فيلم «علي معزة وإبراهيم»: الواقع ومصادفات تجاوزه

محمد عبد الرحيم

Apr 08, 2017

القاهرة ـ «القدس العربي»: لم تعد في مصر حياة يمكنها الانتماء أو الاحتماء بما يُسمى المنطق، وكل الأحداث في السنوات الأخيرة وحتى الآن تبدو وكأنها خارج أي سياق منطقي أو عقلاني، فقط أفعال تتقافز في الهواء، مجانية بلا مبرر أو سبب، جيل حاول أن يحلم فتتم معاقبته في كل لحظة على هذه المحاولة، وفي إصرار شديد على محو ذاكرته وجعله يندم على مجرّد المحاولة. وفي ظل هذا العبث لا يمكن في حال تقديم عمل فني يسرد حكايات عما يُسمى بالواقع، فتجاوزه أصبح ضرورة، بما أننا نتحدث من خلال الفن، وفن السينما بشكل خاص، فن الحلم الأول. لكن هذا التجاوز يخلق منطقه الخاص أيضاً، وأي خلل سيؤدي في النهاية إلى حالة أكثر عبثية مما نحياه. «علي معزة وإبراهيم» الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج شريف البنداري، عن قصة للمخرج إبراهيم البطوط، ومن إنتاج محمد حفظي. هذه التركيبة بدورها لها أهميتها في ما أحاط الفيلم من الترويج والدعاية الكبيرة، سواء من بعض الفنانين أو من محرري الصحف والمواقع الإلكترونية من متابعي الأفلام. الفيلم أداء علي صبحي، وأحمد مجدي، وسلوى محمد علي، وناهد السباعي، وأسامة أبو العطا. سيناريو أحمد عامر، تصوير عمرو فاروق، مونتاج عماد ماهر، موسيقى أحمد الصاوي.

ما هو كائن

يبدأ الفيلم بأغنية «اللف في شوارعك» للمطرب محمد محسن، والأغنية نفسها يؤديها أحد مطربي الحي في استديو أشبه بالوكر، وفي لحن آخر يصم الآذان. هكذا الحال إذن، فالأغنية ذات الحِس السياسي أصبحت في بساطة شديدة أغنية مهرجانات، يتراقص عليها المساطيل. ووفقاً لحياة المساطيل هذه، يتحول الأمر إلى سلوك المجاذيب، والمتمثل في ضابط الشرطة الذي يُصر أن «الدب» الضخم ــ هدايا الحب المعهودة ــ محشو بالمخدرات، فينهال عليه طعناً، حتى تتحقق هواجسه، وبالطبع أصبح في موقف يزيده سخرية.

الشاب الذي أحب المعزة

علي معزة (علي صبحي) أصبح تعلقه بمعزته «ندى» يثير سخرية الحي الشعبي الذي يسكنه، ويثير الريبة والشك في قلب الأم على حال ابنها، الذي أصبح عاشقاً لهذا المخلوق، ولا يستطع العمل على سيارة والده، ويكتفي بالجلوس بجوار سائقها وهو صديقه المقرّب. بينما المدعو إبراهيم (أحمد مجدي) موسيقي ويعمل في ما يشبه الوكر، لتسجيل الأغنيات الشعبية أو أغنيات المهرجانات السائدة هذه الأيام، ولكنه ممسوس كعائلته بسماع الأصوات الغريبة، التي أفقدت حاسة السمع والنطق، وجعلت أمه تنتحر. كل منهما في البداية يسمع عن الآخر ليس أكثر، رغم كونهما يقيمان في حي أو حارة واحدة.

الرحلة وتفاصيلها

من البدايات يؤسس الفيلم للجو الخاص والمنطق الذي له حرية اختياره، لكن تبدأ بعد ذلك سلسلة الافتعالات التي لا تنتهي، والتي تخرج بدورها عن منطقها الذي استنته في البداية. لابد من اجتماع علي وإبراهيم، فلتكن المصادفات، حيث يذهب علي مجبراً بمصاحبة أمه إلى أحد الدجالين للخلاص من حالة الحب الغريب التي يعيشها مع ندى، وفي الوقت نفسه يذهب إبراهيم للتخلص من الأصوات التي يحاول الهرب منها دون جدوى. ليس هذا فحسب، بل ويكون علاج كل منهما هو نفسه، بأن يلقيا ثلاثة أحجار في الماء المصري بأكمله، الإسكندرية، البحر الأحمر، ونهر النيل! ولا ننسى أنه لابد من رحلة وأن يتقارب كل منهما وتظهر معجزات ندى. وكيف لا تكون البداية من نهر النيل القريب منهما، فلتكن النهاية عنده والسلام. ندى التي تهرب في سيناء، وتنقذ علي وإبراهيم من حادث السيارة بعد أن تخلفا عنها، خلال بحثيهما عن ندى نفسها، والتي تنبه علي بأن إبراهيم كان يعبث بحقيبته، أصبحت لها كرامات.

العودة

وفجأة يموت جد إبراهيم، والأخير فشل في محاولة الانتحار غرقاً، فيعود بصحبة علي، الجد عازف العود، الآلة التي يخشى إبراهيم العزف عليها، لأن الكوارث تلاحقه كلما انتوى ذلك، فيشجعه علي ويخبره أن الرجل مات بالفعل، ولا داعي للخوف بعد ذلك. (ممم … وبعدين ممكن نعمل إيه تاني؟) نعود إلى البداية ومشهد انقاذ فتاة الليل وإحراق سيارة خاطفيها، ليعودوا بدورهم وينتقمون من علي وصديقه سائق الميكروباص، إلا أن جميع شباب الحارة ومعهم السائق يلعبون الكرة الآن، فيستغيث علي بإبراهيم، الذي ينجح في تسجيل الأصوات، ويسلطها عليهم فيسقطون جميعاً، وفي هذه اللحظة تختفي ندى وتزور جميع أهل الحارة في منامهم، بينما يدخل علي في غيبوبة.

عن ندى و«حاجات تانية»

يخبر سائق الميكروباص إبراهيم بالحكاية، فندى كانت خطيبة علي، وسقطت فجأة وهما يسيران معاً على كوبري قصر النيل، دون أن يدري علي، وفجأة وجد هذه المعزة، فتوهم أن روح ندى سكنتها، علي ليس بمجنون أو مختل، ولكنه الحب. فليكن الحب ولتكن ندى، وهي ألطف شيء في الفيلم بالفعل.
نأتي للكليشيهات التي لم يستطع الفيلم الهرب منها، كسائق الميكروباص الذي وقع في هوى فتاة الليل، وبالتالي نصل إلى النتيجة المعروفة، وهي أن تتوب عما تفعله وتتزوج وتصبح فتاة عادية. (باب الرحمة والمغفرة واسع برضو).
وفي مشهد دخيل يذهب إبراهيم وعلي وهما في الإسكندرية لعجوز يعمل في رتق الملابس (رّفا) لنعلم أنه والد إبراهيم الذي هجره وأمه منذ زمن، وبما أن إبراهيم يعرف الرجل هكذا ويعرف مكانه، لماذا لم يذهب إليه من قبل؟
في انتظار ندى

يستفيق علي، ويعلن أن ندى لن تعود طالما عرف الجميع قيمة روحها، وأنها ليست مجرد معزة تثير السخرية، لتبدأ الحارة بعمل ملصقات وكتابة كلمات على الجدران تدعو ندى بأن تعود، وأن تتجسد في تمثال على مشارف الحارة، ولم يعد أحد يسخر من علي ونداه، بل تعاونوا جميعاً على الاحتفاظ والحفاظ على ذكراها الغالية.

تجربة لافتة

ورغم ذلك يبدو الفيلم كتجربة لافتة، بالنظر لما تقدمه السينما المصرية اليوم، هذا أولاً، وأيضاً بالنسبة لتجارب إبراهيم البطوط، الغارقة دوماً في تهويمات غريبة، المتمثلة في أعمال عديدة كـ»عين شمس» و«إيثاكا» و«حاوي» وفيلمه الثوري «الشتا اللي فات»! وأيضاً بالنسبة لمخرجه شريف البنداري، الذي يتم الترويج جيداً لأفلامه وحشد المضروبين بالثقافة للحديث عنها هنا وهناك.

علي صبحي

الممثل علي صبحي كان يفضح دوماً أداء مَن حوله من الممثلين ــ رغم اجتهادهم ــ بخلاف تعبيرات أسامة أبو العطا المبالغ بها ــ سواء في كلماته الحكيمة والمعهودة لحبيبته فتاة الليل أو في تعبيره عن مشاعره لصديقه علي، أو حتى وهو يحاول أن يبدو خفيف الروح موضحاً سر تعلق علي بندى ــ صبحي وكأنه لا يمثل ولا يفتعل أي إيماء أو حركة، والذي يمكن تصديقه بسهولة وكأنه علي معزة طوال حياته، وهو دوره الأول كشخصية رئيسية في فيلم روائي طويل، واستحق عنه جائزة أحسن ممثل في مهرجان دبي الأخير.

فيلم «علي معزة وإبراهيم»: الواقع ومصادفات تجاوزه

محمد عبد الرحيم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left