهذا فإنها تفعل فعلاً من التثبيت إلى حد أنها تتحول إلى شيء مزعج، وغير قابل للاندثار، أو التلاشي، ولاسيما أنها تعيد وعي الذات في عبارات تبدو أقرب إلى الجنون.
وإذا كان دونالد ترامب قد بدأ ممارسته الثقافية في وسم شعوب بعينها عبر استبعادها من أن تطأ الأراضي الأمريكية، فإن هذا يعني أن هنالك ثقافة تمارس أنماطاً من الإقصاء العلني غير المستتر، ولكن هذا لا يكتمل من غير وسم «التهديد»، وبهذا، فإن شعوباً بأكملها أصبحت تخضع لعقاب جماعي، تأويل يشير إلى أن هذه الفئة تنتمي إلى زمرة معينة، فهم الأشرار، وكأننا هنا نستعيد حلقة من حلقات الخطاب الأمريكي بلغته التي قامت على تمثيل الهنود الحمر بوصفهم عصابات من الأشرار الذين ينبغي أن ينتهوا، ويختفوا من أحلام المستوطنين البيض، في حين أن النموذج الجديد قد استبدل بالعرب والمسلمين الهنود الحمر، وباتت الأرض خارج التصفية، فقد تحول الأمر إلى نموذج لإقصاء بعض الجنسيات والهويات من معانقة الأجواء، أو التنعم بوجودهم بحرية على متن طائرة، على اعتبار أنهم كائنات إنسانية تمتلك شيئا من الحقوق، لقد فقدوا الحق لا على الأرض فحسب، إنما بات يطال الفعل السماء، فأنت محاصر في الجو، ومراقب وموسوم، كما أنك ممنوع من أن تمارس فعلاً بشرياً يتمثل باستعمال هاتفك أو جهازك المحمول، لقد شُرع هذا الفعل من خلال الوسم بصفات لا تنتمي في مجملها إلى ثقافتهم الحقيقية، فالتهديد يكمن في المسلك، وهكذا تتقدم العلمية لتأخذ طابعاً استفزازيا حين انتشر تعميم قرار بحظر حمل الأجهزة الإلكترونية على متن طائرات تابعة لشركات طيران بعض الدول، بمن في ذلك رعاياها والمسافرون على خطوطها، وهذا ما يعني أنك بت ملاحقا بتهمة النفي والإقصاء، والوسم إلى حدود أنك تشعر بأنك كائن غير منتم إلى عالم يمكن أن يمتلك شيئاً من التحضر ولاسيما حين تستعاد الممارسات الكولونيالية القديمة، ولكن بشكل سافر وعلني وفج أيضاً، وبهذا فإن العالم الجديد الذي بشرت اتجاهات ما بعد الحداثة بتلاشي حدوده، كما نفي الواقع الخصوصي إلى واقع متشابك كوني، بات الأمر برمته سخفاً خالصاً، ما يعني أن الثقافات عادت لتتمترس خلف قيمها القومية الضيقة، بل إنها بدأت بأفعال طلاق للخروج من المنظومات التي شكلت لعقود حواضن مشاركة، كما تفعل بريطانيا التي لا تسعى للنأي بنفسها عن الاتحاد الأوروبي بوصفه منظومة اقتصادية وسياسية وحسب، إنما هي تسعى للنأي بنفسها عن المنظومة القيمية التي قام عليها الاتحاد الأوروبي، هذه المنظومة هي عينها التي طالما وقفت عائقاً في وجه تركيا للانضمام كون الثانية لم تلتزم بمعايير الغرب في ما يتعلق بقيم الديمقراطية والحرية، وغيرها، ومما يلاحظ بأن المنظومة الأوروبية تشهد تفسيرات مختلفة لمعاني القيم التي قام عليها في ظل أفكار طارئة من قبل اليمين المتطرف كما في فرنسا وهولندا، وغيرهما.
لا ريب أن ثمة وضعاً مفصلياً بين تقدير القيم الغربية، والولاء لتاريخ تنويري عميق، وبين الانفلات والتحرر من هذه القيم نحو المزيد من الانغلاق خوفا من تبديد الخصوصية الثقافية والعرقية، والحصص الاقتصادية، وهذا ما يشي بمسالك بعض الدول النامية التي تعلي من خصائص التمايز العرقي، والخوف من الآخر، ومع أن هذه المخاوف تبدو مبررة في ظل ما يشهده العالم من أفعال إرهابية، غير أن تحليل الفعل ينبغي أن يقرأ في سياقاته الموضوعية، ونتيجة لهذا يتخذ التأويل الثقافي قيمة مضاعفة، كونه يمكن أن يسهم في تبديد المخاوف التي بدأت تنتشر في أصقاع العالم، وبوجه خاص من الآخر الذي بدأ يشمل أقرب الناس إلينا، وإن كانت بعض المخاوف معقولة غير أنها ليست سوى نتاج فعل تأويلي بدأه الغرب الذي لطالما ساند منظومات أسهمت في بعث هذا الكم الهائل من الكراهية، فضلاً عن الإسهام في إنتاج الشعوب الهائمة والهاربة من نيران الحرب والجوع والفساد المستشري في العوالم النامية التي خضعت لعقود طويلة لإدارة استعمارية بأقنعة وطنية، لم تنتج سوى كيانات شبحية هزيلة، بل إنها كانت هشة كونها لم تتعرض لتطور طبيعي، فالاستعمار كما يرى بيل أشكروفت أعاق التطور الطبيعي للدول المستعمرة؛ ولهذا نشأت، وهي تحمل بذور فنائها، وفسادها، وهذا أدى إلى أن تسعى الشعوب إلى ردود فعل، بعضها تمثل بنسق التدمير الذاتي لمفهوم الكيان السياسي، في حين أن الآخر بدأ يبحث عن صورته في ديمقراطية الغرب، وعدالته المجتمعية، كما حريته، ولكن عوائق التأويل الديني أفرزت تأويلا مضادا ما أنتج مواجهة تبدو معقدة إلى أقصى الحدود، ما يعيدنا مرة أخرى إلى أهمية تفكيك الفعل الثقافي في ضوء بيئته وسياقاته التاريخية التي أنتجت هذا الواقع، فالخطأ التاريخي الذي تمثل بدعم وطن قومي لليهود، وإنشائه على أرض فلسطين لا يمكن إلا أن يبقى في حدود التأويل غير القابل للإنجاز، كونه يحيل إلى اعوجاج تاريخي لا يمكن أن يستقيم إلا بالعدالة، وإعادة الحق إلى أصحابه، ومن هنا يمكن فقط أن يتحقق التصحيح التلقائي، ولكن عبر تأويل ثقافي موضوعي، من منطلق أن النتائج هي نهايات أو مآلات منطقية لأسباب واضحة.

أهمية تفكيك الفعل في ضوء بيئته وسياقاته التاريخية: الثقافة: التأويل والتأويل المضاد

رامي أبو شهاب

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left