دمشق ـ الحسكة ـ «القدس العربي»: أدى تجاهل مجزرة الغوطتين الغربية والشرقية في صيف 2013، والقفز فوق التحقيق، وتمييع مهمة اللجنة التي شكلها مجلس الأمن في آب/أغسطس من العام نفسه لتحديد المسؤول عن ارتكاب الجريمة في قتل مئات المدنيين والأطفال بغاز السارين، إلى استباحة بشار الأسد لدماء السوريين دون أن يحسب حساباً لرادع او محاكمة، وفي الطرف النقيض كانت الارتدادات وحالة اليأس قد تملكت السوريين داخل حدود البلاد الجغرافية وفي بلاد الشتات، فغالبيتهم اليوم، بات يجزم بأن تضاعف الجرائم واستخدام الكيميائي مجدداً في خان شيخون، كان بمباركة المجتمع الدولي، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وروسيا.
المحلل العسكري محمد خير العطار قال في تصريح لـ «القدس العربي»، «عندما امتنعت بعثة الأمم المتحدة، المعنية بالتحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، عن تحديد الجهة التي قامت بالجريمة، برغم إصدارها تقريراً مفصلاً عن الهجمة، والتي وقعت أثناء وجود الفريق ذاته في دمشق، وأكد التقرير حينها وقوع الهجوم بغاز السارين، بدون أي ادانة لبشار الأسد، ثم بعد ذلك وبتوجيه من روسيا والولايات المتحدة تم الاكتفاء بقرار مجلس الأمن الذي يقضي بإزالة أسلحة النظام الكيميائية كبديل عن التحقيق معه، ودون معاقبته كونه الجهة التي نفّذت الهجمات، عزز لدى بشار الأسد إمكانية الإفلات من العقاب، بالرغم من أن جريمته في قتل الأبرياء بالغازات السامة، هي جريمة ضد الإنسانية، ولا تسقط بالتقادم أو الاتفاقات السياسية».
وأضاف المتحدث العسكري «الائتلاف بأعضائه المنشغلين بأمورهم الشخصية، مهمش دولياً وغير فعال، وفصائل الجيش الحر غير قادرة على التوحد وغير مستعدة على تمثيل الشعب السوري ككتلة سياسية، فأين دور الأحزاب السياسية التي تشكلت من صلب الثورة، أفرادها سوريون مثقفون على الغالب، مهتمون بالشأن العام، يجب ان يكون لهم رأي واضح، لماذا لا تعلن هذه الأحزاب بكونها الخيار الأمثل في الوقت الراهن، وممثلة للشعب، بياناً مشتركاً تعبر من خلاله عن تطلعات الشعب السوري وترفض اعتبار غيرها ممثلاً له، وتكشف للعالم الجرائم التي يرتكبها الأسد بحق الأهالي والمدنيين».
بشار الأسد رئيس النظام السوري، بات حسب المحلل العسكري، «رئيس عصابة يمتلك امكانيات دولة، وربيب مجتمع دولي متعام عن جرائمه، كي يستخدمه كمخلب ينفذ من خلاله أجندات قذرة، وإلا لما سكت الرؤساء وملوك العرب والعالم عن مجزرة خان شيخون الكيميائية، ليخرج النظام السوري متشدقاً، وينفي علاقته بها نفياً قاطعاً».
أما الدكتور إياد الصطيف من أبناء الغوطة الشرقية، وهو أحد الشاهدين على كل من مجزرة الكيميائي في ريف دمشق قبل حوالي ثلاث سنوات ونيف، ومجزرة خان شيخون، قال في تصريح لـ «القدس العربي»، «القصف على ريف أدلب بالكيميائي مشابه تمام لقصف الغوطة الشرقية والغربية من حيث النقاط التالية، توقيت القصف عند ساعات الفجر الأولى، عندما يكون الهواء ساكناً، ومستوى الرطوبة منخفض، والناس نيام، وطرق المواصلات قليلة، فعندها تتعرض الكوادر الطبية والمدنية لإرباك شديد لا تستطيع التعامل معه بمهنية، وبالتالي عدد الضحايا كبير، إضافة إلى نوع الغاز السـام المستـخدم وهـو غاز السـارين».
وذهب الطبيب وشاهد العيان إلى ان «تركيز المادة السامة في بلدت ريف دمشق كان أشد، حيث استخدم النظام السوري حينها أربعة صواريخ على عين ترما وزملكا وعربين، فيما كان مجموع الصواريخ المستخدمة وقتها 18 صاروخًا أطلقت من البحوث العلمية، ومنطقة بانوراما حرب تشرين، وهو متحف عسكري في مدينة دمشق تسيطر عليه قوات النظام، ومن مطار المزه العسكري، فأصابت زملكا، وعين ترما، ودوما، ومعضمية الشام، توفي قرابة 1500 من المصابين الذين بلغ عددهم 9900 مصاب تم توثيقهم بإصابات متنوعة، وبلغت نسبة الأطفال والنساء 67 في المئة من المتوفين، أما في ريف ادلب اليوم فقد قتل حوالي 170 شخصاً، فيما زادت الاصابات عن 1000، وتم قصفهم بالطائرات، مؤكداً أن العامل المشترك في الجريمتين والهجومين بالكيميائي، هو أن الأطفال الأكثر تضرراً، وعدد الشهداء منهم هو الأكبر»، حسب تقديراته.
وأكد العقيد خالد الأسعد لـ «القدس العربي»، «أن هدف مجزرة خان شيخون هو ارسال رسالة واضحة للفصائل العسكرية للمعارضة السورية المسلحة من قبل النظام السوري والروسي بعدم تجاوز الخطوط الحمراء التي تجاوزتها خلال الفترة الماضية بفتح جبهات عدة ضد قوات الأسد التي تكبدت خسائر كبيرة».
وحسب رأيه «فإن استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي من أجل ارتكاب مجزرة مروعة بحق الأطفال والنساء دليلاً على حصوله على الضوء الأخضر من قبل التحالف الدولي الذي لديه جميع المعلومات حول حركة الملاحة للطيران الحربي الذي يحلق في سماء الأراضي السورية».
ويوافق عضو الهيئة السياسية للائتلاف الوطني السوري محمد يحيى مكتبي رؤية الأسعد حيث أكد أن «نظام الأسد يلجأ إلى هذا الأسلوب القذر بعدما ما تعرضت قواته إلى خسائر فادحة كما حصل في المعارك الأخيرة ما بين درعا وأرياف دمشق وحماة، مما يدل على ضعف نظام الأسد، ما أدى إلى استخدامه للسلاح الكيميائي بعد تهالك وضعف قواته بشكل واضح».
وأضاف لـ «القدس العربي»، «أن بداية الحراك الثوري في سوريا كان شعار شبيحة النظام ، «الأسد أو نحرق البلد»، لكن يبدو اليوم من خلال التصريحات الأخيرة يريد النظام القول: الأسد وسنحرق البلد والشعب، ما يعني أن هذه الجرائم المروعة هدفها الأساسي إخضاع الشعب السوري والعودة إلى ما يسميه حضن الوطن وهذا لن يكون بكل الأحوال».
وأشار مكتبي إلى أن استهداف خان شيخون «كان مقصوداً بهدف ضرب الحاضنة الشعبية للفصائل العسكرية، خاصة أن نقطة الاستهداف كانت منطقة مكتظة بالأهالي النازحين من ريف حماة الشمالي الذين هربوا من البراميل المتفجرة».
أما المحلل والباحث في الشؤون السياسية أحمد غنام فيرى ان أي عمل عسكري كبير بتوقيت زمني يمثل رسالة ذات أبعاد متعددة، فمجزرة خان شيخون جاءت بعد تفجير محطة المترو في بطرسبورغ ، وتزامنت مع انعقاد مؤتمر دولي يحدد ملامح الدعم الدولي لمستقبل سوريا برعاية الاتحاد الأوروبي، وانتهاء الجولة الخامسة من المفاوضات «الجنيفية» والتي حشرت النظام ضمن السلال الأربع وفي مقدمتها العملية الانتقالية التي طالما تهرب منها.
وأضاف: «أمريكا كانت قد أدلت بتصريحات متناقضة تخص مستقبل الأسد وأولويات إدارة ترامب في سورياوالتي حددتها بمحاربة الإرهاب الداعشي والقاعدة دون الخوض في مستقبل الرئيس الأسد، مع التأكيد على محاربة النفوذ الإيراني في سورياواليمن والمنطقة العربية بالعموم، كل هذه العوامل مجتمعة دفعت بالنظام لإرتكاب هذا العمل الإجرامي والذي يستهدف فهم طبيعة وعمق الموقف الأمريكي وردود الأفعال المتوقعة ومدى تطابقها وموقف إدارة أوباما السيئ الذكر، وأوضح غنام أن توافق الرؤية بين الجانب الروسي والأمريكي والغربي (التحالف) في مواجهة تلك القوى والعمل على تصفيتها، أدى إلى استغلال نظام الأسد مشاعر الكراهية التي يكنّها بوتين لتلك القوى خاصة بعد تفجير بطرسبورغ والذي شكل صفعة قوية لبوتين في الداخل الروسي، حيث تعمل المعارضة الروسية على استغلاله ومحاولة الضغط على القيصر المجرم من أجل إضعافه وإخراج القوات الروسية من سوريا».
ويعتقد غنام أن إحدى الرسائل التي أراد الأسد أن يوجهها للشعب الروسي، «أن محاربة الإرهاب في سوريا والتي يعتبرها بوتين بمثابة خط الدفاع الأول عن موسكو هو قرار بوتيني صائب ولا بد من دعم التواجد الروسي في سوريا لكي لا يطال روسيا تشظياته وإرتداداته المتوقعة التي خطت بدم وأرواح الأطفال والأبرياء من أبناء الشعب السوري، لافتاً إلى أن سكوت دول العالم المنعدم يمثل سقوطاً أخلاقياً وإنسانياً في غاية الوضاعة والخسة».
هبة محمد وعبد الرزاق النبهان