محمد آغا: «كواشين» خطوة على طريق نشر الأغنية والعادات والتقاليد

تحي التراث الفلسطيني والأعراس المشهودة

زهرة مرعي

Apr 08, 2017

بيروت ـ «القدس العربي»: «كواشين» فرقة فنية عقدت العزم على إحياء التراث الغنائي والعرس الفلسطيني عبر حفلات ذات تذاكر تباع للعموم. أعلنت عن نفسها للمرة الأولى في مترو المدينة حيث حضر كثيرون للتواصل مع الذاكرة. قبل «كواشين» لم يسجل حضور فني تجاري لفرقة فلسطينية، بل اقتصر التلاقي مع ذاك التراث الجميل كمكمل للقاء سياسي أو مناسبة وطنية.
هي مبادرة تستحق الدعم والتشجيع. إحياء التراث الفلسطيني ومده بالحياة حيث وجد الشعب المشتت واللاجئ ضرورة كونها تشكل أحد دعائم نشر الثقافة الوطنية. ومن شأن تلك المبادرات حين تتسم بالجدية والمسؤولية المساهمة بالحفاظ على التراث. ومن مهمات العارفين والقادرين العمل على تدوين ودراسة وتحليل ونشر ذلك التراث. مع هجوم العولمة ووجود عدو يصادر حتى الهواء إن حمل نغمة تقول بأن الأرض لأهلها وليست لمحتلها، يصبح التحدي أكبر والمقاومة حتمية لمواجهة التهويد.
قرر الفنان الفلسطيني محمد آغا مع ثلاثة من زملائه خطوة البداية. عوامل عدة شجعته وكان حفل مترو المدينة الذي وجد الترحيب الكبير من الحضور، حتى وإن كان متواضعاً قياساً إلى إعلان عن «تقديم العرس الفلسطيني». فالحفل اقتصر على الغناء، ولم يترافق مع أي لوحات راقصة. محمد آغا المغني الرئيسي وعازف العود ومؤسس «كواشين» يشرح لـ«القدس العربي» معنى الاسم: هو جمع «كوشان» أي صك ملكية الأرض. كنت يافعاً حين اجتاح الصهاينة جزءاً كبيراً من أرض لبنان، وحينها كان من أهدافهم البحث بمعية عملائهم عن كل فلسطيني يملك «قصقوصة ورقة» تثبت حقه في أرض في فلسطين. بقوة السلاح تمكنوا من أخذ بعض الـ»كواشين» والمفاتيح. والبعض تمكن من اخفاء ما يملكه، ورفض الإغراءات المالية بالتنازل عن الحق في الأرض.
بالعودة إلى الفرقة الموسيقية التراثية يقول آغا: «كواشين» حديثة الولادة، هدفها تقديم التراث الغنائي، وإحياء الأعراس وفق المتعارف عليه في فلسطين. صحيح ليس في لبنان فرقة فلسطينية متفرغة كلياً لغناء التراث، إنما هدفنا أن يكبر المشروع، وأن يضم مزيداً من الفنانين الفلسطينيين. «كواشين» راهناً رباعية الأضلع وتتألف من: عازف الناي عاطف وهبة لبناني، عازف الإيقاع حسن زلفا فلسطيني لبناني، وعازف الكمان أكرم علي فلسطيني سوري وأنا. جميعنا يرغب في إحياء العرس الفلسطيني وفق أصوله التراثية في حفلات عامة وليس فقط على صعيد مؤسسات اجتماعية وسياسية فلسطينية. ومن حوافز تأسيس «كواشين» أن الكثير من الأجيال الجديدة التي ولدت وكبرت في الشتات تجهل العرس الفلسطيني. وجود فرقة متــفــرغة يساهم في نشر ذلك التراث دون شك.
ينتمي محمد آغا للجيل الجديد فهو من مواليد 1972 فكيف له الكشف عن ذلك التراث وأهله مشتتون؟ يقول: بحثت وجمعت بعضاً منه. كان لكبار السن دور كبير في تقديم مفاتيح بحث موثوقة. ووجدت أن اليوتيوب حافل بالكثير من الغناء التراثي الفلسطيني. الحفل الذي قدمناه في مترو المدينة ضمّ جزءاً يسيراً من تراثنا دون شك، فهو تراث غني وغزير للغاية. ولا يزال في جعبتنا الكثير من المفاجآت الجميلة. أظن أننا عندما نتمكن من تقديم العرس الفلسطيني وفق أصوله التي كانت مرعية في وطننا، عندها سيحظى بإعجاب الشباب بشكل خاص، فهم معنيون بمعرفة جذورهم والتواصل معها. لم يكن العرس الفلسطيني رقصا ودبكة فقط، بل كان حكاية مرتبطة بالأرض والعادات والتقاليد والنخوة والشهامة، خاصة عندما كان يصرُّ والد العروس على العريس لأن ينجز جمع محصول أرضه قبل أن يباشر في إحياء عرسه. فالعرس حينها يستمر لأيام.
يعلن محمد آغا أن بحثه في التراث الفلسطيني أسفر عن كثير من المفاجآت. يقول: هناك أغنيات سمعتها حديثاً وجدت خلال بحثي أنها تعود للتراث الفلسطيني. مع الاشــــارة إلى تواضع معلوماتي في التراث لأن عمــلي لزمن طويل كان على الأغنية الوطنية.
نلفت الفنان آغا إلى مسؤولية البحث في التراث. فيخرج نفسا مهموما من صدره ويقول: نعم هي مسؤولية كبيرة. الغلط ممنوع، وجلّ من لا يُخطئ. أملنا أن نسير في الطريق الصحيح وفق ما أفضت إليه أبحاث المتخصصين في التراث، وما تحفظه ذاكرة كبار السن وهم جميعاً ذخرنا. ونحن بصدد الإطلاع على كل مادة مصنفة بحثاً جدياً. الأمانة الحقيقية لهذا التراث لا تزال بيد كبار السن وهم الأصدق والأكثر ثقة. أنا من مواليد وسكان مخيم عين الحلوة وكبار السن من أهلنا صوبوا لي الكثير من المعلومات والجمل الواردة في الأغنيات وكذلك النغم الموسيقي. ولهم أدعو بطول العمر.
بالعودة للحفل الأول في بيروت فإن فرقة «كواشين» أثارت حنين الجمهور للوطن الممنوع عليهم، لكنهم في نهايته طلبوا الأغنيات الوطنية والحماسية لتحقيق التوازن بين العاطفة والقوة. و«كواشين» بأعضائها الأربعة رهن بمزاج الحضور الذي غلب عليه الطابع العائلي.
يعرف محمد آغا تواضع امكانات فرقة «كواشين» في احياء العرس الفلسطيني بما له من غنى من حيث اللوحات الفنية. نسأله متى التقدم خطوة بعد خطوة نحو العرس الحقيقي؟ هذا ضروري يقول آغا. نعرف تواضع امكاناتنا وفي المستقبل سنكون مع فرقة أكبر. نأمل أن تكون فرقة الدبكة ذات حضور مؤثر معنا. ومن بعدها استعراض المهباج، وغيرها من المقتنيات التي كانت أساسية في احياء العرس الفلسطيني. نأمل نحن الأربعة الذين شكلنا الانطلاقة أن ينضم إلينا آخرون، وأن نستمر على الطريق الصحيح.

المرأة والرجل عماد التراث
والعرس الفلسطيني

وماذا عن وجود المرأة وهي التي كانت في فلسطين التاريخية تمسك «ع الدبكة» جنباً إلى جنب مع الرجل؟ بحماس يقول آغا: أكيد أكيد ستكون موجودة في مرحلة التوسع المقبلة. فالمرأة والرجل هما عماد التراث والعرس الفلسطيني. والمرأة والرجل كانا يتغزلان أحدهما بالآخر في الأعراس التي كانت تجمع أهل القرية والقرى المجاورة.
في رأي آغا أن التراث الفلسطيني يختلف بين منطقة وأخرى. ولهجة سكان عكا تختلف عن حيفا، نابلس أو غزة. وكذلك الأمر بالنسبة للكلام والموضوع الذي يردده الغناء التراثي وأسلوبه. ويقرأ آغا جامعاً بين الغناء التراثي في كل ما يسمى محور بلاد الشام. في النهاية نحن كنا بلداً واحداً في كل من فلسطين، لبنان، سوريا والأردن. الاستعمار وضع الحدود وقسّم الشعوب واحتلّ الأرض. ولا شك في وجود روح تجمع التراث في هذه البلدان الأربعة نظراً لتنقل شعوبها وصلاتهم بين بعضهم البعض.
رداً على سؤال يقول آغا: وصل التحديث إلى التراث على صعيد التوزيع الموسيقي. الفنانة سناء موسى غنت العرس الفلسطيني بأسلوب حديث، وكذلك ابراهيم صبيحات وغيرهما. وهناك من قدم هذا العرس في أجزاء ستة بتوزيع يتضمن آلة الأورغ.
يفرح الفنان محمد آغا كثيراً حين نسأله إن وجد تشجيعاً ويقول: كل من سمع بتأسيس فرقة «كواشين» سارع للمباركة والدعم والتشجيع. بدوري أرى المستقبل بعين وردية.
هي مرحلة جديدة يدخل فيها الفنان الفلسطيني حيز الإعلام والإعلان بعد عمّار حسن، محمد عسّاف ويعقوب شاهين. يوافق محمد آغا أن بروز هؤلاء النجوم من حاملي الهوية الفلسطينية ترك أثراً إيجابياً في مسيرة غيرهم. كان يرانا البعض أننا الشعب الذي لا يجيد غير حمل البندقية وإطلاق الرصاص. لكن تفاجأ هؤلاء بأن شعبنا قادر على النضال والغناء كذلك. نحن نغني للبندقية وعالرباعية وللحب أيضاً.
في سيرته الخاصة بدأ محمد آغا عازف غيتار في فرقة محلية في جنوب لبنان. بدأ تعلم الموسيقى في عمر الثماني سنوات فالآلات الوترية كانت تهز كيانه بمجرد رؤيتها، فيسارع إلى المكنسة محولاً اياها إلى أوتار ويبدأ الدندنة. إمساكه بالبدايات أو بمفاتيح النوطا والغناء كانت على يد صهره رمزي هلال أبو نبيل، الذي أسس أول فرقة فنية فلسطينية في مخيم عين الحلوة. فرقته هذه كانت تحي أعراس المخيم مجاناً بهدف المساهمة في فرح الناس.
في حياة محمد آغا الفنية مشاركته في ذكرى استقلال لبنان سنة 2012 في البرازيل بدعوة من السفير اللبناني وهناك غنى التراث اللبناني. وفي افق «كواشين» سعى لإحياء حفلات في عدد من دول أمريكا اللاتينية حيث ينتشر الملايين من الفلسطينيين، اللبنانيين والسوريين المهاجرين.
في تعريف الدارسين والباحثين للأغنية الفلسطينية التي سمعنا جزءاً يسيراً منها في مترو المدينة أنها «أحد عناصر التراث الفلسطيني التي يمكن لكل متمعن أن يضع يده من خلالها على مواطن الألم ومحطات العذاب التي مر بها الشعب الفلسطيني. وبالوقوف على محتواها يمكن معرفة أساليب الحياة والعادات والتقاليد، والأدوات التي استخدمها هذا الشعب للتغلب على ظروف الحياة وقهر القهر. وتصور الأغنية الشعبية القيم الفلسطينية التي آمن بها الشعب الفلسطيني، وما ينكره ويستهجنه من تصرفات غير مقبولة. وهذا التراث الذي صمد أمام كل التحديات وكل غزو، لم يكن يتسنى له الصمود، إلا من خلال تعليمه وحفظه ومزاولته».

محمد آغا: «كواشين» خطوة على طريق نشر الأغنية والعادات والتقاليد
تحي التراث الفلسطيني والأعراس المشهودة
زهرة مرعي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left