ما زال المرء عالِماً ما طلب العلم: الدِّقّة في ترجمة المصطلح

د. عبد الواحد لؤلؤة

Apr 08, 2017

ثمة بعض المصطلحات مما شاع استعماله في الكتابات الأدبية والنقدية، يحسُن بنا النظر في مدى الدقة في ترجمتها إلى العربية، لأن أغلبها مستورد من لغات أجنبية، لم تكن ترجمتها دقيقة لدى أول ظهورها، في الكتابات الأدبية والنقدية، في أكثر من نصف قرن مضى، يوم بدأت الترجمة عن اللغات الأجنبية، وبخاصة الإنكليزية والفرنسية.
أول هذه المصطلحات هي «الكلاسيكية» و»الرومانتيكية» وهو خطأ في النسبة إلى الاسم «كلاس» و»رومانس». فالمصطلح الأول، في الإنكليزية والفرنسية يأتي من أصل الكلمة اللاتينية classis وتفيد الطبقة المتميزة في المجتمع الرومي، خلاف vulgos أي الطبقة الدنيا أو العوام. وعلى امتداد العصور الوسطى الأوروبية كانت اللاتينية هي لغة الأدب والثقافة، ولغة الكنيسة قبل ذلك كله. وكان الأدب، والشعر منه بخاصة، هو الأدب الإغريقي في ترجمته إلى اللاتينية، وفي الشعر هو تراث أوفيد وفرجيل. ويوصف هذا الأدب بصفة classis أي طبقة عالية، فجاء منها في الإنكليزية ic للصفة: classis، وفي الفرنسية بإضافة ique وفي الألمانية بإضافة isch على جذر الاسم اللاتيني class.
وفي العربية نحن ننسب إلى الاسم بإضافة ياء النسب. فنقول: خشبي، نسبة إلى الخشب، وبحري، نسبة إلى البحر، وشمسي وقمري… وكلها نسبة إلى الاسم. لذا يجب أن تكون الترجمة الدقيقة إلى العربية: كلاسي وكلاسية، لأن في القول «كلاسيكي» و»كلاسيكية» نكون قد نَسبنا مرتين، مرة بلاحِقَة النسب الأجنبية، ومرة بياء النسب العربية، وهذا لا يجوز.
والاسم vulgos قد تطور في الاستعمال الأدبي على يد دانته اليكيري أول مرة، في كتابه غير المكتمل الذي كتبه باللاتينية بعنوان De vulgari eloquentia وذلك بين عامي 1302 ـ 1305، أي «فصاحة العامية» واصفاً عامية اللاتينية، التي دُعيت اللاتينية الجديدة أول الأمر ثم استقرَّت على اسم «الإيطالية» وهي اللغة التي كتب بها أهم قصيدة في العصور الوسطى «الكوميديا الإلهية» Divina Comedia بأقسامها الثلاثة: الجحيم، المَطهَر، الفردوس. يناقش دانته في ذلك الكتاب الذي لم يكمل أجزاءه الأربعة، أن، لغة العوام لها فصاحتها الخاصة التي لا تقصّر عما في اللاتينية «عالية الطبقة». وصفة vulgari كانت تعني في بدايتها «عامية» ومع الاستعمال صارت الصفة في اللغات الأوروبية، التي ظهرت بنهاية العصور الوسطى، تعني «المبتذلة». وكلمة «كوميديا» هي الأخرى كانت تفيد في أول ظهورها «قصيدة حول موضوع كبير بلغة عامية» وهذا موضوع «الكوميديا الإلهية» ولغتها: لاتينية العوام، الإيطالية. يترجم بعضهم عنوان كتاب «دانته» على شكل «بلاغة العامية» وهذا غير دقيق، لأن «البلاغة» تقوم على المحسنات من جناس وطباق وأمثالها لتحسين المعنى، بينما العامية تكون صريحة واضحة. ففي تراث الشعر العربي: «وتحت الرغوة اللبّنُ الفصيح» أي الواضح، دون رغوة.
وكلمة «رومانتيكية» هي الأخرى تعاني من الخطأ نفسه في النسبة مرتين: مرة بلاحقة النسبة الأجنبية: ic وأمثالها في اللغات الأوروبية الأخرى، ومرة بلاحقة، النسبة بالعربية: الياء. جذر الكلمة romace تفيد في أصلها: الخيال، ثم تطورت في الاستعمال لتفيد: الحب. والصفة romantic وأمثالها في اللغات الأوروبية الأخرى يجب أن تترجم بإضافة ياء النسب العربية فتقول «رومانسي» والمذهب الأدبي الذي يعالج الخيال أو الحب: «رومانسية» وليس استعمال لاحقة النسبة الأجنبية وبعدها العربية. وقد ذهب بعضهم إلى صيغة: رومنطيقي ورومنطيقية وهذا خطأ، لأنه لا يوجد في اللغات الأوروبية حرف طاء ولا حرف قاف. لذا فالأدق أن نقول: قصيدة رومانسية، والأدب الرومانسي.
أما صفتا: إتباعي وابتداعي، المنسوبتان إلى العقّاد فهما ترجمة غير دقيقة: إتباع مَن؟ الأدب الأوروبي في القرن الثامن عشر كان يتبع الادب اللاتيني، أحياناً. ولكن بعض الأدب الأوروبي، في نهايات القرن التاسع عشر، في فرنسا بخاصة، كان يتبع الرومانسية التي نشأت في أوائل القرن التاسع عشر، امتداداً للرومانسية الألمانية. لكن الرومانسية الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر كانت مغرقة في اتباع الرومانسية فدُعيت باسم «مرض العصر». فأي الاتباعين نقصد؟
و»ألفاظ العقود» تثير خلافاً آخر في الاستعمال. فالألفاظ عشرون، ثلاثون… تسعون، في حالتي النصب والجر، كما في حالة الرفع، هي «أسماء» تقبل الجمع كما تقبل النسبة بالياء، لتعمل عمل الصفة. فالسنوات 1820، 1821… 1829 هي «عشرينات القرن التاسع عشر» وليس «عشرينيات». فالأولى جمع الرقم «عشرون» والثانية صفة فتاة في العشرين من العمر، أو ذكرى حادثة مرَّ عليها عشرون سنة. نقول: أربعينية الشهيد، أي ذكرى استشهاده، بعد أربعين يوماً، أو أربعين سنة. فهي صفة، لكن أربعينات القرن العشرين قد شهدت حروباً في أوروبا، أو كساداً اقتصاديا في بلد أو آخر… ثم: جمع الصفة «أربعينية» على أربعينيات القرن العشرين ثقيلة على اللفظ غير مستساغة، علاوة على الخطأ في جمع الصفة، فهي ليست مثل: فتيات شقراوات، أو وردات حمراوات، أو: صفات مهملات.
وكلمة «آجندة» شاعت في استعمال خاطئ. فهي كلمة لاتينية: جمع المفردة «آجندُم» أي جدول أعمال، و»أجندة» هي جداول أعمال، فكيف صارت في الاستعمال العربي «آجندات»؟ هل هذه صيغة جمع الجمع، أو صيغة منتهى الجموع؟ فلماذا لا نستعمل الكلمة العربية الجميلة: جدول أعمال، جداول أعمال، ونفضّل الكلمة الأجنبية، من باب التعالم واصطناع «الأوروبة»؟
وثمة مصطلح «الكلاسيكيون الجُدُد» و»المحافظون الجُدُد» فهي في الأصل neo classical وneo conservatives أو neo cons. أولا: لا يوجد «كلاسيكيون» قُدامى ليكون عندنا «جُدُد». فالكلاسيون «قُدامى» في الأصل، ويبقون «قُدامى» ولما جاء أدباء القرن الثامن عشر في أوروبا وراحوا يقلدون الأدب القديم أو «الكلاسي» وضعوا له صفة neo اللاتينية التي تفيد الجديد كذلك. لكنهم لم يقولوا new classical، بل استعملوا الصفة اللاتينية لكي تفيد ما تفيده صفة «الجدَّة» في الصفة العربية، في إشارة رهيفة إلى المعنى المتشابه. لذلك يجب أن نقول في العربية «الكلاسية المُحدَثة» و»الكلاسيون المُحدَثون» ومثل ذلك: «المحافظون المُحدَثون» وليس «الجُدُد».
وأخيراً: مصطلح «الشعر الحُرّ» ذلك الخطأ العنيد المقيم منذ طرحته الشاعرة العراقية المبدعة نازك الملائكة عام 1949 في ديوانها الثاني «شظايا ورماد» وتوسعت في شرحه في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» 1962. نازك التي درست للماجستير في «ويسكونسن» تعرف جيداً معنى «الشعر الحُرّ» free verse فهو ليس free poetry وهو ما لم يقُلهُ الشاعر الأمريكي «والت وتمان» عام 1855 في مجموعته بعنوان «أوراق العشب» Leaves of Grass ذلك التأليف النثري ذي الشحنة الشعرية العالية، لكنه يخلو من الوزن والقافية. والذي فعلته نازك في قصيدتها «الكوليرا» عام 1947 أنها «تحرّرَت» من عدد التفعيلات في البيت الشعري العربي التراثي، لكنها «لم تتحَرَّر» من التفعيلة التراثية، فكيف يكون ذلك الأسلوب الجديد في النظم «شعراً حُرّاً» يشبه ما كتبه الشاعر الأمريكي وتبعه كثيرون في أمريكا وأوروبا. لكن الذي حصل في الشعر العربي بعد نازك أن كثيراً من أصحاب المواهب الضعيفة صاروا يصفّفون كلمات ويصفونها بالشعر الحُرّ. يا للمصيبة! على رأي يوسف بك وهبي!
أنا لا أستطيع أن أجدَ تفسيراً مقنعاً لاستمرار بعض الكتّاب على استعمال الترجمة الخطأ لمصطلح جاءنا من خارج تُراثنا. فالمصطلح الأجنبي إذا لم يجِد تعريباً مناسباً، أو مفردة تعادله فلا بأس من ترجمته بالإبقاء على صورته ولفظه الأصلي. فكلمة «درامه» وليس «دراما» مثل «موسيقى» وليس «موسيقا» هو اللفظ الصحيح في لغة الأصل، الإغريقية والإيطالية، ويجب الإبقاء عليها كما وردت. ولا يجوز القول «هذا ما وجَدنا عليه آباءنا» من «الأدباء قد الدنيا» لأن تصحيح الخطأ واجب، بتقديم الدليل والتفسير المقنع. ولا غضاضة في ذلك. لأنّه «ما زال المرء عالِماً ما طَلَبَ العِلم؛ فإذا قال عَلِمتُ فقد جَهِلْ».

ما زال المرء عالِماً ما طلب العلم: الدِّقّة في ترجمة المصطلح

د. عبد الواحد لؤلؤة

- -

1 COMMENT

  1. أستاذنا الكبيرالبروفسورعبد الواحد لؤلؤة : من رواد الأدب العربيّ الحديث حفظك الله.صدقت الاستشهاد { وتحت الرغوة اللبّنُ الفصيح }.هذا من شعرنضلة السُّلميّ القائل :
    رأوه فــــــــــــــازدروه ؛ وهـــــوخــــــرق
    وينفــــــــــــع أهله الرجل القبيــــــــحُ
    فلم يخشــــــــــــــوا مصالته عليهم
    وتحت الرغوة اللبن الفصيـــحُ
    أدامك الله رائداً مبدعاً فصيحاً بلغات القوم من : العرب والعجم والروم ؛ مع فائق التقديروالاحترام.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left