تشكل وعاء انتخابيا مهما ينقصه التأطير والتنظيم: الجالية العربية ستصوت في الانتخابات الرئاسية الفرنسية للمرشح الأقل «ضررا» ولقطع الطريق على مارين لوبان

هشام حصحاص

Apr 08, 2017

باريس ـ «القدس العربي»: على بعد أسبوعين من موعد الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرى في 23 نيسان /أبريل الحالي، تزداد يوما بعد يوم حدة المنافسة بين المرشحين الأحد عشر، وكل يسعى لاستمالة أكبر عدد من الأصوات عبر مغازلة مختلف الطبقات الاجتماعية والأحياء الشعبية. وتعتبر الجالية العربية وعاء انتخابيا مهما أصبح يسيل لعاب العديد من المرشحين، الذين يحاولون استمالة هذه الفئة الناخبة التي تمثل نحو مليوني صوت حسب أرقام غير رسمية.
ورغم هذا العدد المهم الذي تمثله الجالية العربية فإن نسبة العزوف عن التصويت تبقى عالية بسبب عدم إحساس الأغلبية بانتمائها الفعلي لفرنسا وبسبب التمييز والتهميش الذي تعاني منه الجاليات العربية والإسلامية وخصوصا الطبقة الاجتماعية الفقيرة في الأحياء الشعبية.
وبالتالي، ما هو الوزن الحقيقي للفرنسيين من أصول عربية؟ وهل هذا المخزون الانتخابي، يشكل عامل قوة وتأثير أم لا؟ وما الذي يحول دون تحول الجالية العربية إلى قوة نافذة في القرار السياسي الفرنسي؟

انقسام حول برامج المرشحين

مع قرب الانتخابات الرئاسية، أصبح الحديث عن السياسة أمرا شبه يومي في منزل عائلة محمد القاسمي وهو من أصول مغربية. فالأب المتقاعد بعدما قضى أكثر من أربعين سنة في العمل كسائق حافلة، أصبح يهتم بالسياسة وبات يستهويه خطاب وفصاحة مرشح الحزب الراديكالي، جان لوك ميلونشون. وأوضح القاسمي في حديثه لـ «القدس العربي» أنه اختار ميلونشون لأنه «وعد أن يعيد الاعتبار للطبقة العمالية الكادحة. كما تعهد برفع رواتبهم، وخفض رواتب كبار المسؤولين الذين يجنون الملايين». وأضاف «أصوت منذ عقود على اليسار الاشتراكي، ولم ألمس أي تغيير، لا من ناحية الانتخابات المحلية أو الرئاسية. أرغب بانتخاب رئيس من الشعب وليس النخب السياسية الحالية التي لا تكترث للمشاكل الحقيقية المتمثلة في البطالة في صفوف الشباب والفقر». أما مريم القاسمي 22 سنة، طالبة جامعية، فهي تخالف رأي والدها، و «لا تعتبر ميلونشون ممثلا للجيل الحالي والرئيس المناسب لفرنسا، لأن أفكاره غير قابلة للتحقيق، وهلامية بعض الشيء» حسب تعبيرها. وتقول مريم أنها قد حسمت أمرها وقررت التصويت لصالح امانويل ماكرون، المرشح المستقل، زعيم حركة إلى الأمام، باعتباره :»شابا يرغب في تغيير فرنسا نحو الأفضل، ولأنه يعادي خطاب اليمين المحافظ واليمين المتطرف تجاه العرب والمسلمين» حسب الطالبة التي ترتدي الحجاب. أما شقيقتها حياة، وتعمل موظفة في البلدية، فقد أقرت أنها «لم تحسم أمرها بعد». وتنتظر «آخر لحظة لاختيار المرشح الذي يستحق أن نصوت عليه. فهذه مسؤولية كبيرة، لأننا سنختار رئيسا لمدة خمس سنوات». وتضيف حياة، 33 سنة «لقد مللنا من وعود المرشحين ولا أحد يكترث لهموم الشباب ومعاناتهم، خصوصا شباب الضواحي الذين يعانون من التمييز والتهميش». كما تبدي الشقيقة الكبرى الثلاثينية، مخاوفها من فوز اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان. وأوضحت، أنه في حال فوزها فإنها تفكر» بشكل جدي في مغادرة فرنسا والاستقرار في بلدها الأصلي، المغرب، أو البحث عن فرصة عمل في بلد أوروبي مجاور».

مخاوف العزوف عن التصويت

ما يزال حضور الجالية العربية والإسلامية محتشما خصوصا في ما يتعلق بالعمل السياسي، والانخراط في الأحزاب، من أجل الدفاع عن مصالحها، وتولي المناصب المهمة في مختلف أجهزة الدولة. ويرجع هذا أساسا إلى عزوفها عن السياسة بشكل عن عام وعن التصويت في مختلف الاستحقاقات الانتخابية سواء كانت رئاسية، أو تشريعية أو محلية.
ويعزو محللون هذا العزوف إلى عوامل عدة، بين ما هو مرتبط بالجالية نفسها، لأسباب اجتماعية وثقافية وأخرى وسياسية.
موجات الهجرة الأولى التي عرفتها فرنسا بداية النصف الثاني من القرن العشرين كانت تتكون أساسا من اليد العاملة غير المتعلمة، التي تم استقدامها من الجزائر وتون والمغرب للعمل في البناء وأنفاق المترو وشركات الصناعات الثقيلة، وغيرها من الوظائف التي لا تتطلب مستوى تعليميا.
كما أن الجيل الأول من المهاجرين لم يكن جيلا متعلما بشكل عام ولم يتمكن من الاندماج في المجتمع الفرنسي، وبالتالي فشل في الانخراط في الحياة السياسية. وأوضح محمد هنيدي، الأستاذ في العلاقات الدولية في جامعة باريس، أن» غياب الثقافة السياسية والوعي المدني كانا عائقا أمام الموجة الأولى للمهاجرين العرب والمسلمين، بشكل منعهم من التأثير في هذا المحيط بل والحضور فيه بشكل فعال». وأضاف هنيدي، أن هؤلاء المهاجرين عاشوا «في أحياء شعبية تتكدس فيها العائلات الفقيرة والمتوسطة الدخل، فيما يسمى الغيتوهات المغلقة والمخصصة لطبقة اجتماعية بعينها، مما يمنعهم من الاختلاط الحقيقي بالآخرين، وهوما ساهم بشكل كبير في تغييبهم عن المشهد السياسي الفرنسي».
أما بالنسبة لعزوف الجيلين الثاني والثالث عن السياسة وعن التصويت، فأوضح الناشط ناصر لجلايني في جمعية «قوس قزح» لـ»القدس العربي» أن شباب الضواحي يعانون من «نظام ميز حقيقي» أو «أبرتهايد» بسبب التهميش والارتفاع المهول في نسبة البطالة، إضافة إلى العنف الذي يتعرضون له علي يد قوات الأمن وهو ما يعزز الإحساس لديهم بأنهم «مواطنون من الدرجة الثانية». وأضاف: «الطبقة السياسية لا تهتم بشباب الضواحي، ولا نراها سوى أثناء الحملة الانتخابية». كما حذر المسؤول في جمعية «قوس قزح» في الضاحية الباريسية، أنه «إذا استمر الأمر على هذا الحال فإن موجة جديدة من الاحتجاجات العنيفة مثل الانتفاضة الشعبية في عام 2005 قد تنفجر في أي وقت، بسبب إحساس الشباب بالتهميش، وغياب برنامج حكومي حقيقي لتوفير فرص شغل لهم».
لكن هذا الجيل الصاعد من شباب العرب والمسلمين بدأ يعي أهمية العمل السياسي من أجل الحصول على حقوقه، وبدأ ينخرط بشكل فعلي في الأحزاب السياسية والمؤسسات الحقوقية من أجل إسماع صوته. وكانت مشاركته الكثيفة في انتخابات 2012 قد ساهمت في قلب موازين القوى لصالح المرشح الاشتراكي على حساب الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، الذي كان له موقف عدائي من شباب الضواحي، وكان قد وصفهم، بـ»الرعاع» وهو ما أثار موجة استنكار واسعة.
وأكدت دراسة أجراها معهد فرنسي عام 2012 أن الفرنسيين من أصول عربية لعبوا دورا حاسما في فوز فرانسوا أولاند في الانتخابات الرئاسية. وكان الرئيس فرانسوا أولاند قد فاز بفارق ضئيل أمام منافسه نيكولا ساركوزي، وبنسبة لم تتجاوز حينها 3 نقاط مئوية، أو ما يعادل أقل من مليون صوت.

التصويت لقطع الطريق على مارين لوبان

وإذا كانت الجالية العربية والإسلامية قد صوتت بكثافة في الانتخابات الرئاسية عام 2012 لصالح فرانسوا أولاند، من أجل منع نيكولا ساركوزي من ولاية ثانية، فإن انتخابات هذا العام، ستكون مختلفة تماما بسبب تغير المشهد السياسي، وظهور وجوه جديدة لم تكن موجودة من قبل، وبسبب الاستياء الكبير للأغلبية الساحقة من العرب والمسلمين من الحزب الاشتراكي الحاكم الذي صوتوا له بكثافة. يشار إلى أن القيادي الاشتراكي، ورئيس الحكومة السابق، مانويل فالس، كان أثار موجة تنديد واسعة في أوساط الجالية العربية والمسلمة، بعد تصريحاته عن الحجاب، ووصفه بأنه يعتبر رمزا لـ»خنوع وخضوع المرأة» إضافة إلى مواقفه المؤيدة لمنع اللباس الشرعي «البوركيني» في البحر.
وفي تصريح لـ «القدس العربي» يرى المتحدث السابق باسم المرصد الفرنسي لمحاربة الإسلاموفوبيا ياسر لواتي، أن «المسلمين لن يخدعوا مرتين من الجحر نفسه، لأنهم أحسوا بالخذلان من الحزب الاشتراكي الذي ساعدوه للوصول للسلطة، ورغم ذلك اتخذت حكومة فالس موقفا عدائيا من المسلمين خصوصا بعد الأحداث الإرهابية». وأضاف «كما أن اليسار مثل اليمين، استخدم فزاعة الإرهاب من أجل تضييق الحريات على المسلمين وتم حل عدة جمعيات ومساجد من دون وجود أدلة دامغة على تورطها في أي أعمال إجرامية». كما يؤكد لواتي أن «تصويت المسلمين ككتلة منسجمة وموحدة يعتبر وهما ولا علاقة له بالواقع، لأن عددا من الأحزاب السياسية خصوصا اليمينية منها تستخدم هذا الوصف من أجل اتهام المسلمين بأنهم يعيشون كجماعات ويصوتون أيضا كجماعات، وبالتالي غير مندمجين في المجتمع الفرنسي».
وفي ظل انعدام استطلاعات الرأي حول النوايا التصويتية للناخب المسلم في انتخابات 2017 لأن القانون الفرنسي يمنع إجراء أي احصاءات اعتمادا على العرق أو الدين أو اللون، فإن عددا كبيرا من العرب والمسلمين يرون في شخصية امانويل ماكرون، شخصية معتدلة ومنفتحة، وغير محسوبة على أي تيار أو حزب سياسي تقليدي، ولم يسبق له أن كانت له عداوة مع المسلمين من قبل. كما أن المرشح المستقل وصاحب حركة إلى الأمام، كانت له تصريحات قوية ضد زعيمة اليمين المتطرف، واتهمها بتغذية النعرات الطائفية وتقسيم المجتمع الفرنسي. كما دافع بشكل لافت عن المسلمين واستنكر الحملة التي يتعرضون لها بشكل مستمر من طرف اليمين المتطرف. إضافة إلى مواقفه الايجابية من الهجرة واللاجئين.
ويرى المتحدث السابق باسم المرصد الفرنسي لمحاربة الإسلاموفوبيا، أن المسلمين، سيحاولون التصويت للمرشح «الأقل ضررا» كما أنهم سيصوتون للمرشح الذي «سيستجيب لتطلعاتهم في ملفات الاقتصاد والعمل والأمن». كما أوضح أن «الأولوية تبقى قطع الطريق على اليمين المتطرف الذي يستعدي المسلمين ويشيطن الدين الإسلامي».
وفي تصريح لـ «القدس العربي» قال الدكتور أحمد جاب الله، الأكاديمي والرئيس السابق لاتحاد المنظمات الإسلامية، أن «تصويت العرب والمسلمين أصبح له قوة وتأثير، ويجب علينا حسن استخدامه من أجل الدفاع عن قضايانا ومن أجل فرض وجودنا باعتبارنا مواطنين فرنسيين» وأضاف «يجب تفعيل العمل السياسي أكثر فأكثر لأن تأثيرنا في الحياة السياسية وحضورنا ما يزال باهتا ولا يتناسب مع حجمنا الحقيقي، ولهذا يجب أن يكون هناك توجه للمشاركة بشكل فعال في كل الاستحقاقات الانتخابية».
واستبعد الرئيس السابق للمنظمات الإسلامية في فرنسا أن يكون هناك توجيه للمسلمين للتصويت لأن «فرنسا دولة علمانية وليس من العرف أن تتدخل المؤسسات الدينية في العمل السياسي» وأضاف الدكتور جاب الله «لمسنا حسا لدى جاليتنا بأنها تريد تغيير الأمور للأفضل والدفاع عن حقوقها. كل ما يمكن أن نقوم به، هو تشجيعها على التصويت مهما كان المرشح. ولكن في الغالب سيصوت المسلمون على مرشح معتدل، مواقفه مسالمة تجاه الإسلام والمسلمين».
يشار إلى أن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية وجه رسالة مفتوحة إلى المرشحين للانتخابات الرئاسية، من أجل التعبير لهم عن «آمال مسلمي فرنسا ومخاوفهم، والتأكيد على التزامهم بمبادئ الجمهورية العلمانية وقيمها». وأكدت الوثيقة «أن المجتمع الوطني الفرنسي واحد لا يقبل التقسيم وأن مسلمي فرنسا جزء من هذا المجتمع، مشددة على أنهم يرفضون الطائفية بدليل أن الدين الذي يعتنقونه يدعو إلى السلام والعدالة والاخاء والتضامن والمحبة بغض النظر عن الدين أو اللون أو الأصل».
وما يزال الحضور السياسي للجالية العربية غير فعال الأمر الذي يساهم في تكبيل حركتها وفرض وجودها، إضافة إلى غياب النخب العربية وفشلها في تجميع الصوت الانتخابي حتى يصبح كتلة انتخابية ذات قيمة، عبر العمل في شكل» لوبيات» توجه الناخب من أصول عربية بشكل يجعل المرشحين بكل أطيافهم يطلبون وده، ويسعون بكل الطرق من أجل استرضائه.

تشكل وعاء انتخابيا مهما ينقصه التأطير والتنظيم: الجالية العربية ستصوت في الانتخابات الرئاسية الفرنسية للمرشح الأقل «ضررا» ولقطع الطريق على مارين لوبان

هشام حصحاص

- -

1 COMMENT

  1. الواقع ان ليس هناك من خيار للناخب المسلم اما ان يختار جان لوك ميلانشن او ماكرون فربما قد يكونان أفضل من فيون وبطبيعة الحال لوبان، وبما ان حضوظ فيون قليلة جدا بسبب فضائح أسرته المالية وحبه الشديد للهدايا الكبيرة وذات القيمة العالية، فان التنافس سيكون اما بين ماكرون ولوبان او بين ميلانشون ولوبان ، غير ان الاحتمال الابرز سيكؤن بين لوبان وماكرون، وعليه سيكون هناك انتخاب جمهوري لمنع لوبان من الوصول الى الرئاسة الفرنسية. ولكن ونظرًا لمزاج الفرنسيين فقد تكون المنازلة بين ميلانشون وماكرون ولكن هذا طرح ضعيف ولكنه ممكن الحدوث.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left