«الهجرة الذكيّة» في تونس: الشرق مستقبل العالم

Apr 08, 2017

حبيب الحاج سالم : في بداية عام 2011، وبعد أسابيع فقط من فرار الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، تدفق آلاف الشباب التونسيّين على سواحل جزيرة لامبيدوزا الإيطاليّة على ظهور قوارب صيد مهترئة. اكتظت الجزيرة، ذات العشرين كيلومترا مربعا، والتي تؤوي أقل من ستة آلاف ساكن، من المهاجرين التونسيّين الذين تجاوز عددهم خمسة عشر ألفا على مراحل. وتوزع مصيرهم لاحقاً بين التفرق في مختلف بلدان أوروبا الغربيّة والعودة الاختياريّة أو القسريّة إلى موطنهم.
لم تكن الهجرة غير القانونيّة ظاهرة في تونس قبل عقد التسعينيات، حيث كان السفر إلى أوروبا مسألة عاديّة لا تمثّل في الغالب حلما استثنائيّاً. إذ اعتاد عدد كبير من الشباب قبل تلك الفترة الذهاب إلى إيطاليا أو فرنسا للعمل صيفا في قطاع الفلاحة ثم العودة إلى تونس وقد حصّلوا ما يكفيهم من المال لتمويل دراستهم أو معيشتهم لأشهر. كما اعتادت كثير من الشابات الذهاب إلى أوروبا لاقتناء تجهيزات زواجهن من هناك.
برزت «الحرقة» – التسمية الشعبيّة للهجرة غير القانونيّة في المغرب العربيّ – مع تصاعد نسب البطالة واشتداد الأزمة الاقتصاديّة التي اقترنت مع إغلاق أوروبا حدودها في وجه أغلب التونسيّين، ما عدا قلّة تستجيب لشروطها. اليوم ومع تصاعد المد اليميني المحافظ في الغرب، من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبيّ، إلى انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة مرورا بتهديد فوز الجبهة الوطنيّة المتطرفة في فرنسا، لم تعد الوجهات التقليديّة راغبة في استقبال المهاجرين.
التفكير في وجهات بديلة، هو بالضبط ما دفع الشاب التونسي أنيس الفطناسي لإطلاق مشروع على الشبكات الاجتماعيّة يعنى بما يحب أن يُطلق عليه «الهجرة الذكيّة» أي الهجرة المؤسسة على فرص حقيقة للعمل والنجاح لا على أضغاث أحلام تتحطم غالبا عند الشواطئ الشماليّة للبحر المتوسط. فرغم أنّ عدد التونسيّين المقيمين خارج البلاد يتجاوز المليون ومئتي ألف شخص، يقيم أكثر من 80 في المئة منهم في أوروبا الغربيّة (خاصّة مثلث فرنسا – إيطاليا – ألمانيا)، ولا تتعدى نسبة المقيمين منهم في الدول الآسيويّة غير العربيّة 0.1 في المئة.
المشروع الذي يقول أنيس لـ «القدس العربي» أنّه بدأه بمبادرة شخصيّة يحمل اسما غريباً هو «هرّوس سنغور الهجرة». هرّوس هو الشخصيّة التي صممت لتكون أيقونة المشروع، وهو تجسيد للشاب التونسيّ (والشاب العربيّ بصفة أشمل) الباحث عن فرص أوفر في الخارج. نجد في صفحة المشروع على فيسبوك تعريفا للأيقونة يقول «هرّوس هو شاب تونسيّ يسافر بحثاً عن وجهات جديدة، ويحمل داخله روح تونسيّ ذكيّ، واسع الحيلة، ومنفتح. وهو لا يتوقف عن البحث على فرص أفضل، سواء للدراسة أو للعمل. ويشارك معنا من خلال رحلاته خبراته ولقاءاته مع تونسيّين آخرين أخذوا زمام المبادرة ودفعونا للتفكير في هذا الشكل من الهجرة الذكيّة».
حسب أنيس، الفكرة مستلهمة من تجربته الشخصيّة، فهو يعيش منذ حوالي عشر سنوات في آسيا، بدأها في الصين قبل أن ينتقل إلى الفيتنام. ويشرح أنّ توجهه شرقا لم يكن اعتباطيّاً، إذ تعرف البلدان الآسيويّة، التي لا تعتبر غالبا وجهات مفضّلة للهجرة، نسب نمو اقتصاديّ عالية ومستقبلاً واعدا.
يعتمد نشاط المشروع على منصات الإعلام الاجتماعيّ. حيث تنشر صفحاته معلومات عن فيزا البلدان الآسيوية وطرق البحث عن عمل فيها، وتنشر خرائط ومعطيات دقيقة عن أفضل الوجهات والأنشطة المتماشية معها. لكن المحتوى الأكثر أهميّة وشعبيّة هي المقابلات المسجّلة التي تسلط الضوء على شبان وشابات تونسيّين يعيشون قصص نجاح شرقيّة. وقد تطرق المشروع إلى الآن إلى تجارب مهاجرين في ماليزيا والصين وهونغ كونغ، ويقول أنيس أن التغطيات المقبلة ستشمل بلدانا آسيويّة أخرى وحتى بلدانا أوروبيّة لا تعتبر عادة وجهة جاذبة.
تقول خولة، المقيمة في بكين، في مقابلتها المصورة مع هرّوس إنّ «الصين تعرف نموا اقتصاديا كبيرا، يجب أن تنظر إلى الأمر على أنّه فرصة لك، يمكنك أن تكون همزة وصل بين الصين وبلدك. هنا يمكن أن تجد أن مصدر ثروة شخص ما هو منتج مثل دبوس شعر أسود صغير تضعه الفتيات!». عند سؤالها عن التحديات التي واجهتها بصفتها امرأة تجيب خولة «كان التحدي أكبر، كيف أنجح كامرأة؟ لكن تكافؤ الفرص في الصين لا يجعل هناك فرقا، للجميع فرصتهم هنا». وعن الأحكام المسبقة التي يحملها التونسيون عن الآسيويّين تقول «ينظر الناس لآسيا كما لو أنّها من عالم مختلف، يختصرونها في أكل الحشرات والعيون الضيّقة، هم بشر مثلنا نفهمهم ويفهموننا، لدينا ما نقدم لهم ولديهم ما يضيفون لنا ويمكن أن نبني معهم علاقات متوازنة».
يتقاسم ناصر، المقيم في شانغهاي، وجهة نظر خولة. حيث يرى أنّ الصين، على عكس أوروبا والوجهات التقليديّة، لها نمط عيش سريع يتماشى مع تطلعاته إذ «يكفي أن تضع نفسك في قطار شانغهاي وهو سيحملك لوحده، وها أنا ذا بعد عشر سنوات ما أزال مقيما هنا». بالنسبة لناصر لم يعد الأمر في الصين يتعلق باليد العاملة البخسة بقدر ما يتعلق بحركيّة البلاد التي تدفعك دفعا نحو التقدم، ما جعل الناس يهاجرون لها لا فقط من تونس بل وكذلك من أوروبا.
يشاهد عشرات الآلاف من التونسيّين هذه المقابلات ويتفاعلون مع منشورات المشروع. وتحمل التعليقات في مجملها اعجابا بالتجارب وأسئلة تبحث عن تفاصيل أوفر لسبل العيش والعمل هناك. ويبدو مشروع أنيس الفطناسي فرصة لجسر الهوّة بين تونس وبلدان شرق آسيا التي تحمل في أذهان أغلب العرب صورة غرائبيّة تختصرها في بعض الأفكار النمطيّة. حيث يساهم تقاسم التجارب والمعلومات في رسم صورة أدق وأكثر واقعيّة تعوّض النمطيات وتعزز التعاون من بوابة الهجرة الذكيّة.
لكن يبقى خيار «الهجرة شرقا» كما يطرحه المشروع مرتبطا حصرا بمن يحمل كفاءة علميّة عاليّة أو رأس مال يخوّل له الدخول في الأسواق التجاريّة. وهو، بذلك، يبقى مغلقا في وجه عامة الراغبين في الهجرة، أولئك الذين ارتموا (ويرتمون) على شواطئ إيطاليا هروبا من حاضر يرفضهم ومستقبل غامض في بلدهم. هرّوس وإن كان يبشّر بأفق جديد تغيب عنه العنصريّة والتمييز الغربيّين، وفرصا أكبر للاستثمار الاقـتصاديّ، يبقى وجها نـخبويّاً لا يقبل التـعميم.

 «الهجرة الذكيّة» في تونس: الشرق مستقبل العالم

- -

1 COMMENT

  1. ليست المشكلة التي تعاني منها تونس مقتصرة على ظاهرة “الحرقة” أي الهجرة السرية لليد العاملة الرخيصة.
    تونس تعاني اليوم نزيفا أخطر على مستقبلها التنموي والحضاري: إنه تزيف هجرة الأدمغة، وبخاصة خريجي الجامعات الجدد (مهندسين، وأطباء، وخبراء في مجالات متنوعة) الذين لا يجدون في بلدهم الأصلي ـــ إن ظفروا بمواطن شغل ـــ المكافآت المالية والاعتبارية المجزية، فيضطرون إلى الهجرة إلى بلاد الغرب حيث الدخل الأوفر وفرص الارتقاء المهني والعلمي الأكثر إغراء.
    الحاصل أننا نوفر للغرب، رغما عنا، أثمن ما ننتج: أي ذكاءَنا وفلذاتِ أكبادنا.
    وهو، في المقابل، يحصل على حاجاته في مجال الموارد البشرية الذكية والمختصة ـــ جاهزة ـــ بأبسط التكاليف؛ بعد أن صار عاجزا عن توفيرها لنفسه في ظل تهرمه الديموغرافي، ومشاكله المجتمعية والأخلاقية العديدة.
    إنه وجه آخر مأساوي لواقع التقسيم الدولي للعمل..

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left